يتحدث الأردنيون منذ عدة سنوات عن أزمة بالقطاع العقاري، هذه الأزمة مرت بعدة مراحل سواء قبل بداية الربيع العربي الذي أدى إلى توترات كبيرة في المنطقة أو بعدها، ولكن مؤخرًا بدأت الأزمة تأخذ منحنى مختلف، إذ باتت المؤشرات تشير إلى أن الفقاعة العقارية التي تفاقمت كثيرًا في السنوات الأخيرة، أصبحت قريبة جدًا من الانفجار، في ظل ظروف اقتصادية من الصعب فيها احتواء أزمة مماثلة، سواء على المستوى المحلي أو على مستوى المنطقة.

مخاوف انفجار الفقاعة العقارية بالأردن، زادت أكثر بعد تصريح المدير العام لدائرة الأراضي والمساحة الأردنية (حكومية)، معين الصايغ، لصحيفة «العربي الجديد»، قائلًا إن «المصارف المحلية تواصل الحجز على أعدادٍ كبيرة من الشقق السكنية المباعة للمواطنين لعدم قدرتهم على تسديد الأقساط المستحقة عليهم»، وسط تقديرات تشير إلى أن الحجوزات على الشقق تتراوح سنويًا بين 5 آلاف إلى 6 آلاف شقة عدا الحجوزات على الأراضي وغيرها من أنواع العقارات الأخرى.

إلى أين وصلت الأزمة؟

وسجلت أسعار الشقق السكنية ارتفاعًا ملحوظًا في الأردن خلال السنوات الأخيرة، وهو الأمر الذي قاد لزيادة قيمة الأقساط، مما ساهم في عدم قدرة المقترضين على السداد، ومع هذا الارتفاع بات الركود هو المسيطر على السوق، إذ تراجعت قيمة تداول قطاع العقارات في الأردن، بنسبة 17.9%، خلال الشهور السبعة الأولى من العام الحالي، على أساس سنوي، وذلك إلى 3.4 مليار دينار (4.8 مليار دولار)، وذلك بعد أن كان حجم تداول القطاع العقاري في المملكة، نحو 4.1 مليار دينار (5.79 مليار دولار) خلال نفس الفترة من العام الماضي، ومقارنة بمستوى حجم تداول عقاري وصل لأكثر من 8 مليارات دولار قبل نحو 10 سنوات، إذ أنه من المفترض أن يتضاعف هذا الرقم، لكن ما يحدث هو مزيد من الركود.

وحسب تقرير دائرة الأراضي والمساحة الأردنية (حكومية)، الشهري فقد بلغ عدد مبيعات العقار لمستثمرين غير أردنيين 1480 معاملة، منها 1091 معاملة للشقق و389 معاملة للأراضي، بلغت قيمتها التقديرية 196 مليون دينار (276.4 مليون دولار)، في ظل هذا الركود تحاول المصارف تنشيط القطاع بتحفيز المواطنين على شراء الشقق والعقارات، من خلال ما يعرف بالتأجير التمويلي والذي يبقي الشقة باسم المصرف إلى حين تسديد كامل الأقساط.

ولكن هذا النوع من التمويل، بات يشكل مشكلة جديدة، إذ تتراوح أسعار الفائدة في الجهاز المصرفي الأردني على قروض وتسهيلات الأفراد ما بين 7% و11%، بحسب مدة القرض ونوعه والفوائد التي يتم إضافتها لاحقًا، وفي ظل الظروف المعيشية بالأردن فإن هذه النسبة تعد مرتفعة جدًا، لكن هذا لم يمنع أن تصعد مديونية الأفراد لدى القطاع المصرفي بشقيها القروض الاستهلاكية والسكنية في عام 2016 بحوالي 1.41 مليار دولار وبنسبة نمو 13% لتبلغ 13.7 مليار دولار تقريبا، بحسب المصرف المركزي الأردني، وهو ما يكشف عن استمرار المصارف نحو التوسع في إقراض قطاع الأفراد وزيادة الإقبال على شراء الشقق السكنية بالاقتراض من المصارف، رغم تعثر الآلاف منهم.

وتعتبر الحصة الأكبر من قروض الأفراد تعود للقروض السكنية والتي شكلت حوالي 48 %من قروض الأفراد في نهاية عام 2016 مقابل 46.5 % في نهاية عام 2015، لكن الآن يتحدث البعض عن أن المصارف المحلية تتعاقد مع عدد من أصحاب المكاتب العقارية لغايات بيع الشقق المحجوزة لها بالمزاد العلني، أو البحث عن مشترين وذلك لتغطية القروض المتعثرة لديها، وهذا الأمر دفع المستثمرين للهروب من القطاع بعد أن كان أكثر القطاعات جذبًا للمستثمرين.

وفي خطوة غير مسبوقة، بادرت مصارف أردنية إلى إبلاغ عملائها باستعدادها تأجيل الأقساط في شهر أغسطس (آب) المترتبة على الأفراد المقترضين منها، وذلك لتخفيف الأعباء المالية عنهم، وذلك بعد أن أصبح معظم مداخيل الأسر يذهب لسداد القروض، خاصة الاستهلاكية منها.

وتشير بيانات مؤشر الرقم القياسي لأسعار الأصول العقارية في الأردن، الصادر عن البنك المركزي، أن أسعار العقار في الأردن ارتفعت نحو 50%، في آخر 10 سنوات، ارتفاع الرقم العام للمؤشر من 81.3 نقطة في عام 2007 إلى 121.2 نقطة في عام 2016، إذ زادت أسعار العقار السكني بكافة أشكاله وتراجعت في العقار الصناعي من غير السكني، وفي العقارات لأغراض أخرى، فيما ارتفعت أسعار الأراضي خلال السنوات العشر الأخيرة.

«المركزي» قال أيضًا، خلال تقرير آخر، إن الشيكات المرتجعة في الأردن شكّلت 4.7% نسبة إلى الشيكات المتداولة منذ بداية العام الحالي حتى نهاية حزيران (يونيو) السابق، منها 2.9% لعدم كفاية الرصيد و1.8% لأسباب أخرى، إذ بلغ عدد الشيكات المعادة نحو 234 ألفًا من أصل 4.991 ملايين شيك تقريبًا تم تداولها في النصف الأول من العام، وهي أرقام تثبت أن الأردن تعيش وضعًا صعبًا، بات العجز فيه عن السداد هو السمة الغالبة ما يهدد بانفجار الوضع قريبًا.

في المقابل، تراجعت قيمة الودائع لدى البنوك العاملة في الأردن 0.6% على أساس سنوي، خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، إذ قال المركزي، إن مجموع قيمة الودائع حتى نهاية يونيو (حزيران) الماضي بلغ 32.78 مليار دينار (46.23 مليار دولار) مقارنة بـ 33 مليار دينار (46.5 مليار دولار) خلال الفترة نفسها من العام الماضي، لكن بالمقابل ارتفع إجمالي قيمة التسهيلات (القروض) التي منحتها البنوك في نفس الفترة بنسبة 8.5%، وهو ما يوضح حجم المشاكل الموجودة بالسيولة، وحالة العجز الكبيرة التي يعاني منها الأفراد.

وفي الوقت ذاته، ارتفع إجمالي القروض الممنوحة للقطاع الخاص في الأردن (الأفراد والشركات) بنسبة 9.2% على أساس سنوي، خلال الشهور الخمسة الأولى من العام الحالي.

أسباب تعجِّل بانفجار الفقاعة

توضع الأرقام السابقة أن القطاع العقاري يمر بأزمة يمكن وصفها بالكبيرة، ولكن هناك أسباب أخرى ربما تزيد من صعوبة الأزمة وتقود الفقاعة إلى الانفجار، وفي مقدمتها:

  • العمالة الأردنية بالخليج

انعكست الظروف الاقتصادية الحالية التي تعيشها دول الخليج، بشكل واضح على العمالة الأردنية التي تقارب المليون نسمة، وهو الأمر الذي كان له انعكاسات واضحة على سوق العقارات، إذ أن الكثير من العاملين الأردنيين في دول الخليج هم الفئة الأكثر إقبالا على سوق العقارات، فإنهاء عقود الكثير منهم وحالة القلق التي تنتاب من تبقى منهم في الخليج لصالح إمكانية إنهاء عقودهم، أسهم في تفاقم الركود في سوق العقارات.

ويؤكد خبراء اقتصاد أن عودة الأردنيين من دول الخليج التي تعيش أوضاعًا غير معتادة، بسبب تراجع عائدات النفط ستضيف المزيد من الأعباء على اقتصاد البلاد الذي يرزح بالفعل تحت أوضاع صعبة ونسب بطالة غير مسبوقة، إذ يقول حسام عايش، الخبير الاقتصادي، في تصريحات صحفية إن «أيّ عودة تدريجية أو جماعية لأردنيين من الخارج تعد انتكاسة للعملية الاقتصادية».

ويبلغ عدد المغتربين الأردنيين نحو مليوني شخص موزعين على حوالي 70 دولة، 80% منهم يتواجدون في دول الخليج، بينما تشكل حوالات المغتربين ما نسبته 12% من الناتج المحلي الإجمالي، وتعد مصدرًا للعملات الأجنبية التي تدعم مؤشر الاحتياطي الأجنبي وتعزز الثقة بالدينار الأردني إلى جانب رفع الطلب المحلي بشكل عام ونمو ودائع البنوك.

  • الأزمة الخليجية

عقَّدت الأزمة الخليجية المعادلة الأردنية كثيرًا، إذ تأتي الأزمة لتزيد مصائب الاقتصاد الأردني، وكأنه لا يكفي الأردن الأضرار الفادحة التي ألحقتها باقتصاده الأزمتان السورية والعراقية، حتى تأتيه أضرار المقاطعة الجوية والبحرية والبرية لقطر من قبل السعودية والإمارات والبحرين ومصر، وتكمن المشكلة هنا في أن هذه الأضرار تصيب قطاعي الزراعة والصناعات الغذائية، فهذان القطاعان ما يزالان في وضع جيد مقارنة بقطاعات أخرى تأثرت بالأزمات بشكل أقوى كالسياحة والعقارات.

إذ أن قطر كانت تستورد حوالي 11% من صادرات الفواكه والخضار والأغذية الأخرى الأردنية، وأكثر من ثلث الصادرات الأردنية من المواشي يذهب إلى قطر، ومع اشتعال الأزمة أدى الأمر إلى ركود بالسوق وصار الاقتصاد الأردني في وضع صعب للغاية، وهو الأمر الذي يؤثر بطبيعة الحال على المقترضين، وهو ما يعني مزيدًا من التعثر في السداد ومزيدًا من النقص في السيولة.

  • هروب المستثمرين

يقول رئيس جمعية مستثمري قطاع الإسكان في الأردن، فواز الحسن، إن «الإجراءات البيروقراطية التي تمارسها المؤسسات الرسمية الأردنية في القطاع العقاري، هي التي أدت إلى تراجع الرغبة في الإقبال على شراء الشقق والعقارات»، بينما يرى مستثمرون أن ارتفاع ضريبة الدخل على المستثمر في قطاع الإسكان تسبب بترتب مبالغ كبيرة على المستثمرين، فضلًا عن عدم تعاون البنوك.

وأكد مستثمرون أردنيون أن مليارات الدولارات من الاستثمارات العقارية هجرت بلادهم إلى دول أخرى خلال السنوات الأخيرة، وذلك بسبب عدم ملائمة بيئة الاستثمار المحلية، إذ باتت الإجراءات الحكومية تشكل عائقًا أساسيًا أمام القطاع، الذي لم يعد جاذبًا من الناحية الاستثمارية واضطرت شركات كثيرة إلى الهروب للخارج.

وكان رئيس الوزراء الأردني، هاني الملقي، قد قال في تصريحات سابقة، إنه ستتم إعادة النظر بأي إجراءات تحفيزية لأي قطاع ما لم تحقق أهدافها، بينما تتجه الاستثمارات العقارية الأردنية بشكل أساسي إلى كل من دبي وتركيا ومصر والمغرب وبلدان أخرى، وفق جمعية المستثمرين في قطاع الإسكان.

  • غسيل الأموال

ارتفعت وتيرة البلاغات عن وجود عمليات غسيل أموال وتمويل الإرهاب في الأردن، خلال الفترة الأخيرة، فيما تعد العقارات والسيارات من أبرز القطاعات التي يتم عبرها غسل الأموال في البلاد، بحسب تقارير رسمية، إذ يؤكد المتخصصون أن العقارات من أكثر القطاعات الخصبة لعمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب في أي منطقة بالعالم، وفي ظل هذه الأوضاع فإن استغلال القطاع في مثل هذه العمليات يزيد من المشاكل ويرفع الأسعار بشكل أكبر وبصورة غير واقعية.

ووفقًا لبيانات وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فقد ارتفع عدد حالات الإبلاغ عن اشتباه بوجود عمليات غسل أموال وتمويل الإرهاب العام الماضي بنسبة 84.5% مقارنة بالعام 2015، إذ كشفت الوحدة عن أن بعض الشكوك تدور حول عمليات غسل أموال تمت في مبيعات عقارية قبل عدة سنوات، وذلك بسبب الارتفاع الكبير وغير المنطقي على أسعار الأراضي، والتي قفزت عدة أضعاف عن قيمتها الحقيقية، لكن لم يثبت في المحصلة وقوع مثل تلك العمليات.

الاقتصاد الأردني.. نظرة عامة

يقول البنك الدولي إنه مازال الاقتصاد الأردني يعاني من ركود، إذ تراجع معدل النمو في 2016 للعام الثاني على التوالي إلى نحو 2% بفعل التداعيات الجيوسياسية التي ألحقت أضرارًا فادحة، إلا أنه يتوقع تحسن النمو الاقتصادي ليصل إلى حوالي 2.6% في المتوسط خلال السنوات 2017 – 2019، ولكن بشكلٍ عام يعاني اقتصاد البلاد من عدة مشاكل اقتصادية مزمنة، فيما تشكل هذه المشاكل عائقًا كبيرًا أمام أي تحسن حقيقي في أي قطاعات اقتصادية بالأردن.

وعلى رأس هذا المشاكل، تأتي الديون، إذ أظهرت بيانات وزارة المالية الأردنية للثلث الأول من العام الحالي، أن إجمالي الدين العام في نهاية الثلث الأول من هذا العام بلغ 36.95 مليار دولار أي ما يعادل 94.1% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة مع 36.8 مليار دولار في نهاية عام 2016، والذي كان يعادل 95.1% من الناتج المحلي الإجمالي.

بينما ارتفع عجز ميزانية الأردن، قبل المنح الخارجية، بنسبة 19.1% على أساس سنوي، خلال الشهور السبعة الأولى من العام الحالي، إذ قالت وزارة المالية الأردنية إن العجز المالي قبل المنح، بلغ حتى نهاية يوليو (تموز) الماضي، نحو 674 مليون دينار (950.6 مليون دولار)، وكان عجز الميزانية قد بلغ 565.5 مليون دينار خلال الفترة ذاتها من 2016، في الوقت الذي تراجعت المنح الخارجية الواردة إلى المملكة، بنسبة 46.1 % في الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، إلى 134.1 مليون دينار.

ولا تقل أرقام البطالة خطورة عن الديون والعجز، إذ صعدت معدلات البطالة في سوق العمل الأردنية، إلى 18.2% في الربع الأول من العام الجاري، مقارنة مع 15.8% في الربع الأخير من 2016، بحسب دائرة الإحصاءات العامة الأردنية (حكومية)، التي أوضحت أن معدل البطالة في صفوف الذكور بلغت 13.9%، مقابل 33% للإناث، في الربع الأول من العام الجاري.

وأشار البنك الدولي في تقرير له، إلى أن بعض الشباب الأردني بات يشعر بالغربة في وطنه، ما يزيد المخاطر الاجتماعية، لا سيما الذين يعيشون في المناطق النائية، موضحًا أن الشباب تأثروا أكثر من غيرهم بتداعيات «التباطؤ الاقتصادي» الذي تعيشه بلادهم، كما بيّن أن ثلث السكان معرضون للوقوع ضمن خط الفقر خلال عام.

وعلى الجانب الآخر، تراجع احتياطي النقد الأجنبي في الأردن 10.7% في نهاية مايو (أيار) الماضي مقارنة مع نهاية عام 2016، إذ بلغت قيمة الاحتياطي الأجنبي للمملكة نحو 11.5 مليار دولار مقارنة مع نحو 12.88 مليار دولار في نهاية 2016، بحسب بيانات البنك المركزي.

على كلٍ فإن الوضع الاقتصادي الحالي في الأردن لا يمكنه من مساعدة القطاع العقاري بشكل أو بآخر، وهو الأمر الذي يعمق جراح القطاع، إذ أنه لن يصمد في ظل أوضاع اقتصادية متردية بشكلٍ عام.

المصادر

انخفاض مبيعات العقارات في الأردن 8% في النصف/1
عرض التعليقات
تحميل المزيد