منذ أن أعلن فيروس كورونا الحرب ضد البشرية، بات الحدث الأبرز الذي يتابعه العالم أجمع بشكل آني، على جميع المستويات. حتى إن دولًا مثل لبنان، وإيطاليا، وإسبانيا أعلنت فقدانها السيطرة على هذه الجائحة، في وقت لم تستطع العديد من الدول الحد من ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات، رغم ضخامة المنظومات الطبية لديها.

وفي اختبار حقيقي وصعب، أعلنت الحكومة الأردنية الحرب على كورونا عبر سلسلة من الإجراءات الصعبة التي لم تتخذ منذ عقود، في محاولة منها للحدِّ من انتشار الفيروس والتغلُّب عليه، مع عدم إثارة السخط الشعبي في ظل ظروف اقتصادية صعبة تمر بها المملكة، فهل ستربح حكومة الرزاز المعركة أمام كورونا؟

اكتشاف حالة الإصابة الأولى بالمملكة يُشعل فتيل الحرب

بادرت الحكومة الأردنية، التي يرأسها حاليًا الدكتور عمر الرزاز، فور إعلان الإصابة الأولى في الأردن بفيروس كورونا، عبر مواطن قادم من إيطاليا في  2 مارس (آذار) الجاري، إلى اتخاذ عدد من الإجراءات الوقائية لمنع انتشار الفيروس في المملكة. فالثمانية وأربعون ساعة التي تلت إعلان الحالة الأولى كانت الحاسمة في نطاق إغلاق المدارس وأماكن التجمعات العامة، والتوسع إلى حد منع استقبال المسافرين من دول عدة، وتقرير إجراءات أخرى ذات علاقة بالانتقال والسفر ورحلات الطيران، لمنع انتشار كورونا بالمملكة.

هذه الإجراءات التي طرحت على طاولة «المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات»، بعد اكتشاف حالة إصابة واحدة، تسببت في انقسام حكومي؛ فالإجراءات المقترحة، لا تتفق مع المعايير العالمية في هذه الحالة، بينما يدفع الطرف الآخر إلى ضرورة تحصين المجتمع، بعيدًا عن أي اعتبارات لعدم وصوله للبلاد؛ لأن المحيط حول الأردن، أصبح موبوءًا بكورونا. وتجدر الإشارة إلى أن مثل هذه الإجراءات ذات تبعات متعددة اقتصادية وسياسية واجتماعية؛ لكن هاجس الأمن الصحي، هو الضاغط الأكبر في معادلة البحث والدراسة وتصدر الأولوية.

Embed from Getty Images

ويقول مصدر في وزارة الصحة لـ«ساسة بوست»، إن وزير الصحة سعد جابر صرح بأن «ليس كل الحالات التي ترد للمملكة مشتبه بها»، مشيرًا إلى أن الوزارة تعتبر حالة الاشتباه هي تلك التي تتوافر فيها أعراض الإصابة بكورونا، وعليه تجرى لها الفحوصات اللازمة والإجراءات المتبعة، ومضيفًا أنه ليس كل حالة اشتباه يجري وضعها في الحجر الصحي، لافتًا إلى أن هناك مسافرين قادمين من دول لم يتفشَّ فيها الفيروس، ويدخلون للمملكة وهم سليمون.

أما وزيرة التنمية الاجتماعية بسمة إسحاقات، فقد اتخذت سلسلة إجراءات بهذا الخصوص، بينها تعقيم المباني، وخزانات المياه، والمرافق الصحية، ومداومة عمليات النظافة على مدار الساعة، ومتابعة إجراءات الصيانة، وتفعيل دور الأطباء والممرضين في دور الإيواء.

إعلان الحرب على كورونا.. بيان الجيش الأردني رقم 1 

كان العرس الذي أصرت عائلة أردنية على إقامته في قاعة مغلقة، بمدينة إربد شمالي البلاد، رغم تحذيرات الحكومة من التجمعات؛ «الحادث الذي تسبب في إعلان النفير». إذ كان والد العروس في إسبانيا وشقيقتها بكندا قبل وصولهما إلى الأردن لحضور العرس، إذ سجَّلت الأردن 35 حالة إصابة بفيروس كورونا، فيما وُضِع ما يزيد على أكثر من 4 آلاف شخص في إطار إجراءات الكشف عن الإصابات المحتملة بالفيروس.

وفي 17 مارس الجاري، أصدر الجيش الأردني بيانًا حمل رقم «1»، أعلن فيه الوجود في مداخل المدن ومخارجها في كافة أنحاء المملكة، ودعا إلى «اتباع كافة التعليمات الصادرة من الوحدات المنتشرة على مداخل المدن والمحافظات ومخارجها في كافة أرجاء الأردن، وإيقاف كافة المراجعات المرضية للمستشفيات والمراكز الطبية العسكرية في كافة أرجاء البلاد، باستثناء الحالات الطارئة، وذلك في إطار الإجراءات الوقائية المتبعة للحماية من فيروس كورونا».​

وقررت الحكومة الأردنية تعطيل العمل في كافة المؤسسات الحكومية والخاصة، ووقف إصدار الصحف اليومية، ومنع الانتقال بين المحافظات، ومنع الخروج من المنزل إلا في حالات الضرورة القصوى، إلى إشعار آخر.

قانون الدفاع عن المملكة قيد التفعيل.. والسبب كورونا!

قبيل حلول ليل الثامن عشر من مارس، أصدر الملك الأردني عبد الله الثاني الموافقة على قرار مجلس الوزراء الأردني بتفعيل قانون الدفاع في المملكة، بما يمنح الحكومة صلاحيات مطلقة، ويجمد القوانين السارية، ويضعها بيد رئيس الوزراء شخصيًّا لإدارة شؤون الدولة.

دولي

منذ 7 شهور
كيف تواجه الدول الأكثر إنفاقًا على الصحة في العالم أزمة «كورونا»؟

واشترط الملك الأردني أن يكون تطبيق قانون الدفاع والأوامر الصادرة بمقتضاه في أضيق نطاق ممكن، وبما لا يمس حقوق الأردنيين السياسية والمدنية ويحافظ عليها، ويحمي الحريات العامة والحق في التعبير، التي كفلها الدستور وفي إطار القوانين العادية النافذة، وضمان احترام الملكيات الخاصة، سواء أكانت عقارًا، أم أموالًا منقولة أو غير منقولة.

أما رئيس الحكومة عمر الرزاز، فقد برر تفعيل قانون الدفاع بأنه «جاء لوجود ظرف استثنائي يتطلب توفير أداة للحكومة، ووسيلة إضافية لحماية الصحة العامة والحفاظ على سلامة المواطنين»، مؤكدًا أن «حق الحياة، وصحة الأردنيين أمر مقدس، يتقدم على سائر الحقوق».

وعطفًا على ما سبق من إجراءات، سارع نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة «هيومن رايتس ووتش» مايكل بَيْج، لدعوة السلطات الأردنية إلى الوفاء بالتزامها بعدم الانتقاص من الحقوق الأساسية للمواطنين، في ظل حالة الطوارئ التي فرضتها، مؤكدًا ضرورة ضمان أن تكون جميع الإجراءات المتخذة ضرورية ومتناسبة مع التهديد الذي تفرضه الجائحة.

ولافتًا إلى أن «حقوق الإنسان الأساسية التي لا تقبل التقييد حتى في أوقات الطوارئ؛ من بينها الحق في الحياة، والحظر المفروض على التعذيب وإساءة المعاملة، وحظر التمييز، وحرية المعتقد، علاوة على الحق في المحاكمة العادلة وفي عدم التعرض للاحتجاز التعسفي، والحق في المراجعة القضائية للاحتجاز».

قانون الدفاع.. القناص يتصيد المتسللين

وبسؤال مصدر في وزارة الداخلية حول الإجراءات التي جرى اتخاذها بحقّ مخترقي حظر التجوُّل وإجراءات الحظر، قال المصدر لـ«ساسة بوست» إنّ عددهم فاق حوالي 800 شخص، مؤكدًا أنه جرى تنفيذ الإجراءات القانونيّة اللازمة بحقّهم، واحتجازهم من قبل الأمن العام في ثلاثة مواقع جرى تخصيصها في أقاليم الشمال والوسط والجنوب، وأنه سيجري وضعهم في الحجر الصحي لمدة 14 يومًا، ومن ثم إحالتهم للمحكمة.

ويشير الباحث السياسي نذير الحريري لـ«ساسة بوست» إلى أنّ تفعيل قانون الدفاع يحدث للمرة الأولى، فـ«هذه الإجراءات لم تطبق منذ انتهاء الأحكام العرفية، قبل مرحلة التحوُّل إلى الديمقراطية عام 1989، وستكون له انعكاسات مستقبلية»

ويوضح الحريري أنّ «هناك أطرافًا كانت لديها الرغبة في تفعيل القانون، لكن الملك وافق عليه على مضض، ووضع استثناءات في القرار، وهو أمر غير معتادٍ في المراسيم الملكية»، لافتًا إلى أنّ «العاهل الأردني وجّه الحكومة إلى أن يكون تطبيق قانون الدفاع والأوامر الصادرة بمقتضاه، في أضيق نطاق ممكن، بما لا يمسّ حقوق الأردنيين السياسية والمدنية، ويحمي الحريات العامة والحق في التعبير، مع ضمان احترام الملكيات الخاصة».

ويؤكد «الحريري» «أنه لا مجال للشكّ في أنَّ هذا القانون عدوٌّ للحريات بشكل عام، ويضع جميع المواطنين تحت المساءلة من دون إبداء الأسباب، فضلًا عن الاعتقال وتفتيش المنازل، ووضع اليد على الملكيات الخاصة»، لكنه يؤكّد أنّ «هناك طارئًا مضطرون للتعامل معه»، مضيفًا أنّ «النية واضحة من القانون، وهي عبور أزمة كورونا وتجاوزها».

استراتيجيتان لمواجهة كورونا

يقول الباحث البيولوجي شمسي سركيس هناك استراتيجيتان لمكافحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، إذ تعتمد الاستراتيجية الأولى على «التباعد الاجتماعي» الذي يتضمن قيودًا على حرية الحركة والتجمع، إضافة إلى اختبارات طبية صارمة لمنع انتقاله بالكامل. من المؤكد أن مثل هذا الحل لن يكون قابلًا للتطبيق في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، وتلك التي تعاني من الأعمال العدائية، حيث قد يكون جمع العينات أكثر صعوبة، وكذلك في أماكن التجمعات الاعتيادية من ناحية أخرى، وفي غياب استراتيجية المسافة الاجتماعية، لن تتم السيطرة على تفشي المرض، مما يجعل البنية التحتية الصحية والكوادر الطبية غير قادرين على تأمين الرعاية؛ بسبب كثافة المرضى.

Embed from Getty Images

أما الاستراتيجية الثانية فتعرف بـ«مناعة القطيع»، وتقتضي ترك الفيروس لينتشر عمدًا بين السكان، فإذا أصيب غالبية الناس بالعدوى، ومن ثم أصبحوا محصنين سوف يسقط الوباء من تلقاء نفسه، حيث تجد الجراثيم صعوبة أكبر في العثور على مضيف قابل للإصابة، وذلك في حال كان معظم السكان من الشباب والأصحاء إلى حد ما، وأن تكون البنية التحتية الصحية قادرة على استيعاب المرضى في ظروف خطرة وحرجة.

وقد أصاب الفيروس أكثر من 677 ألف شخص في العالم، توفي منهم ما يزيد على 31 ألفًا، بينما تعافى أكثر من 146 ألف.

ويرى المواطن الأردني علي الحجوج  خلال حديث لـ«ساسة بوست»، أن «كل ما قامت به الحكومة الأردنية من إجراءات رغم إمكانياتها المحدودة، لا تعادل الطريقة الإنسانية التي تعاملت بها مع الموقف، ففي الوقت الذي يقول به بعض زعماء الدول العظمى لشعوبهم نتوقع الملايين من الموتى، بادر الأردن نحو شعبه لتجاوز هذه الأزمة ولم يتحدث معهم عن التكاليف، بل عن إجراءات الوقاية، ولا يصف لهم حجم ما يكابده من أعباء ومسؤوليات وصعوبات؛ فالرزاز قفز بالأردن لأوائل الدول العربية التي تتعامل مع الأزمة بهذه الطريقة».

كورونا.. جائحة اقتصادية لحكومة الرزاز

القرارات التي جاءت على دفعات قبل إعلان تفعيل قانون الدفاع العام وبعده، شملت تعميمًا أًصدره البنك المركزي الأردني للبنوك المحلية، بتأجيل الأقساط المستحقة على المقترضين دون تحمُّل فوائد التأخير، وتخفيض أسعار الفائدة على كل أدوات السياسة النقدية بمقدار 50 نقطة أساس، وجرى تأجيل استحقاق ضريبة المبيعات لحين تسديد المبالغ المستحقة على قطاعات التموين والصحة والأدوية، ناهيك عن السماح للشركات المدرجة على ما يعرف بالقوائم الذهبية والفضية بدفع 30% من الرسوم الجمركية، على أن تدفع 70% منها لاحقًا.

ويفيد الخبير الاقتصادي ليث الطراونة لـ«ساسة بوست»، بأن «قرارات الحكومة ترمي لتعزيز الأمن المجتمعي، وضمان استمرار السيولة النقدية في البلاد»، مضيفًا أن «القرارات من شأنها أن تنعكس على أرقام عجز الموازنة لاحقًا بالارتفاع، بما قد يشكِّل انتكاسة اقتصادية».

ويقول الطراونة: «كل الإجراءات الحكومية تهدف إلى خلق مناخ عام يخفف الأعباء الاقتصادية على الناس، مع تعطل العمل لأسابيع وربما أشهر، ويخفف من وقع صدمة توقف مظاهر الحياة عمومًا، ومن أهم القرارات الإفراج عن المديونين. هذه الاجراءات تمنع أي أعمال احتجاجية أو أي محاولات عنف، قد تنجم عن نقص المال أو الجوع».

وكانت الحكومة قد أعلنت مطلع العام عن عجز تقديري لموازنة 2020 العامة بمقدار 1.509 مليار دينار أردني، وبنسبة نمو اقتصادي تقدر بنحو 2.2%.

ويشير الطراونة إلى أن «النمو الاقتصادي سيتراجع على ضوء حجم النفقات، ولا بد من تأخير بنود وتقديم بنود في الموازنة، وأن تتدارك الحكومة تراجع الدخل المتوقع، وتتجنب المس بمخصصات الإنفاق التنموي مع توقع استمرار أزمة فيروس كورونا خمسة أو ستة أشهر وتذبذب أسعار النفط عالميًّا».

عربي

منذ 7 شهور
«الجارديان»: كيف يعيش الأردنيون في ظل حظر التجول الصارم؟

ومن المتوقع أن يلعب فيروس كورونا دورًا مهمًّا في تحديد عمر مجلس النواب في الأردن، وحكومة رئيس الوزراء عمر الرزاز، التي شارف عمرها الافتراضي على النفاد، مع إعلان العاهل الأردني عبد الله الثاني، أواخر شهر فبراير (شباط) الماضي، إجراء الانتخابات البرلمانية في الصيف المقبل.

ففي حال تفاقم الأمور، وأظهرت الحكومة عجزها (أعلنت الحكومة بالفعل ارتفاع الإصابات إلى 172 إصابة وصرحت بأن هذا مؤشر خطير لا يعكس الآمال والتطلعات في السيطرة على الفيروس)؛ لا يمكن عندها استبعاد اتخاذ أي إجراء، بما فيه تشكيل حكومة ذات طابع عسكري. فقوانين الدفاع معدَّة مسبقًا، ولا تحديد لمدة تطبيقها والعمل بها، لكن هناك قيدًا ضمنيًّا يرتبط بزوال الأسباب التي أدَّت إلى إقرارها، وهو انتشار وباء كورونا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد