تشهد الساحة الأوروبية موجة من صعود القيادات الشابة إلى المناصب العليا في الدولة، إذ تشير الاحصائيات إلى أن أوروبا تملك أصغر القادة السياسيين سنًّا. هذه الظاهرة كانت واضحة في سنة 2017 من خلال انتخاب إيمانويل ماكرون رئيسًا لفرنسا وعمره حينها 39 سنة، وبذلك أصبح أصغر رئيس جمهورية في تاريخ فرنسا.

في المقابل، وفي حزب منافسته مارين لوبان «حزب اليمين المتطرّف»، يظهر إلى السطح اسم جوردان بارديلا، الشاب ذو 23 سنة الذي أصبح في ظرف وجيز نائب رئيسة الحزب، واستطاع أن يؤمّن مقعدًا في البرلمان الأوروبي. 

واستطاع بارديلا في سن 23 سنة أن يفوز بمقعد في البرلمان الأوروبي ويتصدّر قائمة الحزب في الانتخابات الأوروبية سنة 2019، بدفع من رئيسته التي رأت في شخصيته ما يمكن أن يصبح الوجه الجديد «للتجمّع الوطني»؛ أكبر الأحزاب اليمينية المتطرّفة في فرنسا. وبسبب حداثة السن هذه وتمسّكه بخطّ رئيسة الحزب القويّة مارين لوبان يتّهمه خصوم الحزب بأنه ضحية «غسيل للدماغ» من طرف الحركة اليمينيّة.

حملة علاقات عامة لتسويق الحزب

ورغم حداثة سن الوجه الجديد في حركة اليمين المتطرّف، فإن بارديلا يتمتّع بالانطلاق والثقة في مواجهة الميكروفون وبالارتياح نسبيًا أمام كاميرات الإعلام وأسئلة الصحافة الحرجة. ويسعى الحزب اليميني، من خلال تصعيد بارديلا باعتباره أبرز ناشطي الحزب من الجيل الجديد، إلى أخذ مسافة عن الصورة النمطية التي ارتبطت بالحزب منذ تأسيسه من طرف الوالد جون ماري لوبان، والذي لطالما اتُهم بمعاداة السامية وكراهية الأجانب، إذ كثيرًا ما يستحضر منتقدو الحزب تصريحات قديمة له اعتُبرت مسيئة لضحايا الهولوكوست، أو تلك التي قال فيها إن المنتخب الوطني الفرنسي لكرة القدم «يحتوي على لاعبين ملوّنين أكثر من اللازم» أو نعته الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي وهو من أصول يهودية بـ«الأجنبي». 

 بارديلا رفقة مارين لوبان رئيسة حزب «للتجمّع الوطني»

مع صعود مارين لوبان إلى الحزب، بدأت منذ 2011 حملة لتغيير الصورة السابقة الملتصقة بالحزب بسبب تركة والدها المثيرة للجدل، وعملت على إخراج الحزب من خانة الحزب المنبوذ والمعزول سياسيًا، والعمل على إدخال خطابه إلى التيار العام، وذلك من خلال طرد الأعضاء الذين يمتلكون تصريحات عنصرية فجّة، بلغت ذروتها عند طرد والدها نفسه من عضوية الحزب الذي أسسه بسبب تصريحات جديدة له حول الهولوكوست سنة 2015.

رغم كل هذه المجهودات فلا يزال خطاب مارين لوبان متهمًا بالترويج للكراهية ضد المهاجرين وبالإسلاموفوبيا والعنصرية؛ وبالتالي فإن تصدير جوردان بارديلا، الشاب الذي لا يملك تاريخًا سياسيًا يُذكر ولا تصريحات مثيرة للجدل في الماضي بسبب حداثة سنّه، يأتي في إطار حملة الحزب التي تقودها لوبان لإعادة تسويق نفسه لدى الفرنسيين؛ مع الحفاظ على نفس الخطاب التقليدي المُعارض بشدّة للهجرة والداعي لتضييق الخناق على المسلمين في فرنسا، والمتحالف مع باقي الحركات اليمينية المتطرّفة في أوروبا. 

هل يكون بارديلا خليفة لمارين لوبان على رأس اليمين المتطرّف؟

وُلد بارديلا سنة 1995 في مدينة درانسي في عائلة بسيطة من أصول إيطالية؛ وانخرط في النشاط الحزبي في سنّ السادسة عشر، مأخوذًا بشخصية رئيسة حزب «التجمع الوطني» مارين لوبان وخطابها الناري. حصل بارديلا على شهادة الباكلوريا (الثانوية العامة) بتقدير جيد جدًا، وبدأ دراسة الجغرافيا في الجامعة، ليوقف دراسته من أجل متابعة شغفه بالسياسة، وينخرط في حملات الحزب الدعائية والانتخابية في كل من الانتخابات البلدية لسنة 2015 ثم الرئاسية لسنة 2017 لصالح مارين لوبان.

وبشكل سريع جرى تصعيده ليصبح في ظرف قياسي الناطق الرسمي باسم الحزب مباشرة بعد انتخابات الرئاسة سنة 2017؛ وهي الانتخابات التي شهدت لأوّل مرة نجاح مرشحة اليمين المتطرّف بالانتقال إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، وحصول الحزب على تبرّعات بلغت 10.6 مليون دولار، وهو الرقم الذي لم يحصل عليه الحزب منذ تأسيسه سنة 1972 حسب الصحافة الفرنسية.

هذا الصعود التاريخي لمرشحة اليمين المتطرف ونجاحها في المرور إلى الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية لأول مرة في تاريخ الحزب، رأى فيه الكثيرون إشارة إلى موجة يمينيّة تجتاح أوروبا، وهو ما أكّدته نتائج الانتخابات الأوروبية في سنة 2019.

 جوردان بارديلا خلال تجمّع لليمين المتطرف

ويشكّل بارديلا، رفقة مجموعة من أحزاب اليمين المتطرّف الأوروبية، كتلة من المعترضين على الاتحاد الأوروبي؛ وتضمّ هذه الكتلة إلى جانب «التجمع الوطني» الفرنسي، أحزابًا من ألمانيا والنمسا، إلى جانب إيطاليا. وتجمع هذه الأحزاب رؤية سياسية مشتركة تتمثّل في معارضة الهجرة، والعداء للإسلام، بالإضافة إلى الاعتراض على مؤسسة الاتحاد الأوروبي وتتبنى سياسات اقتصادية واجتماعية حمائية وأكثر محليّة، وتسعى هذه الكتلة إلى تغيير الاتحاد الأوروبي من الداخل وفك ارتباط بلدانهم ببروكسل. 

صحيح أن بارديلا حديث عهد بالسياسة، لكنه تشرّب أيديولوجيا اليمين المتطرّف بشكل كثيف، ويتبنّى خطابه نفس الخطّ التقليدي للحزب، المعادي للمهاجرين والمسلمين؛ فقد صنعت تصريحاته الجدل في وسائل الإعلام العالمية، بعد أن دعا إلى منع لاعب كرة القدم كيمبيمبي من الالتحاق بالمنتخب الوطني الفرنسي، فقط لمجرّد إعجابه بمنشور للاعب الألعاب القتالية حبيب نورمحمدوف، ينتقد فيها تصريحات ماكرون المتعلقة بالإسلام.

وقال بارديلا في تغريدته: «لا مكان لكمبيمبي في المنتخب الوطني، هذا الذي يُعجب بمنشورات الجهاديين في موقع «إنستجرام» والذي يعتبرنا أغبياء، كفى سذاجة، لا ينبغي أن نفوّت أي شيء»، وكان قد دعا إلى منع رفع العلم الجزائري في الشوارع الفرنسية احترامًا للعيد الوطني الفرنسي في 14 يوليو (تموز)، كما انتقد الرئيس ماكرون على عدم منعه ارتداء الحجاب في الأماكن العامة. 

وقد رشّحته بعض الصحف الفرنسية ليكون خليفة مارين لوبان على رأس الحزب ليكون القائد الجديد للتيّار اليميني، خصوصًا وأن رئيسة الحزب تفكر في الانسحاب حسب قوله؛ ولكن المراقبين يرون أن الأقرب لخلافة مارين، هي امرأة أخرى من آل لوبان، وهي ماريون ماريشال، ابنة أخت مارين التي كثيرًا ما تتصادم معها ويشهدان تنافسًا على زعامة الحركة، إذ إن حظوظها وشعبيتها أكبر بكثير من بارديلا حسب مراقبين.

السياسيّون اليمينيّون الشباب.. ظاهرة أوروبية

جوردان بارديلا، الوجه الشاب في السياسة الفرنسية ليس ظاهرة فريدة من نوعها في القارة الأوروبية، إذ إن «القارة العجوز» تشهد موجة من دخول الشباب إلى الساحة السياسية والوصول إلى مناصب السلطة منذ 2016 على الأقل، لعلّ أهمها صعود سانا مارين إلى رئاسة الوزراء في فنلندا عن عمر 35 سنة 2019، إذ إن حكومات الاتحاد الأوروبي تضمّ تسع قادة تحت سنّ 45 سنة، من بينهم مستشار النمسا البالغ من العمر 33 سنة. وكان صعود سانا مارين إلى رئاسة الوزراء في فنلندا من خلال قيادة تكتّل من خمسة أحزاب لمواجهة رئيس الوزراء السابق، أربعة من هذه الأحزاب الخمسة تقودها نساء في الثلاثينيّات من عمرهن. 

 سيباستيان كورتز رئيس وزراء النمسا ذو 35 سنة 

ورغم أن الأجيال الأصغر سنًّا في العادة تميل إلى التيارات التقدمية واليساريّة أكثر من اليمينيّة المحافظة في الغرب، لكن هذا لا ينطبق بالضرورة على القيادات الشابة التي صعدت إلى السلطة في أوروبا، إذ إن رئيس الوزراء الدانماركي فريديريكسن، الذي قاد حكومة أقلية في سنة 2019، عُرف بسياسته المعادية للمهاجرين. بالإضافة إلى رئيس الوزراء النمساوي سيباستيان كورتز ذي 35 سنة أيضًا عمل على التحالف مع حزب اليمين المتطرّف وهو ما لم يكلل بالنجاح، عكس يوري راتاس، رئيس وزراء أستونيا الذي صعد إلى السلطة في سن 38 سنة في سنة 2016 واستطاع الوصول إلى صفقة مع اليمين المتطرف لتقاسم السلطة وتشكيل الحكومة في بلاده.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد