شجارٌ بين بائع أثاث ورجل أمن في مبنى تابع للسفارة الإسرائيلية، في العاصمة الأردنية عمّان، بسبب «خلاف على سعر الأثاث» وفقًا للرواية الرسميّة. ازداد الخلاف بينهما حتى وصل إلى حدّ استخدام الشاب مفكًّا – لم يثبت حتى الآن – لطعن رجل الأمن الإسرائيلي، الذي قام بدوره بإطلاق النار على بائع الأثاث الأردني، محمد الجواودة، فأرداه قتيلًا، شهد هذه الحادثة بشار الحمارنة، الذي قتله الضابط الإسرائيلي «بالخطأ» أيضًا. إذًا، حصيلة القصّة مقتلُ اثنين وإصابة الضابط بجروح طفيفة لم تُحوجه إلى دخول المستشفى.

لكن ماذا عن الاحتمالات الأخرى؟ من المُفيد أن نضع القصة في سياقها الأوسع؛ ما يحدث في فلسطين، تحديدًا في القدس وبوّابات المسجد الأقصى، والاستفزاز الكبير الذي تمارسه القوات الإسرائيلية في القدس، فوَضْعُ القصة في هذا السياق يُعطيها إيحاءً آخر تمامًا.

قصتان متضاربتان: «الرَابْيِة بدها تحرير.. من السفارة والسفير!»

كانت هذه الحادثة في 23 يوليو (تمّوز)، في حيّ الرابية في العاصمة الأردنية عمّان، مُذكِّرة الأردنيين بالهُتاف الذي رُدّد كثيرًا في المُظاهرات في وسط العاصمة؛ «الرابية بدها تحرير من السفارة والسفير».

 

جزء من الطوق الأمني الذي شكّلته القوات الأردنية حول السفارة الإسرائيلية في عمَّان، ليلة حادثة الجواودة.

ما حدث يُعد إساءة في نظر قطاع من الشعب الأردني لسيادة الدولة الأردنية، وحجم الحادث ليس بسيطًا إذا نظرنا له في إطاره الأوسع؛ إطار العلاقات الأردنية- الإسرائيلية، فهو أول حدث يَقتلُ فيه إسرائيليٌّ أردنيًا داخل الأردن، لا في منطقة حدودية، بل في العاصمة عمّان. على ما يحمله الحادث من استفزاز عالٍ في نظر البعض للأردنيين، إلا أن ما تلاه كان أكثر استفزازًا وإساءة في نظرهم.

ما فعله محمد جواودة قد يكون شيئًا آخر غير خلاف شخصي، فالأردن قبل الحادثة بأيام ضجّ الجمعةَ بمظاهرات عارمة مُناهضة لإسرائيل وما تفعله في القدس والمسجد الأقصى، عدا عن ضغط كبير وحديث كثيف عما يحصل على وسائل التواصل الاجتماعي.

بعد الحادثة انتشرت أخبار وتصريحات متضاربة، ولكن ما استقرت عليه الرواية الرسمية أنه «خلاف شخصي»، لم تكن الرواية الرسمية مقنعة بالنسبة للعديد من الأردنيين، ما استدعى اعتصام أبناء عائلة الجواودة بالعشرات أمام السفارة الإسرائيلية مُطالبين بالتحقيق مع القاتل. انطلقت في نفس الوقت دعوات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي لمُحاكمة القاتل والقصاص منه، وهو ما دعا له والد الجواودة وطالب به الحكومة والملك، «ضمن إطار القانون».

رفض طاقم السفارة الإسرائيلية التحقيق مع أي إسرائيلي يعمل فيها، بمن فيهم بالطبع ضابط الأمن، بمبرر أن طاقم السفارة دبلوماسيّ له حصانته الدبلوماسية، ومن ثمَّ لا يُمكن التحقيق معه. أعلن نتنياهو رفضه التحقيق مع الطاقم، ونشرَ – عبر حسابه الرسمي في تويتر – اتصالًا هاتفيًا له يستفسر فيه من رجل الأمن: هل حدّدت موعدًا مع صديقتك؟ صانعًا بذلك مشهدًا ساخرًا من الأردنيين وما حصل لهم، في نظر البعض.

