مع صعود الحزب الديمقراطي الأمريكي برئاسة جو بايدن للرئاسة الأمريكية، يبدو أن الإدارة الجديدة ثابتة على مواقفها بشأن قانون «قيصر» الذي دخل حيز التنفيذ يونيو (حزيران) 2020، هذا الاستنتاج جاء بعد تعليق المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، على تصريحات وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد، التي انتقد فيها «قيصر» الأمريكي، مشددًا على أهمية لجوء نظام الأسد وداعميه للحوار السياسي وفتح المجال أمام المساعدات الإنسانية.

رد وزارة الخارجية لم يكن الأول على الإمارات التي لم تتأثر بالقانون، فبعد إقرار أمريكا لقيصر، قال الممثل الأمريكي الخاص المعني بشؤون سوريا في عهد الإدارة السابقة، جيمس جيفري، إن «الإمارات تعلم أننا نعارض بشكل مطلق اتخاذ دول خطوات دبلوماسية تجاه سوريا، وأوضحنا لهم أنها فكرة سيئة، ولن تساهم في تطبيق القرار 2254، وإنهاء النزاع».

قيصر الذي يستهدف أي فرد أو كيان يتعامل مع النظام السوري بغض النظر عن جنسيته، ويفرض عقوبات على أي شخص يقدم الدعم أو المساندة للنظام السوري بسبب ما ارتكبه من انتهاكات لحقوق الإنسان، سبب بعض التأثيرات على الدول المجاورة لسوريا كلبنان والأردن، أما تركيا ستكون أكثر استفادة من القانون، في حين أن نظام الأسد تحايل عليه في حالات كثيرة عن طريق توظيفه شركات وسيطه تمرر صفقاته.

لبنان وسوريا في سوق مغلق

في ظل ما يعيشه لبنان من أزمات اقتصادية وسياسية من عدم تشكيل حكومة حتى اللحظة، فضلًا عن شبه انهيار للمنظومة الطبية بسبب وباء كورونا، وافقت أمريكا على طلب لبنان باستثنائها من قانون قيصر فيما يخص تجارة المنتجات الزراعية مع سوريا.

هذه الموافقة جاءت بعد دراسة أجرتها وزارة الخارجية الأمريكية، في كيفية معالجة العمليات المرتبطة بتطبيق ثلاثة مواضيع في ظل القانون، وهي: شراء الطاقة الكهربائية من سوريا، وربط لبنان بالأسواق العربية عبرَ الأراضي السورية، وتجارة المنتجات الزراعية.

ففي فبراير (شباط) 2021، أرسلت وثيقة سرية من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يذّكر فيها السلطات بوجوب الالتزام بقانون العقوبات على سوريا «قيصر»، وذلك بعد إرسال وزارة الخارجية الأمريكية، في يناير (كانون الثاني) 2021 كتابًا إلى هيئة التحقيق التي يرأسها «سلامة» بأنها تدرس طلباتهم الثلاثة المذكورة سابقًا.

لبنان الذي يعاني من أزمات التعثر عن سداد الدين الخارجي والمحلي، وضعف موازنة الدولة ومواردها، اتهمت داخله بعض الأطراف اللبنانية «حزب الله» بالتسبب بالأزمة؛ من خلال تدخله في سوريا، فضلًا عن اتهامهم له باضطلاعه بشحنة «الأمونيوم» التي تسبب بانفجار مرفأ بيروت.

هنا تبدو المشكلة الأكبر في لبنان التي تأثر بها من قانون «قيصر»، بفصله عن دول جوار سوريا بما فيها الأردن على وجه الخصوص التي تعد بوابة الخليج لدول الشام، حسب ما يرى المحلل الاقتصادي، نبيل الإبراهيم، في حديثه لـ«ساسة بوست».

ويلاحظ «الإبراهيم» أن لبنان تأثرت صادراته إلى الخليج والأردن والتي تمر من سوريا بسبب العقوبات، وهذه المعضلة لم تحل حتى اللحظة، مع تكليف اللواء عباس إبراهيم، مدير الأمن العام اللبناني سابق، والمتوقع حصوله على وزارة الداخلية في تشكيلة الحكومة الجديد، بالتواصل والتنسيق مع النظام السوري، لتجنيب لبنان أي انتكاسة من شأنها أن ترتد على واقعه الاقتصادي المنهار أصلًا.

بحسب الإبراهيم فإن الاقتصاد اللبناني المنتفع الأول وبشكل كبير من السوريين، بإيداعاتهم المصرفية وأعمالهم التجارية في لبنان أو عبرها، حيث إنها بيئة ثابتة لترتيب صفقاتهم وأعمالهم، لذا فإن التضييق الذي سيحصل بسبب «قيصر» على صفقات المحروقات والتكنولوجيا والرقابة على العمليات المالية سيعطل جزءًا واسعًا من هذه المعاملات.

معاناة السوقين السوري واللبناني حتى هذا الوقت من ندرة في تدفق النقد الأجنبي، حولهما إلى سوق واحد بسبب قانون «قيصر»، وفق تحليل الدكتور محمد صالح الفتيح، كاتب وباحث سوري مقيم في المملكة المتحدة، لموقع «أثر برس»، إذ إن التجار السوريين مثلاً بدأوا استيراد المشتقات النفطية من لبنان – لكون سعرها منخفض بسبب دعمها من قبل الحكومة اللبنانية – ويسدد التجار السوريون ثمن هذه المشتقات بالليرة السورية، ليقوم التجار اللبنانيون لاحقًا باستيراد مواد غذائية وصناعية من سوريا والسداد بالليرة السورية.

وأما بالنسبة للكهرباء التي تعانيها البلاد من اندلاع الحرب الأهلية عام 1978، فبعد قانون قيصر لم يعد مشروع استجرار الكهرباء من سوريا ممكنًا، والذي كانت تنوي التزود منه بطاقة تصل إلى 1000 ميغا واط.

بعيدًا عن رجال الأعمال.. هل تضرر الأردن حقًّا؟

رغم إحكام النظام السوري سيطرته على معبر نصيب بدعم من القوات الروسية في أغسطس (آب) 2018، ومعظم الحدود السورية الأردنية، فإن الاتصال بين نظام الأسد والأردن لم يتطور كثيرًا، فالوضع في الجنوب السوري بقي غير مستقر ومقلق للأردن خاصة بعد انتشار المليشيات الإيرانية ومؤخرًا اعتبار سوريا بؤرة وباء كورونا بالنسبة للحكومة الأردنية.

لكن قانون قيصر، وبحسب حديث رجال أعمال أردنيون لـ«ساسة بوست»، منعهم والتجار الأردنيين الراغبين بتطوير علاقتهم بالنظام السوري، خاصة في مجال الإعمار والعقارات، رغم ارتباط البلاد قبل اندلاع الثورة السورية مع جارتها بعلاقات تجارية كبيرة.

أما الأمر الآخر الذي منع رجال الأعمال وبشكل كلي من التعاون التجاري مع سوريا، هو تحذير واشنطن للأردن من التعامل تجاريا مع سوريا، والذي أثار استهجان أعضاء في مجلس النواب الأردني في مذكرة تهديد الملحق التجاري الأمريكي لرجال الأعمال الأردنيين من التعامل مع سوريا في مارس (آذار) 2019.

المحلل الاقتصادي، مازن مرجي، قال في مقابلة مع وكالة «الأناضول» التركية: «إن أمريكا دائمًا تهدد الأردن بأمور كثيرة، لكن يجب الأخذ بالحسبان أن العلاقة الأردنية – السورية لم تعد حتى إلى 30% مما كانت عليه سابقًا، رغم إعادة فتح الحدود».

ولكن هل تضرر الأردن فعليا من قيصر؟، هنا يعتقد الباحث في الشأن الاقتصادي الأردني، سلامة الدرعاوي، أن الأردن لم يتضرر الأردن فعليًا من القانون، نظرًا لأن حجم التجارة البينية مع سورية بقي محدودًا خلال السنوات الماضية، إنما بقي تأثيره على التجار ورجال الأعمال.

ومع ذلك، فإن الضرر الرئيس طبقا لـ«الدرعاوي»، كان بفصل المملكة عن جيرانها من دول جوار سوريا، كتركيا ولبنان، حيث بات التبادل التجاري بين هذه البلدان إما عبر الشحن الجوي أو الشحن البري، وفي كلا الحالتين تكبد الاقتصاد أعباء مالية جديدة.

وحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامة الأردنية في مارس 2020، انخفضت قيمة واردات الأردن من سوريا لعام 2019 إلى 30.7 مليون دينار (43 مليون دولار)، مقارنة بـ49.9 مليون دينار (70 مليون دولار) في 2018، فيما زادت قيمة الصادرات نحو سوريا إلى 53.05 مليون دينار (74 مليون دولار) في 2019، مقارنة بـ33.01 مليون دينار (46 مليون دولار) في 2018.

بينما ووفقًا لبيانات سابقة لوزارة الصناعة والتجارة الأردنية، فقد سجلت صادرات المملكة إلى سوريا 255.5 مليون دولار في 2011، وبلغت الواردات 376 مليون دولار في العام نفسه. الأمر الجديد الذي يوافق حديث «الدرعاوي»، هو تصريح عضو مجلس النواب الأردني، موسى هنطش، لوكالة «سبوتنيك»، «أن هناك حاجزًا سياسيًّا يعرقل خطة تزويد لبنان بالكهرباء من الأردن عبر أراضي سوريا، رغم الحرص الأردني على تنفيذ المشروع».

