كثيرًا ما عبَّر الملك الأردني عن مخاوفه من أطماع إيران، بل أطلق قبل عدة سنوات – خلال تصريحاته لـ”واشنطن بوست” الأمريكية عام 2004 – تحذيرا من خطر تشكل هلال شيعي في المنطقة.

اليوم وفي ظل وضع إقليمي معقد، فاجأ الأردن العالم بذهاب وزير خارجيته ناصر جودة إلى إيران بعد سبع سنوات من قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وبعد عام من الزيارة الرسمية التي قام بها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى الأردن.

وكانت وزارة الخارجية الأردنية قد أعلنت عن تعيين سفير أردني جديد في طهران هو عبد الله أبو رمان، وبررت الأردن ذلك بأنه مجرد خطوة دبلوماسية لا أكثر، لتأتي هذه الزيارة وتلفت الأنظار إلى تغيرات ربما تكون “كارتًا أخضر” عربيًا للأردن خاصة أن جودة دعا في هذه الزيارة لإجراء حوار عربي إيراني على غرار ما تقوم به الجامعة العربية من حوارات مع مختلف الدول.

وقال جودة من طهران: “إن عدم الاستقرار والعنف والتطرف قد مدت جذورها في منطقتنا منذ أعوام، ونحن نعتقد بضرورة عودة الأمن والاستقرار السياسي للمنطقة سريعًا، ولهذا السبب فإننا بحاجة إلى الوحدة والتلاحم بين جميع الدول الإسلامية، ومن المهم لنا في هذا السياق إجراء محادثات مع الإخوة الإيرانيين والتشاور معهم بشان القضايا الإقليمية”.

ماذا عن تاريخ العلاقات الأردنية الإيرانية؟

تعتبر العلاقات الأردنية الإيرانية علاقات متباينة المواقف السياسية والإستراتيجية بين البلدين، وهما بلدان على خلاف عميق حيال معظم قضايا المنطقة وأزماتها المفتوحة.

يقف الأردن في صف المحور المسمى محور الاعتدال في المنطقة، فيما إيران تنتمي إلى ما يسمى محور الممانعة، أي أن الأردن حليف للولايات المتحدة والغرب ولديه معاهدة رسمية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، ويعترف بالسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا للفلسطينيين، فيما إيران حاليا على تصادم مع الغرب وعداء مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وهي تدعم حركة “حماس” على حساب السلطة الفلسطينية، وفي لبنان، تقف طهران بقوة وثبات خلف حزب الله وتحالف 8 آذار، فيما يحتفظ الأردن بعلاقات وثيقة مع التحالف الآخر (14 آذار) بمختلف مكوناته.

ويؤيد الأردن مطالب دولة الإمارات في الجزر الثلاث المتنازع حولها مع إيران، وتؤيد الدبلوماسية الأردنية الدعوات الخليجية التقليدية إلى إيران لوقف تدخلاتها في الشؤون الداخلية لبعض الدول العربية، وفي هذا السياق يدعم الأردن بقوة النظام السياسي في البحرين، مثلما تتبنى طهران بقوة أيضًا، مسؤولية الدفاع عن المعارضة البحرينية ذات الغالبية الشيعية.

يقول الكاتب الأردني عريب الرنتاوبي: “العلاقات الثنائية – بين الأردن وإيران – توصف عادة بـ“الفاترة”، لكن درجة حرارتها تكفي على أية حال لتدشين مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، ولقد سبق لمسؤولين أردنيين كبار أن زاروا طهران بمناسبات إقليمية ودولية”، وتابع القول في مقاله “الأردن وإيران… أي جديد؟”: “اليوم تبدو الصورة مغايرة، إيران تتحضر للخروج من شرنقة العزلة والحصار الدوليين، واتفاقها النووي مع الغرب بات وشيكًا أو هو “قيد التسويق” على حلفاء واشنطن القلقين والمتخوفين. الزيارة تأتي في هذه المناخات، وربما تكون بذاتها، استجابة أردنية للتغيير الحاصل في اتجاهات هبوب الريح الإقليمية والدولية، الأردن يريد أن يسبر أغوار الوجهة الإيرانية الجديدة في مرحلة ما بعد إغلاق الملف النووي”.

ما هي دلالات زيارة الوزير الأردني إلى طهران؟

في إطار التحليل لفهم الزيارة الأخيرة لناصر جودة إلى طهران، يعتبر الباحث المساعد في مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية محمد أبو رمان، أن تنظيم الدولة الإسلامية، الذي سيطر على الموصل في العام الماضي
وتمدد ليأخذ مساحاتٍ واسعة في العراق وسورية، قلب الأجندات والإستراتيجيات الدولية والإقليمية تجاه ما يحدث وهذا ما أدى إلى تغير موقف وتفكير الأردن تجاه إيران، وتابع القول: “أن تلك الزيارة جاءت للبحث عن أرضية مشتركة بين الطرفين على قاعدة مكافحة الإرهاب ومواجهة تنظيم داعش، ومحاولة الخروج من شرنقة التهديد بحرب طائفية مرعبة في المنطقة العربية، ضمن أولًا الدخول على خط التقارب الأميركي/ الإيراني الجديد، وثانيًا المعادلة العربية الجديدة التي تتجاهل النفوذ الإيراني مقابل التركيز على “خطر الإسلام السياسي”.

كما يعتبر المحللون دعوة جودة إلى فتح حوار عربي- إيراني بهدف حل مشكلات المنطقة، أنها جاءت ضمن تنسيق مع بعض الدول العربية التي تجمعها علاقة متوترة مع إيران. ففي حال تمكنت الدول العربية وإيران من بلورة موقف متقارب لمحاربة الإرهاب، خصوصًا في سورية والعراق.

يقول الصحفي والكاتب عبد الباري عطوان أنه: “عندما يزور وزير خارجية الأردن السيد ناصر جودة طهران للمرة الأولى بعد انقطاع استمر ثماني سنوات، ويدعو من هناك إلى فتح حوار عربي إيراني يهدف إلى حل مشاكل المنطقة، فإن هذا يعكس بشكل جلي قرب إقدام منطقة الشرق الأوسط على تحول إستراتيجي غير مسبوق، بعد أن أصبح الاتفاق النووي الإيراني جاهزًا للتوقيع”.

وفيما يتعلق بموقف الأردن من السعودية التي تعارض أي تقارب مع إيران، فمن المعروف أن دور الموقف الأردني متماهٍ مع السياسة الخارجية الأميركية، وعربي مع الموقف الإماراتي أكثر من التقاط الاستدارة السعودية الجارية حاليًا، ومع ذلك فمن المستبعد أن يبتعد الأردن عن الموقف السعودي، إذا تجلّى الموقف السعودي الجديد – وهو السيناريو الأكثر توقعًا وفقًا لصيرورة التحولات الجارية – عن تقارب مع أنقرة وتراجع عن عُقدة الإخوان المسلمين، وربما لاحقًا العودة إلى الفصل بين الإسلام السياسي المعتدل والمتطرف وعدم جمعهما في سلّة واحدة، كما كانت عليه الحال في المعادلة السابقة.

هل هناك مساحة مشتركة في الموقف الأردني والإيراني من سوريا والعراق؟

تظهر قناعات ملك الأردن عبد الله بأنّ الحل لا يكمن في إسقاط النظام السوري، بل في حلّ سياسي يعطي ضمانات للأطراف المختلفة، ويعطي روسيا دورًا رئيسًا في ذلك، وتعززت ضرورة هذه القناعة بالتحولات الأخيرة في الأزمة الإقليمية، واتضح ذلك في إعلان عبد الله في أكثر من مقابلة صحفية بوضوح أنّ الحل يكمن في الحوار بين المعارضة الوطنية والنظام، والتوافق على المرحلة الانتقالية القادمة، مما يحدّ من درجة الخلاف الأردني تحديدًا مع طهران فيما يتعلق بالموقف من النظام السوري.

وفيما يتعلق بالعراق فإن علاقة الأردن بالنظام العراقي الموالي لطهران تحسنت بصورة ملحوظة، حتى خلال مرحلة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، لكنها اليوم تشهد تطورًا كبيرًا مع حيدر العبادي على صعيد العلاقات الدبلوماسية والانفتاح المتبادل بين الطرفين.

كيف قرأ المحللون والساسة الأردنيون هذه الزيارة؟

تباينت مواقف الساسة والمحللين الأردنيين من زيارة جودة لإيران، فالأردنيون – في ظل الأزمة الطائفية الخانقة في المنطقة – بقوا دائما لا يشعرون بالأمن والاستقرار وراحة البال وهم يرون إيران تحقق انتصارات سياسية وعسكرية في الجوار، وتصبح على حدود الأردن.

يستنكر المعارض الأردني البارز لبيب قمحاوي هذه الزيارة، ويقول: “نرجو ألا يكون للأردن أي دور إقليمي لتقسيم المنطقة مذهبيا، فاليد التي يمدها الأردن اليوم تجاه إيران ليست لوقف الاندفاع الإيراني، فهذا الاندفاع غير خاضع للمساومة، وإنما للاتفاق على إعادة تقسيم المنطقة، وهو أمر لن يكون في مصلحتنا”.

مضيفًا في حديثه لموقع “الجزيرة نت”: “نوايا إيران وطموحاتها واضحة في العراق واليمن وغيرهما من العواصم العربية، ودور المليشيات الإيرانية في المنطقة واضح، وتصريحات المسؤولين الإيرانيين واضحة أيضا، الكل يعرف أن طهران تريد السيطرة على المنطقة كلها”.

من جانبه، لا يرى المحلل السياسي ماهر أبو طير أن زيارة وزير الخارجية الأردني تعبر عن انقلاب كامل في العلاقات الأردنية الإيرانية، فهي زيارة ناجمة عن وجود توافق إقليمي عربي ودولي عليها من جانب الأطراف التي يتوقف الأردن عند رأيها، خصوصا العربية السعودية والولايات المتحدة، معتبرها “تخفيفَ منسوبِ الخشونة في العلاقات بين البلدين في سياق لحظة إقليمية وعالمية قد تؤدي إلى انفراج على مستوى الملف النووي الإيراني”.

ويقول أبو طير إن “الأردن يسعى إلى توطئة لتحسين العلاقات، لكن دون أن تكون هذه التوطئة كبيرة في دلالاتها على المدى القريب”، وتابع القول: “لا يمكننا مضاعفة مغزى الخطوة، فهي تكتيكية يسهل التراجع عن دلالاتها لاحقا مثلما يسهل البناء عليها إذا قرر الأردن ذلك، فالخطوة تصب في فتح هوامش احتياطية في السياسة الأردنية تحوطًا للمستقبل”.

المصادر

تحميل المزيد