تُصرح الجهات الرسمية الأردنيّة أنها حققت مع رجل الأمن، وتؤكد أنها ستتخذ الإجراءات القانونية المُناسبة لحالة «إجُرامية» كهذه، وهذا ما تنفيه إسرائيل رسميًا وفي الوقت ذاته، يستقبل نتنياهو رجله في مكتبه في القدس بحفاوة شديدة، قائلًا له إنّه «يُمثل دولة إسرائيل»، في رسالة إلى الأردن أنّ «القاتل ذهب، ولن يعود».

 

 

توقّع البعض، وصُدم كثيرون، بإفلات القاتل وعودته سليمًا حُرًا إلى إسرائيل بهذه السرعة، ولكنها ليست المرة الأولى التي يُترك فيها إسرائيليٌّ قتل أردنيًا دون حساب، ففي 10 مارس (آذار) 2014، أُعدم القاضي الأردني رائد زعيتر رميًا بالرصاص في معبر اللنبي الحدودي بين الأردن وفلسطين (يُسمّى بالجسر، وأيضًا يُسمى بجسر الملك حسين)، وأقرب منه زمنيًا، قبل أقل من عام، 16 سبتمبر (أيلول) 2016، قُتل سعيد العمرو رميًا بالرصاص تحت مبرر من جيش الاحتلال أنه حاول طعن أحد الجنود. سعيد ورائد كلاهما مواطنان أردنيان، ولم تتمخّض حوادث قتلهما عن مُحاسبة لأحد في الطرف الإسرائيلي، ثمّ جاء الردّ الأردني على ما حدث ولكن لم يكن دبلوماسيًا أو رسميًا وإنما جاء شعبيًا، على يد المواطن الأردني محمد الكسجي الذي طعن شُرطيين إسرائيليين في القدس المُحتلة ثم قُتل.

حُلول غائبة للأزمة

 إسقاط الحصانة

قال وليد عبد الحي، أستاذ المستقبليات والعلاقات الدولية في الأردن، إنه من الممكن للأردن – قانونيًا – أن يُطالب بإسقاط الحصانة عن ضابط الأمن ومن ثمَّ مُحاكمته وسجنه، مُستدعيًا حالات تاريخية سابقة مُشابهة للحالة الأردنية تُؤيد ما يقول.

 

طب كيف يعني هيك !.. يعني هيك عادي يعني ! طب يعني كيف كيف كيف! هيك عالسريع! طب اقل مفيها كف ، طب شلوت ، طب بهدله ، طب تأخير ومرمطه .. هيك يعني كيف!! #حيطنا #مش #واطي ؟؟؟؟!!!!! 🙁

Geplaatst door ‎Al Salt City – مدينة السلط‎ op Dinsdag 25 juli 2017

منشور ساخر عن عودة رجل الأمن سريعًا إلى إسرائيل دون التحقيق معه أو محاسبته.

الأسرى الأردنيون في إسرائيل

في وسط الأزمة غاب صوت الأسرى الأردنيين في سجون الاحتلال وغاب خبر مهم كان يُمكن أن يُقدم حلًا مقبولًا للأردنيين. طالب أهالي الأسرى الأردنيين في سجون الاحتلال بشكل رسمي أن يُحرّك ملف أبنائهم مع ملف حادثة السفارة، قائلين أن لا شيء سيعوّض حياة محمد الجواودة، ولكن ما حصل «يُمكن أن يُعيد الحياة إلى 23 أسيرًا يقبعون في سجون الاحتلال». لكن ككثير من قضايا الأسرى الأردنيين، تم تجاهل هذه الدعوة.

ماذا تعني هذه الحوادث المتكررة بالنسبة للمواطن الأردني؟ ما معنى أن تُقتل في أرضك ويُفلت القاتل دون مُحاكمة أو تحقيق كامل؟ سألنا عددًا من الشباب الأردنيين فأجاب أحدهم: «ما انصدمت. بس تساءلت إنو ليش أنا هون؟ ليش مش بدولة بتحميني وبتقدّرني؟».

أيّ من ردود الفعل المُقاوِمة لم يحصل، وعادَ رجل الأمن بأمان إلى بلاده. على الجانب الآخر، هنالك قصة أخرى تتطوّر أحداثها في الأردن، تُناقض هذه القصة تمامًا.

مقتلُ 3 جنود أمريكيّين: «قمتُ بواجبي»

في جنوب الأردن، على بوابة قاعدة «الجفر» الجويّة، أخرج الرقيب أول «معارك أبو تايه» سلاحه وأطلق الرصاص على سيارة تُقلُّ جنودًا أمريكيين يتبعون «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)»، فأردى ثلاثة منهم قتلى وأُصيب هو فوقع مُغمى عليه. كان ذلك في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016. لم يعرف ذوو أبو تايه تفاصيل ما حدث إلا بعد أسبوع من الحادثة، وبعد أن استيقظ من غيبوبته قال أبو تايه لوالدته «قمت بواجبي».

تقول رواية أبو تايه إن مَن في السيارة رفضوا التوقف عند المرور ببوابة القاعدة الجويّة، ما استدعى منه تطبيق «قواعد الاشتباك» في الموقف وانتهت الأمور بمقتل ثلاثة من الجنود. يُؤكد أبو تايه على أنه قام بـ«الواجب» فحسب، وأن ما فعله تطبيقٌ لقواعد الاشتباك التي شَدَّدت الأوامر على تطبيقها، فطبقّها.

على الجانب الآخر، أصدرت السفارة الأمريكية في عمَّان نفيًا لما يقوله أبو تايه: «لم يكن هنالك على الإطلاق أي دليل موثوق يشير إلى أن الجنود الأمريكان تصرفوا خلافًا للأوامر أو الإجراءات المُتبعة عند الوصول إلى القاعدة»، وأكّد لاحقًا كلا الطرفين، الأردني والأمريكي، أنَّ أبو تايه ليس ذا صلة أو ارتباط بتنظيمات وأفكار «إرهابية»، علاوةً على خدمته الطويلة في الجيش الأردني، 14 عامًا، منها عشرة بجانب قوات أمريكية.

صدرَ مؤخرًا في 17 يوليو (تمّوز) حُكم بالأشغال الشاقة «مدى الحياة»، مع تُهمتين وجهتهما المحكمة لأبو تايه: القتل القصد، ومخالفة الأوامر العسكرية (حُكم بسبب هذه التهمة عامين).

 

نزل الخبر كالصاعقة على عشيرة «الحويطات»، العشيرة الأم لعائلة أبو تايه، وظلَّ شبح حادثة قتل القاضي «رائد زعيتر» حاضرًا لحظةً بلحظة، فقد قُتل زعيتر مدنيًا أعزل ولم يُحاسب أحدٌ على قتله، وهذا ما دفع بإبراهيم الحنيطي ليقول: «كنت أتمنى على حكوماتنا أن تطالب بدم رائد زعيتر الأردني الذي قتل على يد الصهاينة، أين هو؟ أين دمه؟ أين لجان التحقيق؟ أين محاكمهم؟ كنا نتمنى أن يكون الدم الأردني عزيزًا، كريمًا، بكرامة الأردني»، هذا التساؤل صدى للسؤال الرئيس؛ لماذا يُقتل الأردني كزعيتر ولا يُحاسَب أحد، بينما يُحاسب أردني كأبو تايه على أدائه للواجب؟

كانت هذه الكلمة جزءًا من اجتماع ضخم أقامته عشيرة «الحويطات» رفضًا للحكم، سمّته بـ«المؤتمر الوطني الأول لأحرار الأردن»، خَلُصَ المؤتمر إلى أن المحاكمة مسيّسة، مع مطالبة بالإفراج عن أبو تايه. سبق الاجتماع احتجاجات كبيرة لأبناء عشيرة الحويطات وعشائر أخرى التحقت بها في مُعارضتها للحكم، مُعتبرةً إياه إساءةً لكرامة الأردنيين.

في سير المحاكمة جزءٌ مخفيّ، فقد انهالت التطمينات على أسرة أبو تايه وعلى عشيرته، من الجهات العسكرية والأمنية المختلفة مؤكدةً أن لا شيء عليه، ويبدو أن العشيرة حصلت على تأكيد من القوات المسلحة أنَّ ما فعله أبو تايه هو تنفيذ للتعليمات، وفقًا لبيانهم الأول، ولكن يبدو أن قوةً ما دخلت على الخط وغيّرت مسار القضية، فتحوَّلت من التطمينات إلى أحكام قاسية وغير متوقعة.

ما حصل مع أبو تايه هزَّ العشائر الأردنية وأغضبها، فخطابات المؤتمر كانت بسقفٍ عالٍ جدًا، ورُفعت لافتات تُهدد بالعصيان المدني، وتكررت تحذيرات الحويطات وغيرها من العشائر وأنها «صبرت» كثيرًا على ما يحصل في الأردن.

 

فيديو لمالك محمد أبو تايه في المؤتمر.

 

القدس «تحت وصاية» الملك

من أهم ما تحصّلت عليه الأردن في اتفاقية وادي عربة أن يُراعى الدور التاريخي في الأماكن المقدسة في القدس، وأن للأردن أولوية كبرى في هذه الأماكن.

ومن هذا المُنطلق، تؤكد الأسرة الحاكمة والنظام الأردني بشكل مُستمر ومكثّف على الوصاية الأردنية على القدس. يظهر التأكيد على هذه الوصاية في كثير من خطابات الملك، وفي الكتب المدرسية، كمادة «الاجتماعيات»، وكتب تاريخ الأردن للصفوف الثانويّة. مع الأزمة الأخيرة في القدس كانت النخب السياسية في العالم العربي مُنشغلة بأزمة الخليج وتداعياتها السياسية التي امتلأت بها وسائل الإعلام لدى كلا الطرفين، قطر ومُقاطعيها. على الرغم من ذلك تابعت قطاعات واسعة من الجماهير العربية ما يحدث في القدس، ونزل إلى الشوارع التونسيّون، والغزيّون، والأردنيّون، في جمعة غضبٍ دعا لها المقدسيّون.

لم يكن للأردن موقفٌ حقيقي يُعبّر عن «الوصاية» العملاقة التي يُروّج لها النظام الأردني. بدأ موقف الأردن بإعلان الأوقاف الأردنية رفضها لإغلاق المسجد ومنع الناس عن صلاة الجمعة فيه، مُحذرةً من «تمادي سلطات الاحتلال في انتهاكاتها غير المسبوقة لحرمة المسجد الأقصى»، وتدعيمًا لفكرة وصاية الهاشميين على القدس أثناء الأزمة، نشرَ الأمير الحسن مقالًا بعنوان «القدس في الضمير»، يتحدث فيه عن تاريخ رعاية الهاشميين للقدس، ولكلتا الديانتين، المسيحية والإسلام، منذ عام 1915. دعاوى الوصاية تتكرر كلما اشتعلت الأمور في القدس، ولكن دون نتيجة تذكر للمقدسيين و«المُرابطين» في داخل المسجد الأقصى وحوله.

 

ماذا تبقى للأردن والأردنيين؟

مع حادثة السفارة أُثيرت مفارقات كثيرة وهامة، تكشف عن حالة خلاف عميق بين الأردنيين ومن يحكمهم؛ من نظام وأسرة مالكة. تقول بعض التحليلات الشائعة إن ما حصل من إغلاق سريع لملف السفارة وتسليم الطاقم دون تحقيقٍ سببه وجود صفقة بين الأردن وإسرائيل: طاقم السفارة مقابل إزالة البوابات الإلكترونية عن المسجد الأقصى، ولكن حتى الآن لا رواية رسمية تُشير إلى ذلك عند كلا الطرفين. فلمَ تم إغلاق الملف بهذا الشكل؟

الحلول المُقترحة كثيرة إلا أنه لم يُنفذ أيٌّ منها، فلا الأسرى حصلوا على صفقة تبادل ولا أهل القتيلين أخذوا شيئًا من مطالبهم. لم يُدرك النظام حجم ما حدث إلا متأخرًا، فلم يصدر تعليق رسمي سوى من جهاز الأمن الأردني، وظلَّت الأمور مبهمة حتى خرجت مُظاهرات شعبية تُطالب بالقصاص وبمُحاكمة رجل الأمن الإسرائيلي. في البداية أرسل الملك مندوبًا عنه للعزاء، وبعد انتهاء العزاء، في اليوم الرابع، زار ملك الأردن عبد الله الثاني خيمة العزاء وقدّم فيها تعازيه لوالد محمد الجواودة، وعند خروجه من العزاء انطلقت صيحات «يعيش جلالة الملك المُعظَّم.. يعيش! يعيش! يعيش!».

 

 

في وسط هذه المعمعات الثلاث، برز أمرٌ خطير لم يُلتفت إليه كثيرًا، الصورة التالية مثال واضح، في الصورة لافتات رفعها المُتظاهرون من عشيرة الحويطات في اجتماعهم:

قتل إسرائيلي

لافتة في ثاني اجتماعات عشيرة الحويطات دعمًا لابن العشيرة معارك أبو تايه. الصورة من موقع حِبر.

تظهر في الصورة لافتة تقول «مستمرون بالعصيان المدني حتى يتم إنصاف البطل»، تحتها لافتتان، إحداهما تُنادي بالـ«الموت لأمريكا»، والأخرى، وهي الأخطر والأهم، صورة شيخ عشيرة الحويطات الأشهر، عودة أبو تايه، المُلَقب بـ«عقيد القوم». كان عودة أبو تايه الرجل الذي وضع يده بيد الشريف الحسين بن علي عندما قدم إلى الأردن في مطلع العشرين، وهذا ما دفع بأم معارك أبو تايه أن تقول لابنها: «ما يهمك… اللي جاب الشريف وخلّاه معزّز مكرّم بالأردن جدّك عودة»، في استحضار لفضل جدّ القبيلة على الأسرة الحاكمة، فقد قاتل عودة في معارك كثيرة ضد العثمانيين في إطار «الثورة العربية الكبرى» وصارَ زعيمها العسكري.

 

قتل إسرائيلي

شيخ عشيرة الحويطات، عودة أبو تايه. مصدر الصورة من ويكيبيديا

أكبر معركة خاضها عودة كانت معركة تحرير مدينة العقبة، وهي مدينةٌ ساحلية في أقصى جنوب الأردن، وهُنا نُورد تعليق أخي معارك، الذي قال يوم صدور الحكم على أخيه: «اليوم التاريخ يصادف فتح العقبة، فتحناها حنّا وراحت لغيرنا».

«نحن» و«هُم»، الأسرة الحاكمة والعشائر، في مشهد نادر يُكسر فيه الارتباط التام القديم بين الملكية والعشائرية في الأردن، وتستحضر القبيلة تاريخًا قديمًا بعيدًا، أبعد من تاريخ الحكم الهاشميّ كلّه، حين كان للقبيلة سطوتها على أجزاء من الشام وعلى كثير من أنحاء الأردن. «نحن صبرنا كثيرًا»، لم تكن كلمة اعتباطية.

في هذا المشهد استُحضرت العبارة الشهيرة التي يتغنّى بها أبناء العشائر الأردنيّة: «حِنَّا من الله دولة»، وبدا أنّ هنالك انقسامًا في الداخل بدأ يتوسّع بين الدولة مُمثلةً بالملك، وبين العشائر التي يُحابي النظامُ بعضها على بعض، والتي يُراهن عليها في وجه «الأردنيين ذوي الأصول الفلسطينية»، وفقًا للتعبير الذي استعمله ملك الأردن عبد الله الثاني في أحد خطاباته.

«كفى تهميشًا للجنوب»، جنوب الأردن، مُجددًا: «نحنُ» و«هم»، وكأنّ التماهي بين الدولة وقبائلها بدأ يتلاشى، لتظهر تشققات لم تكن واضحةً في كيان الدولة الأردنيّة.

ما يؤكد هذا، أنّ والد الجواودة طالبَ بشكل علني عشيرة «الحويطات» أن تقف معه في قضية ابنه، واستنجدها لتقدم له الدعم والمؤازرة، وكأن العشائر بالفعل دولة وحدها، يُمكن أن تُقدم الدعم وأن تُعيد الحقوق.

صوتُ شهداء الأردن على يد الإسرائيليين ما زال حاضرًا بقوة، فكلهم قُتلوا ولم تسْعَ الدولة خلف قاتليهم ولا من أجل حقوقهم أو تعويض أهاليهم، ثم جاء قتل الأردني في قلب الأردن وقلب العاصمة، مُرسّبًا الحدث في عقل الأردنيين أن الدولة لن تكون حاميةً لهم بالضرورة، كيف وهي لم تستطع أن تُحقق مع رجل أمني أجنبي قتل مواطنيها على أرضها؟ كلُ ما حصل يهزّ دعاية الدولة والجيش «الأمن والأمان» كمزيّة للأردن ومُبرر لكل ما يحصل فيه من أشياء تُغضب الشعب وتُؤجج احتجاجه.

المُفارقة الكبرى في كل ما حدث، أن قاتلَ الأردنيين ينجو، والأردني الذي قام بواجبه العسكري في نظر قطاع عريض من الأردنيين يُعاقب عليه. لقد شعرت القبائل بالتهديد يمسّها ويمسّ أبناءها بشكل مُباشر، ولذا قال أحد المُتحدثين في اجتماع الحويطات إن الدور سيأتي غدًا على أبناء عشائر أخرى، ومُجددًا، قفزت إلى الواجهة ذكرى أحمد الدقامسة، الجندي الأردني الذي قتل عددًا من الإسرائيليات في منطقة حدودية بين الأردن وفلسطين، فحُكم عليه بالسجن 20 عامًا قضاها في وطنه الأردن دون أي تخفيف أو عفو عنه بالرغم من الضغط الشعبي الهائل من خلفه.

أثناء كل هذا، استطاع أهل القدس فرض شروطهم على القوات الإسرائيلية عند المسجد الأقصى، ثم بدأت تنتشر أخبار من دول مختلفة في العالم العربي تنسبُ لنفسها جهودًا في حل الأزمة التي أوشكت على دخول أسبوعها الثاني في حينه، مع ذلك، تأخّر الأردن في إعلان مواقفه وتأخّر كثيرًا في فرض «وصايته» على المُقدسات الدينية في القُدس.

لكن هل يؤمن أهل القدس بهذه الوصاية الأردنية عليها؟ كان قاضي قضاة الأردن و«إمام الحضرة الهاشمية»، أحمد هليل، واقفًا على منبر المسجد الأقصى ليخطب بالمقدسيين، فقام مجموعة من الحاضرين وأنزلوه عن المنبر والتف الناس من حوله مُحتجين على دخوله إلى فلسطين بتنسيق مع إسرائيل، ثم صعد خطيب آخر بدلًا منه وأُخرج من المسجد، كان ذلك في 22 مايو (أيّار) 2015. هذا السلوك بعث رسالةً واضحة إلى الأردن وكان تعبيرًا من المقدسيين عما تعنيه بالنسبة لهم «الوصاية الهاشميّة» على المُقدسات.

أعلن مُتأخرًا – بعد الحادثة بخمسة أيام – أن الأردن لن يستقبل السفيرة الإسرائيلية قبل فتح تحقيق مع رجل الأمن الإسرائيلي، ويبدو أن التحقيق – إذا فُتح – سيكون في إسرائيل. وماذا قال الملك عن استقبال نتنياهو المليء بالحفاوة لرجل الأمن؟ سلوك «مستفز» وَ«يُفجر غضبنا جميعًا»، مُتهمًا نتنياهو بأنه فعل ذلك لمصالح سياسيّة شخصية.

«اتفاقية السلام التي وقعتها إسرائيل كانت مع ملك الأردن، لا مع الشعب الأردني»، هكذا عبّر كاتب إسرائيلي، على الجهة الأخرى، هل ما وطّدته الأسرة الحاكمة في الأردن، «الأمن والأمان»، و«مركزية العشائر وارتباطها بالدولة»، و«الوصاية الأردنية على المقدسات الدينية في القدس»، هل ما زالت هذه المُراهنات مُتماسكة وقادرة على إقناع الشعب، بقبائله وعشائره وكافة أطيافه؟ الزمن كفيلٌ بالإجابة عن كل هذا.

المصادر

تحميل المزيد