الـ«هنطش»، اعتبر أن قانون قيصر كان السبب في تعقيد أمور المشروع، حيث طلب لبنان قبل أكثر من عامين من الأردن طاقة كهربائية، يسمونها العبور، أي النقل من خلال خط عابر بين البلدين مرورًا بسوريا، لكن الحاجز الحقيقي يتمثل في الوضع السوري، ولم يستطع الأردن أن يصل مع سوريا إلى مرحلة تسمح بمد الكهرباء عبر أراضيها إلى لبنان.

كيف تأثرت تركيا والعراق؟

صب قانون قيصر في مصلحة المشروع السياسي الذي تدعمه أنقره في سوريا، من خلال موقفها الذي دعمه القانون باستهداف النظام السوري وحلفائه، فتركيا تعد القانون فرصة لتقويض نفوذ كل من روسيا وإيران، ويمكن علاقتها مع الولايات المتحدة.

فالقانون بحسب رؤية مركز «جسور للدراسات»، قوض جهود المعارضة التركية المطالبة بتطبيع العلاقات مع الأسد، وأن قرار التوجه للتعاون معه هو قرار خاطئ براجماتيًا. ولكن ماذا عن مشروعات تركيا في شمال سوريا؟، إجابة عن هذا السؤال، تحدث «ساسة بوست»، لمكتب الإعلامي في وزارة المالية بالحكومة السورية المؤقتة التابعة للمعارضة، والذي علل سبب عدم خضوع مناطق سيطرة المعارضة لقانون قيصر؛ هو سيطرتهم على المعابر الحدودية في شمال وشرق سوريا، بينما القانون يستهدف النظام وحلفائه بحد ذاتهم.

تعليل «الحكومة المؤقتة»، جاء موافقًا لتقرير مركز «جسور»، الذي أورد أنه في إطار القانون إن عمليات إعادة الإعمار وتزويد الشمال السوري بالسلع الرئيسية بما فيها الوقود والاتصالات لن يسبب أي مشكلات لتركيا، فهي تدعم الشمال وليس نظام الأسد، وفي إطار السلع غير المشمولة بالعقوبات كالسلع الغذائية.

أما بالنسبة للعراق الذي خاض تجربة في قضية العقوبات، حين كان يحكمه صدام حسين، فقد يكون الوضع في مناطق النظام السوري حاليا أشبه به، ولكن في الوقت الراهن ما يدعم النظام السوري هو وجود تكتل سياسي برلماني عراقي موال لإيران ينادي بتزويد النظام السوري باجتياحاته وخرق قانون قيصر.

ومع ذلك لا تعد العلاقات التجارية بين العراق والنظام السوري ذات وزن كبير، خاصة مع إغلاق الحدود لسنوات طويلة والتوترات الحاصلة في المنطقة الشرقية السورية، ووجود القوات الأمريكية فيها، وبما أن العراق في وضع هشّ فهو لا يمكنه الدخول في مواجهات اقتصادية وسياسية مع الولايات المتحدة.

واردات العراق من مواد التنظيف السورية التي بلغت 278 مليون دولار في 2010 تحولت إلى مبلغ لا يكاد يُذكر في 2016، إضافة إلى أن الصادرات العراقية تأثرت سلبًا جراء الحرب، ففي عام 2008، لم يكن العراق يصدر سوى القليل من النفط إلى الدول في حين صدر إلى سوريا نحو 387 مليون دولار من النفط المكرر، ما جعل الأخيرة أكبر مستهلك للنفط العراقي، وطبقًا لموقع «الجزيرة»، فلا يزال النفط يُشكّل الجزء الأكبر من صادرات العراق، ولكن لا يصل سوريا أيٌّ منه تقريبا في الوقت الحالي.

في المقابل، فإن من شأن قانون قيصر أن يدعم دور الشركات الوسيطة، التي تنشط في الوقت الحالي بسبب العقوبات الأمريكية والأوروبية القائمة، وفق ما أشار إليه المحامي والباحث الاقتصادي، عمار يوسف، خلال حديثه إلى موقع «180»، والتي تسببت بارتفاع تكاليف الاستيراد بنسب تراوحت بين 40 و60%. حيث يمثل قيصر فرصة جديدة لهذا النوع من الشركات، بحسب «الإبراهيم»، فأصبح النظام السوري وحلفاؤه يستعينون بها سواء تمت عمليات الاستيراد عبر الحدود الرسمية، أو عن طريق عمليات التهريب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد