ببزّة أنيقة وابتسامة عريضة وقفَ «سعد فتح الله اخضير»، الشاب الأردني ورجل الأعمال، وتوجّه إلى منصة المزاد الذي حازَ فيه لوحةَ مركبة مميزة مُقابل 522 ألف دينار؛ ليضمها إلى مجموعته التي تساوي 2.5 مليون دينارًا.

هذا جانبٌ من الصورة، أما في الجانب الآخر، أو في «أسفل» الصورة إن شئنا دقة التوصيف، في صالون حلاقة بسيط بمنطقة «خريبة السوق»، أحد أحياء عمَّان الفقيرة، استمعنا لـ«أبو نادر»، الشيخ الذي يقضي وقتًا طويلًا في الصالون بعد تقاعده ليشغل وقته، وأخذ يُحدثنا عن حياته وأسرته: ست فتيات وثلاثة شباب، نصفهم متزوجون أو يعملون، والبقيّة ما زالوا يعتاشون معه على راتب تقاعده الضئيل: 260 دينارًا (366$)، تنهشها الديون الشهرية ونفقات الطعام وأساسيات الحياة الأخرى، أما «المصِيْبَة» فهي عندما تجتمع العائلة يوم الجمعة؛ إذ لا يكفي في ذلك اليوم لإطعام الحاضرين أقل من 20 دينارًا.

أيّ وضعٍ اقتصاديّ يرسمُ مشهدًا بألوان متباينة كهذا؟ وبعد قرار الأردن الأخير برفع الدعم عن الخبز هل كان هذا هو الخيار الأنسب للحكومة؟ ما مبررات النظام وكيفَ انتصرَت قراراته مجددًا؟

اقرأ أيضًا: على خطا السيسي.. الأردن يبني عاصمة جديدة لا تتسع للفقراء

خطوة إلى الوراء: انتفاضة الخبز 1996

لوقت طويل كان دعم الخبز خطًا أحمرًا للأردنيين؛ إذ كانت الحكومة تدعم الخبز بدعمها «للطحين الموحّد» الذي يُورَّد إلى المخابز لعجن الخبز فقط، ولا يصلح لصنع غيره من المنتجات، كالحلويات والخبز المُحسَّن.

في 1995-96 ارتفع سعر طن القمح الواحد من 175 إلى 280 دولارًا، وما أن تجرأ عبد الكريم الكباريتي، رئيس الوزراء – آنذاك – عام 1996 على رفع الدعم ومُضاعفة أسعار الخبز، حتى ثارت عليه ثائرة جنوب الأردن، واشتعلت مدينة «الكَرَكْ» في وجه أفراد الأجهزة الأمنية غضبًا واحتجاجًا على القرار، وبَدَت الاحتجاجات العنيفة مُهدِدَةً للنظام وما بعده (القصر).

كما يفعلُ عادةً، نزلَ ملك الأردن آنذاك، الحسين بن طلال، إلى الكرك ليقف على رأس الأزمة التي وصفها بالـ«فتنة»، آمرًا بـ«الضرب بيد من حديد على يد كلّ عاقٍ».

في ذلك الوقت – كما هو الحال الآن – قدَّمت حكومة الكباريتي دعمًا نقديًا مُباشرًا للمواطنين بدلًا عن دعم الخبز، ولكن هذه السياسة لم تحقق نتائجها المرجوَّة؛ ما يُشكك بنتائجها الآن مع محاولة إعادة تطبيقها. وفي النهاية أسقطت «انتفاضة الخبز» حكومةَ الكباريتي وقرارها برفع الدعم.

ومنذ ذلك الحين لم يتخطَ أحدٌ الخط الأحمر الذي رسمه الشعب بيده، وحتى رئيس الوزراء الحالي، هاني المُلقي، كانَ مُدركًا لحساسية هذا الأمر، وفي عام 2016 تحدث نافيًا رفع الدعم عن الخبز: «ما في مد ايد على الخبز، هذا واجب اجتماعي سنستمر فيه»، وكعادة عالَم السياسة، خالفَ المُلقي نفسه، وامتدت يد الحكومة لرفع الدعم عن الخبز.

الحكومة والشعب يُسائلان بعضهما: لمَ عليَّ أن أجوع؟

بأي مبررات تخوضُ الحكومة معركتها في رفع الدعم عن الخبز؟ وهل كانت «معركةً» فعلًا؟ ومَن عليه أن يدعم مَن، الحكومةُ تدعم الشعب، أم الشعب عليه أن يموّل الحكومة؟

1- ذريعة اللاجئين و«الهدر»

لماذا تفكّر الحكومة في رفع الدعم عن الخبز؟ وزير الدولة لشؤون الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة، محمد المُومني، يملكُ الجواب: «هدر» الخبز بالإسراف في استخدامه، وبيع الطحين المدعوم – بشكل غير قانوني – ولكن الخطر الحقيقي في كلّ ذلك: تهريب الخبز إلى دول مجاورة للاستفادة من فارق السعر.

لم ينجُ المومني من السخرية الشعبية بعد تصريحه هذا؛ فأي مُهرّب قد يستفيد من تهريب الخبز؟ وإن كان التهريب مُمكنًا، فلمَ لا يُهرّب المهرّبون بضاعةً بربح أكبر كالمُخدّرات مثلًا؟ ولماذا تُفلت هذه التجارة من المراقبة الأمنية؟

على كلّ حال، أيّة دولة قد يُهرَّب الخبزُ لها؟ فالحدود مع سوريا مُغلقة وعسكريّة، ومع فلسطين المُحتلّة عسكريّة، وليسَ فيها سوى منفذ واحد ضيّق خاضع للإشراف الأردني والإسرائيلي، أما العراق فقد كانت حدودها مُغلقةً بشكل كلّي لثلاث سنوات بسبب تهديدات «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، عدا كون المدن الرئيسة الأردنية بعيدةً جدًا عن معبر طريبيل الحدودي الذي يربط بين البلدين.

ويظلُّ الخيار الوحيد للمهربين هو السعودية، حيث يستخدم الطحين أو الخبز في تغذية المواشي، ولكن السعودية، الدولة الأغنى في الجوار، منذ أكثر من عام انخفضَت فيها أسعار العلف إلى النصف؛ بعد فتح باب الاستيراد الخارجي؛ لتصلَ إلى سعر زهيد جدًا.

وانا بحكي …ثروات الاردنيين من وين …طلعت من تهريب الخبز …

Geplaatst door Kırmızı Gül op Vrijdag 20 oktober 2017

على سيرة تهريب الخبز عاجل :-القبض على مهرب بحوزته 500رغيف كماج300رغيف طابون 1200حبة خبز حمام وكميات من الشراك…

Geplaatst door Algteshat A Zeyad op Zaterdag 21 oktober 2017

منشورات ساخرة لمواطنين أردنيين على تصريحات الناطق باسم الحكومة الأردنية، محمد المومني.

في الحقيقة، عندما تتحدث الحكومة عن الهدر، تشيرُ في كثير من الأحيان إلى ما تُنفقه على غير المواطنين الأردنيين منَ اللاجئين السوريين بشكل أساسي، والعاملين (وأغلبهم مصريّون)، والفلسطينيين من غزة والضفة الغربية الذين يسكنون الأردن ولا يحملون الرقم الوطني الأردني (الأردنيون بدون رقم وطني هم مَن يحصلون على جواز السفر الأردني مؤقتًا، ولا يُعتبرون مواطنين أردنيين). يشتري كلّ هؤلاء الخبز بسعره المدعوم، الذي يُفترض أن يكون موجهًا للأردنيين فحسب؛ فهم دافعو الضرائب.

اقرأ أيضًا: اللاجئ الفلسطيني: كنز تتربح الحكومات العربية من عذابه!

لكن، هل هذا العذرُ حقيقيٌّ فعلًا؟ فاللاجئون وغير المواطنين مشتركون في دفع الضريبة (ضريبة المبيعات، على معظم السلع والخدمات وقيمتها 16%)، والتي بدورها تموّل جزءًا كبيرًا من الميزانية العامة. أيّ أنهم من دافعي الضرائب بالفعل، بل هم أكثر من ذلك، فاللاجئون عاملُ جذب كبير وأساسي لكثير من المساعدات التي حصل عليها الأردن في الأعوام الماضية.

من المُثير للانتباه أن المساعدات الأمريكية للأردن قبل الأزمة – 2011 – كانت شبهَ معدومة، أما بعدها، فقد أنفقت الولايات المُتحدة نحوَ 3 مليارات و697 مليون دولار مساعدات للأردن، تنوّعت بين دعم الميزانية واللاجئين والتعليم والصحة وغيرها من القطاعات. وفي 2018 تُخطط الولايات المتحدة لتقديم مساعدات للأردن تُقدّر بمليار دولار.

يتحدث رموز النظام الأردني بشكل مستمر عن مدى الإنهاك الذي عاشه الأردن بسبب اللاجئين، ويصوّرهم خطابُ النظام – بوضوح تام – كعامل إنهاك للبنى التحتية والخدمات في البلاد، وأنّ «تدفقهم» – الكلمة التي تُوحي بدخول مُستمر لأعداد هائلة إلى الأردن – «انعكَس سلبًا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية»، كما يقول عمر ملحس، وزير المالية الحالي.

حتى مطلع يناير (كانون الثاني) 2018، وصلَ عدد اللاجئين السوريين إلى 655 ألفًا ونصف، مُسجلينَ لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، و645 ألفًا غير مُسجلين، جزء منهم كانوا في الأردن قبل الأزمة. وعلى الرغم من أن أعداد اللاجئين لا تتزايد بشكل كبير، بل بدأ بعضهم بالعودة إلى الجنوب السوري عامَ 2017 بعد اتفاقيات وقف إطلاق النار، إلا أن النظام الأردني ما زالَ يستغلُّ وجودهم ببراعة فائقة، مُتجاهلًا أن «اللاجئ يأتي وتأتي مُساعداته معه».

وفي السنة المالية 2017 لوحدها، تحصّلت مفوضية اللاجئين – من الخارج – على 549 مليون دولار مساعدات للاجئين السوريين، يُنفَقُ جزءٌ ضخمٌ منها في تموينهم وتوفير الغذاء لهم؛ ما يشملُ القوت الأساسي: الخبز.

وقد شكّكَت مؤخرًا بعض المؤسسات الإنسانية في وصول المُساعدات للاجئين، «هيومن رايتس ووتش» تحدَّثت عن «مسارٍ مظلمٍ للأموال» تضيع وتُفقد فيه، وما يُعلن عنه من مبالغ ضخمة لا يصلُ إلا القليل منه لأيدي اللاجئين. وعلى سبيل المثال، أكَّدت الولايات المُتحدة دفع 83 مليون دولار للتعليم من أصل 248 مليونًا وَعَدَت بها، ولم توثّق الأردن من هذه الملايين إلا 13 مليون دولار، وحذفت الأردن هذا الرقم من قواعد بياناتها لاحقًا، وبذلك اختفت ملايين لم يوثّق أين ومتى أُنفِقَت، وعلى مَن.

أمّا عن الفلسطينيين بجوازٍ لا يحملُ رقمًا وطنيًا، هل تُعطي هذه الفئة أم تأخذ أكثر؟

يعيش في الأردن 750 ألف نسمة بالجواز المؤقت من فلسطينيّ الضفة الغربية وغزة، ويحقُّ لهم استخراج جواز سفر يُجدّد كلَّ خمسة أعوام. هذه الأرقام مُهمّةٌ جدًا؛ لأنها تتحدث عن العائدات التي تتحصل عليها خزينة الدولة من تجديد جوازات سفر هذه الفئة؛ إذ كانت سابقًا رسوم التجديد 50 دينارًا، ثم رُفعت لـ200 دينار؛ ما يعني أن تجديد جوازاتهم جميعًا يُغذّي الإيرادات بـ211 مليون دولار ونصف كلّ دورة كاملة.

ولكن الأسوأ من ذلك أنه وحتى 2014 كان الغزيّون مضطرين لشراء تراخيص ليعملوا، وما زالت فئة الـ«نصف مواطن»هذه مُضطرةً لتعليم أبنائها برسوم عالية خارج المدارس الحكومية، ما عدا الفلسطينيين من أم أردنية؛ فقد مُنحوا حق التعليم في 2014.

2- «الاعتماد على الذات» أم على جيب المواطن؟

الاقتصاد الأردني قائم على المساعدات الأجنبية، لا يمكن له أن يزدهر بدونها. *سمير الطويل، وزير اقتصاد أردني أسبق

أطلَّ شبحُ ترامب واضحًا بتهديده بقطع المُساعدات عن المصوّتين ضد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وكانت الأردن على رأس الرافضين؛ ما فتح الباب لبعض النواب ليُبرروا مُساندتهم للحكومة في ميزانيتها التي طرحتها، مُؤكدين على سياسة «الاعتماد على الذات»، وأنّ الأردنيين «أسياد قرارهم»، وسيقفون وراء الملك دائمًا.

Embed from Getty Images
«الاعتماد على الذات»، العبارة التي تكررت مطوّلًا ومُجددًا خلال الشهور الثلاثة الماضية في الأردن. بدأ الأمر بلقاء صحافي مع الملك في 13 سبتمبر (أيلول)، ثم تبعه خطاب العرش في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 بجملة سريعةٍ قالها الملك: «لن يقوم أحد بإيجاد الحلول لمشاكلنا، إلا نحن أنفسنا، فلا بد أن نعتمد على إرادتنا وإمكانياتنا وطاقاتنا في مواجهة التحديات أمامنا بعزيمة وتصميم».

وانطلقت المقالات السياسية والاقتصادية تُعظّم وتُنظّر لسياسات الاعتماد على الذات. وبالرغم من أن الملك وجّه الحكومة نحو «عدم المساس بالطبقة الوسطى، وفئات الدخل المحدود»، إلا أن الحكومة لم تُعر ذلك أيّ اهتمام في ميزانيتها، التي لم تكن لتمر دون رضى القصر.

ووفق رأي الكثيرين يتحدث القصر دومًا بالمثاليات وبـ«دمقرطة» العمل السياسي ورفع مستويات الشفافية والفاعلية، والحكومة تسبح في اتجاه آخر تمامًا. تَتَابع هذا النوع من الخطاب رسَّخ الملك والقصر في مخيال المواطن الأردنيّ في صورةٍ مثالية؛ ملاك لا يُريد إلا الإصلاح، ويُصبح «اللي حوالين الملك مش مزبوطين».

في عرضه للميزانية أمام البرلمان، أشارَ عمر ملحس وزير المالية إلى سياسة الاعتماد على الذات: «الاعتماد بصورة أكبر على الموارد الذاتية في تغطية الإنفاق العام وتحسين إنتاجيته بما يضمن تحسين مستوى الخدمات الحكومية المُقدَّمة للمواطنين»، وبلغة الأرقام الواضحة: ارتفع الاعتماد على الإيرادات المحلية 640 مليون دولارًا، والتي تعتمد بشكل مُباشر على الإيرادات الضريبية، فهل هي سياسة اعتماد على الذات، أم على جيب المواطن؟

يعيشُ الاقتصاد الأردني بشكل مُباشر وأساسي على الضرائب، فإيرادات ميزانية 2018 المُقدَّرة بـ11 مليار و978 مليون دولار، يُغطى أكثر من نصفها من الضرائب التي قُدَّرت بـ7مليارات و254 مليون دولارًا، أي أكثر من نصف الموازنة.

اقرأ أيضًا: «قُوَّةُ الفتات»: في الأردن موّل الدولة دون أن تزعج الشعب.

هذا النمو في الإيرادات سيُغذى بالمُخالفات والجزاءات – التي تتوقع لها الميزانية أن ترتفع لهذا العام – وبتوسيع نطاق ضريبة المبيعات (16%) لتشملَ سلعًا وخدمات جديدة، ولذا بُنيت الميزانية على افتراض «التخفيض التدريجي للإعفاءات من ضريبة المبيعات على السلع والخدمات».

هذه المرة تحركت الحكومة الأردنية سريعًا لتنفيذ خططها، وفُتح سيل الضرائب. أقرَّت الحكومة رفع الضريبة على الأدوية من 4% إلى 10%، وبعد اعتراض واسع من نقابة الصيادلة والنوّاب أجابَت وزارة الماليّة بوضوح وصرامة: «لا تراجع عن هذه الضريبة»، وهي «قرار نهائي».

لكن حبر الملك يمحو حبر الحكومة، وفي 24 يناير 2018 صدر توجيهٌ ملكي للحكومة بوقف العمل بالضريبة العامة على الأدوية، ونُفّذ التوجيه فورًا. وهنا تقفزُ صورة الملك المُنقذ إلى الواجهة مُجددًا، ولا أظهر منها في كلمة نقيب الصيادلة عن الملك حين قال إنّه «لم يشك في يوم من الأيام في خطوة تدخل جلالة الملك لحل هذه الإشكالية؛ لشعور جلالته الدائم بوضع المواطن الأردني».

في يوم 22 من نفس الشهر، قررت الحكومة فرضَ ضريبة مبيعات على الكتب تصل إلى 10%؛ لتُسرّع بذلك الموت البطيء لقطاع النشر والكتب، وقبلَ ذلك أقرت ضريبةً على «أوزان السيارات»، ولكلّ وزن ضريبته الخاصة. وفي مطلع يناير 2018 فُرضت ضريبة جديدة على المشروبات الغازية قيمتها 20%، وضريبة على علب السجائر.

لمَ الاعتماد على الذات؟ يبدو الحديث عن هذه السياسة مُغريًا في الظروف الحالية، فالسيولة الخليجية انخفضت بانخفاض أسعار النفط، وانخفضت معها المنحة السنوية للأردن، بفرق 146 مليون دولارًا عن العام الماضي، ومع سوء الوضع الخليجي جاءت تهديدات ترمب بقطع المساعدات لتزيد مخاوف العجز، الذي بلغَ في الميزانية الأخيرة 766 مليون دولارًا. لكن تهديدات ترامب لم تتحول لأفعال حقيقية، وظلَّ مستوى المساعدات الأمريكية الموعودة مُرتفعًا.

تُغطي المُساعدات عُشرَ الميزانية أو أكثر بقليل كما في 2017 (مليار و95 مليون دولار مُناصفةً بين دول الخليج وبين أوروبا والولايات المُتحدة)، وأقل بقليل في تقديرات 2018 (986 مليون دولار)، ويعني هذا أن الفرق بين العامين 108 مليون دولار فقط.

هل كان رفع الدعم هو الخيار الأفضل؟

نعود للسؤال الأصلي: هل كان خيار زيادة الضرائب ورفع الدعم عن السلع والخدمات، كإلغاء الدعم عن الخبز، هما الخيار الأفضل لكلا الطرفين: الحكومة والشعب، تحديدًا مع عدم تنفيذ الحكومة لأي أفعال تُعبّر عن «حسن نية» تجاه المواطنين، أو رغبة في دعمهم.

108 مليون دولار هي النقص في المساعدات عن العام الماضي، أما 197 مليون دولار فهو المبلغ الذي توفّره الحكومة برفع الدعم عن الخبز الذي يمسُّ حياة المواطن اليومية وغذاءه الأساسي، ومن الواضح إذًا أن المُساعدات كان يُمكن أن تعوّض بأمور أخرى غير الخبز.

كذلك، لم تُوجه الحكومة إنفاق الميزانية نحو قطاعات يُمكن أن تُحسن من نوعية حياة المواطنين وجودتها ومستواهم المالي، في ميزانية هذا العام ارتفعت نفقات الأجهزة الأمنية  88 مليون دولارًا؛ لتصل نفقات الداخلية في مجموعها إلى مليار و707 مليون دولار.

يحدث هذا الارتفاع في نفقات الداخلية والأجهزة الأمنية، على الرغم من التراجع الحاد لـ(داعش) في كلّ من سوريا والعراق، المُجاورتين للأردن، ومُقلقات أمنه الداخلي والإقليمي، كذلك ارتفعت نفقات الديوان الملكي نحو 4 ملايين دولار عن العام الماضي؛ لتصلَ ككل إلى نحو 71 مليون دولار. أما باقي الوزارات فلم ترتفع نفقاتها بشكل حقيقي، سوى نفقات وزارة التربية والتعليم التي زادت نحو  65 مليونًا، وخُفّضت ميزانية التعليم العالي والبحث العلمي نحو 11 مليونًا.

خطبَ رئيس الوزراء في البرلمان قائلًا: «سنتجاوز التحديات بعزيمة شعبنا الأبي وحكمة قيادتنا المستنيرة ورسوخ مؤسساتنا»، ولكن يبدو أنَّ «القصور الملكية العامرة» لها رأي آخر، وهو أن يتجاوز الشعب وحده بالعزيمة أو بغيرها كلَّ التحديات؛ إذ سيُدفع لها من جيوب المواطنين 35 مليون دولار لتشغيلها – هذه النفقات للقصور فقط، ولا تشمل مُخصصات الأسرة المالكة ونفقاتها الأخرى – ومنذ 10 سنوات كانت نفقات القصور تتراوح بين 32-35 مليون سنويًا، وتُؤخذ من الميزانية.

Embed from Getty Images
رئيس الوزراء الأردني السابق معروف البخيت (على يمين الصورة)، مع رئيس الوزراء الحالي هاني المُلقي (يسار الصورة)، أمامَ قصر رغدان الملكيّ.

محاولاتٌ يائسة

في العقود الثلاثة الماضية مرَّ الأردن ببرامج تصحيح اقتصادي قاسية، آخرها – منذ 10 سنوات- إصلاحات التعليم والصحة، وفتح السوق للخصخصة، وارتفاع مستمر ودائم للضرائب. وعلى الرغم من الحديث المتكرر اللامتناهي والمتجدد عن الإصلاح الاقتصادي والسياسي للأردن، إلا أنه منذ 2011، ومع سبع حكومات، يعيشُ الأردن نموًا اقتصاديًا متواضعًا؛ فإجمالي الناتج المحلي لكلّ فرد لم يرتفع ارتفاعًا حقيقيًا؛ إذ انتقل من 5357 دولار إلى 5752 دولار.

وأما إجمالي الناتج المحلي فلم يتجاوز للعام المُنصرم 2.3% – وفقًا لتوقعّات الحكومة – وهي النسبة التي ظلَّ نمو الاقتصاد الأردني أقلّ منها في الأعوام الماضية، ما عدا العام المالي 2014؛ إذ حقق الأردن فيه نموًا قدره 3.1%.

لا شيء ينمو في الأردن كما تنمو الديون ومعدّلات البطالة؛ فالأخيرة انتقلت مِن 12.6% في 2012 إلى 18.2% في ديسمبر (كانون الأول) 2017؛ ما يعني ارتفاعًا قيمته 2.9% عن عام 2016.

أما المديونية فتُعاني «سُمنةً مُفرطة»، إذا جازَ التعبير، ونموّ حجم المديونية لم يتوقف أبدًا بين عامي 2007-2012، وسجّل نموًا في الدين الداخلي بين 18%-67%. وحافظ الدين العام في السنوات الأخيرة، منذ 2013 وحتى 2017، على وتيرته القويّة في الارتفاع، ليصلَ في ختام 2017 إلى 37.3 مليار دولار أمريكي بفارق 642 مليونًا عن العام السابق 2016.

أقرضني رغيفًا

أثيرت في فترة حكومة عبد الله النسور (20122016)، رئيس الوزراء الأردني السابق إشاعات عن رفع الدعم عن الخبز في 2013، وتكررت لاحقًا في 2015، ونفاها النسور مرة تلو المرة، قائلًا في إحدى المُقابلات: «لا يمكن أن نزيد فلسًا على رغيف الخبز، لا اليومَ، ولا في أيّ وقت. لا رفع على الإطلاق».

في نوفمبر 2017، أعلنت الحكومة الأردنية رفع الدعم عن الخبز على أن يبدأ تنفيذ القرار ببداية فبراير (شباط) 2018، ولكنها استبقت الأمور وخالفت كلمتها وبدأت بتطبيق القرار في 27 يناير 2018. ويبدو أن مزاج الشارع الأردني تحوَّل من الغضب والانفعال إلى الانكفاء وفقدان الأمل من أن تكون مساعي الحكومات المُتعاقبة للإصلاح جادة فلم تتجاوز ردّة فعل الشارع مساحات الفيسبوك وتويتر، وربما تحوَّلت إلى «شوارع افتراضية».

وقعت خلال ثلاثة أيام جريمتا سطوٍ مسلّح على بنكين لم يعتَد سكان العاصمة عمان على جرائم مُشابهة لها، قُبض على الجاني الأول في نصف ساعة، وفي الحين الذي اشترى فيه الشاب الثريّ الذي ذكرناه ابتداءً لوحة لمركبته بنصف مليون دينار، كان السارق الثاني قد لاذَ بالفرار، ولم يُقبض عليه حتى اللحظة، واكتمل المشهد بضريبة المبيعات المفروضة على اللوحة (قيمتها 72 ألف دينار) التي تقترب من قيمة المبلغ المسروق (76 ألفًا). تُظهرُ هذه الأحداث اللامساواة والتفاوت الطبقي في الأردنّ بصورة مُخيفة.

الحاج أبو نادر الذي ذكرناه في بداية التقرير، انفجرَ غاضبًا عندما ذكرَ أحد زبائن الصالون نفقات ضيافة مكتب أحد كبار المسؤولين في الحكومة، وأطلقَ سيلًا من الدعوات والسُباب، تبعه في التأكيد عليه كل مَن في المكان. أبدى كثيرٌ من الأردنيين دعمهم وتأييدهم للسطو على البنوك، بل تمنّى بعضهم السلامة والنجاة للسارقين؛ ما دفع جهاز الأمن العام إلى «استهجان تعاطف البعض مع حادثة السطو على فرع بنك».

باجتماع هذه المشاهد والمفارقات في لحظةٍ واحدة، أيّ مستقبلٍ ينتظره الأردن؟ وأيّ مستقبل يدفع النظامُ الناس نحوه؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد