أثارت حادثة الطعن الأخيرة في مدينة جرش الأردنية المخاوف من تأثر قطاع السياحة الأردني مجددًا، بعد أن كان قد التقط أنفاسه أخيرًا في العامين الماضيين، عقب الأزمات التي عصفت بالمنطقة. يحاول الأردن، الذي تحيط به دول تشهد منذ سنوات حروبًا وقلاقل، أن يسير فوق حبل مشدود ليحافظ على شريان أساسي يشكل حوالي 12- 13% من إجمالي الناتج المحلي، عبر مواقف إقليمية معتدلة، وسياسات خارجية مرنة، فهل تجري الرياح بما تشتهي سفن الأردنيين أم يقتضي مسار الأمور أمرًا آخر؟

سهام التظاهرات تصيب السياحة

شهد قطاع السياحة في المملكة الهاشمية تذبذبات شديدة في السنوات الماضية منذ اندلاع ثورات الربيع العربي؛ بسبب موقعها الجغرافي المجاور لدول شهدت مواجهات مباشرة مع حكوماتها من جهة، ومع جماعات مسلحة من جهة أخرى مثل: سوريا والعراق. إضافة إلى حقيقة وجودها إلى جوار إسرائيل، الأمر الذي يجعلها عرضة لتقلبات المناخ السياسي السائد في المنطقة.

 تراجع أعداد السياح في سنوات الربيع العربي وفقًا لإحصائيات وزارة السياحة والآثار- مصدر الإنفو: الصحافي باسم الجنايدة.

تشير الإحصائيات إلى أن أعداد السياح تراجع إلى النصف تقريبًا في السنوات الأولى للربيع العربي، ففي عام 2010 كان عدد السيّاح 8.2 مليون سائح، ثم انخفض هذا الرقم تدريجيًّا إلى أن وصل إلى 4.8 مليون سائح فقط في 2015.

كان معظم النقص في عدد السيّاح من الدول الأوروبية التي ضمّت الأردن إلى المناطق الساخنة غير الآمنة؛ وبالتالي لا يُنصح بالسفر إليها. ففي عام 2010 كان عدد السياح الأوروبيين 730 ألف سائح، تراجع عددهم ليصل في 2015 إلى 426 ألف سائح فقط.

لم تكن المملكة الهاشمية الوحيدة من دول المنطقة التي تراجعت السياحة فيها أيضًا، فعلى سبيل المثال، تراجعت السياحة أيضًا في لبنان التي كانت تشكل السياحة فيها 20% من الدخل القومي باستضافة 2.200.000 سائح في 2010، الرقم الذي انخفض إلى 1.300.000 في 2013 وفق إحصائيات وزارة السياحة اللبنانية.

لكن في المقابل؛ بدت أرقام إسرائيل ثابتة ولم تتأثر بالربيع العربي، فقد بقي عدد السياح لديها بين 2.700.000 و2.900.000 سائح تقريبًا من 2010- 2015. هذا وتشهد السياحة في إسرائيل انتعاشًا كبيرًا في السنتين الأخيرتين؛ إذ تجاوز عدد السياح حاجز 4 مليون.

وبالرغم من أن الأردن كان من أقل الدول العربية التي شهدت مظاهرات واضطرابات، وسارعت حكومته إلى إجراء تعديلات وإجراءات احترازية، كي لا تتطور الأوضاع في البلاد إلى ما هو أسوأ؛ فإن أجواء عدم استقرار المنطقة طالت آثارها المملكة.

«واشنطن بوست»: ماذا تعرف عن الأراضي التي أنهى الأردن إيجارها لإسرائيل؟

قطاع السياحة الأردني يستفيد من عدم الاستقرار الإقليمي

شهد عام 2018 ارتفاعًا في عدد السياح بالأردن مقارنة بالسنوات السابقة، فقد بلغت عائدات القطاع نحو 5 مليار دولار مبشرة بعودة الأوضاع إلى سابق عهدها. وتوالى الارتفاع في عام 2019، إذ وصلت عائدات السياحة في التسعة أشهر الأولى فقط من العام إلى 4.4 مليار دولار، مسجلة ارتفاعًا بنسبة 9% عن العام الماضي، بحسب إحصائيات البنك المركزي الأردني.

قطاع السياحة في الأردن 2018 - 2019

 توضح الصورة الانتعاش الذي شهده قطاع السياحة في الأردن بين عامي 2018- 2019 – المصدر: وكالة الأنباء الأردنية: بترا 

جاء هذا الانتعاش بعد الاستقرار النسبي الذي شهدته المنطقة، وبعد أن أثمرت الجهود التي بذلتها المملكة في تنشيط قطاع السياحة والترويج للبلد بوصفه وجهة سياحية. وتحولت وجهة السيّاح العرب أيضًا إلى هناك بعد أن كانوا يقصدون دول الجوار، مثل سوريا، ولبنان اللتين ما زالتا تعانيان من عدم الاستقرار، على عكس المملكة الهاشمية التي تبرز كونه منطقة آمنة ومستقرة.

بعد توتر الأوضاع في سوريا ولبنان، وجد الخليجيون، لا سيما السعوديون، في المملكة الهاشمية وجهة بديلة، كما يرى أحمد (اسم مستعار) صاحب محل تحف تذكارية. يقول أحمد: «الأردن قريب في طبيعته الجغرافية من سوريا ولبنان، بالإضافة إلى وجود أماكن مميزة فيه مثل البتراء، والطقس المعتدل وطبيعة البلد المحافظة تشجع العائلات التي اعتادت على الاصطياف في دول الجوار، على القدوم إلى هنا».

العاملون في قطاع السياحة: أعداد السياح كبير ولكن!

يقول ماهر (اسم مستعار) أحد العاملين في مطعم هاشم الشهير في وسط البلد: «هذه السنة أفضل سنة، أعداد السياح تزايدت جدًّا وأصبحنا نرى جنسيات جديدة. طبعًا دول الجوار أقفلت؛ ما جعل السيّاح العرب بالذات السعوديين يحولون وجهتهم إلى الأردن».

وقال مهند (اسم مستعار) وهو مرشد سياحي: «شهدت السياحة ركودًا كبيرًا في السنوات التي حدث بها الربيع العربي، لكن السعوديين وجنسيات شرق آسيا استمرت في التوافد إلى الأردن للسياحة. الأوروبيون هم من قلت أعدادهم أكثر. عرب- 48 أيضًا يأتون في المواسم وفي أيام إجازاتهم. في العامين الماضيين ازدادت الأعداد بشكل ملحوظ لكن منذ شهر سبتمبر (أيلول) 2019 وحتى الآن ازدادت الأعداد بشكل مخيف، ربما بسبب جهود وزارة السياحة في التنشيط أو الطيران المخفض».

ويلفت سمير (اسم مستعار)، صاحب محل نثريات في وسط البلد، إلى أن أعداد الخليجيين بالذات السعوديين في ازدياد، ولكن القدرة الشرائية لهؤلاء المواطنين انخفضت بشكل كبير بعد 2015، حتى باتوا يساومون في الأسعار تمامًا مثل مواطني البلد.

جهود الحكومة الأردنية لتنشيط السياحة

بذلت وزارة السياحة جهودًا كبيرة في سبيل تنشيط السياحة في المملكة التي تفتقر إلى الموارد الطبيعية، ويعتمد على السياحة في نموه الاقتصادي. من أبرز الخطوات التي اتخذها هي الشراكات مع شركات الطيران المخفض، وإضافة رحلات جديدة تحط في الأردن من أوروبا وغيرها، الأمر الذي انعكس إيجابًا على أعداد السيّاح.

يوضح الإنفوجرافيك الجهود التي بذلها الأردن لتنشيط السياحة – المصدر: صفحة وزارة السياحة والآثار على «فيسبوك»

في خطوة أخرى أقرت الحكومة نظامًا معدلًا على التأشيرات لتسهيل دخول الأجانب إلى البلد. ولكن مزيدًا من الجهود ينبغي أن تُبذل هنا كما يرى العاملون في قطاع السياحة، للتعديل على نظام الجنسيات المقيدة، مثل الجنسية المصرية، التي من الممكن أن تستقطب الأقباط لزيارة المعالم الدينية المسيحية في البلد.

هؤلاء يحرصون على استقرار الأردن ودعمه..

ربما يختلف الأردن عن الدول المجاورة التي شهدت اضطرابات في أمور عدة جعلته يحافظ على استقراره، ولكن ما يميزه حقًّا هو علاقته القوية بالدول الغربية، وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا، التي ترى فيه محور اعتدال في المنطقة. بالإضافة إلى وجوده في جوار إسرائيل التي تحرص هذه الدول على أمنها، والتي تعي أن أي انفلات أمني في الأردن يعني الكثير من القلق لإسرائيل.

بالإضافة إلى الدعم العسكري، تدعم هذه الدول الأردن اقتصاديًّا؛ لعلمها أنه عامل أساسي في استقرار البلد، وهذا ما أظهره تقرير الباروميتر العربي لعام 2019 أنه بنسبة 71% يشكل الاقتصاد أكبر مشكلة تواجه الأردن اليوم.

وتشير آخر التقارير إلى أن بريطانيا دعمت الأردن في الفترة بين 2018- 2019 بـ58.6 مليون جنيه إسترليني، منها 28 مليون جنيه إسترليني مساعدة اقتصادية مباشرة.

وبالمثل تدعم أمريكا اقتصاد الأردن. ففي مذكرة الاتفاق التي وقعها البلدان في 2018 تعهدت أمريكا بدعم الأردن بـ 1.2 مليار دولار سنويًّا حتى عام 2022، قابلة للزيادة، كما صرّحت لجنة مجلس الشيوخ للمساعدات الخارجية.

علاجية ودينية وترفيهية.. الوجهات السياحية في الأردن متنوعة وثرية

من جانبه يرى سمير أن «البلد متميز بطبعه، ومصدر جذب للسياح لوجود البتراء، ووادي رم، والبحر الميت، وهي الأماكن التي يجدها السيّاح ممتعة وتستحق التجربة».

وتنقسم السياحة في الأردن من حيث طبيعتها إلى ثلاثة أقسام: السياحة الدينية، والسياحة العلاجية، والسياحة الترفيهية. الأماكن الدينية مثل مغطس السيد المسيح، وجبل نيبو، وتل مارالياس، والكثير من الأضرحة ومقامات الصحابة.

أما السياحة العلاجية؛ فقد كان الأردن قبلة للمواطنين العرب في السابق؛ نظرًا إلى تقدمه في القطاع الصحي على الكثير من دول الجوار، ومواكبته لأحدث العلاجات والجراحات الطبية العالمية. لكن الأمر تغير بعض الشيء في السنوات الأخيرة بسبب تطور القطاع الطبي في الدول العربية، وصعوبة الوصول إلى الأردن في أحيان أخرى؛ نتيجة للاضطرابات الحاصلة في المنطقة.

أما البحر الميت فيشهد زيارات كثيفة من السيّاح العرب والأجانب؛ بسبب مياهه المالحة وطينه الذي يستخدم في العديد من العلاجات وغايات التجميل. وهناك العديد من الأماكن التي تندرج تحت السياحة الترفيهية تأتي على رأسها البتراء، التي صُنفت من عجائب الدنيا السبع في 2007. كذلك يحب السيّاح والزوّار الاستمتاع برحلات السفاري والتخييم في وادي رم ذي الطبيعة الصحراوية.

المحميات الطبيعية في الأردن كانت هدفًا آخر من أهداف تنشيط السياحة، حيث تتميز أكبر محميات طبيعية في البلد (الأزرق، والموجب، وعجلون، والشومري) بأنواع نادرة من النباتات والحيوانات والطيور. وتُعد مقصدًا للسياح والزوّار من الداخل.

ومؤخرًا بدأ نوع آخر من السياحة يظهر في كثير من البلدان العربية، وهي سياحة الزفاف. إذ يقيم أثرياء العالم احتفالاتهم في الأماكن السياحية والأثرية في الدول العربية، ويشغلون فنادق تلك المناطق بالكامل.

والأردن على موعد مع حدث من هذا النوع في شهر يناير (كانون الثاني) القادم؛ إذ اختار رجل أعمال هندي أن يقيم حفل زفاف ابنه في البحر الميت، وحجز فندقًا بالكامل لضيوفه الـ700.

وأيضًا.. الاعتداءات المسلحة نادرة في الأردن

لم تصدر تصريحات رسمية بعد حول حقيقة الاعتداء الذي تعرض له السيّاح في جرش قبل أسبوعين تقريبًا، وما إذا كان تصرفًا فرديًّا أم له ما وراءه. ولكن يرجح المحللون أن يكون الحادث فرديًّا؛ فهو لا يشبه في طبيعته الاعتداءات الإرهابية. فمثل هذه الاعتداءات نادرة في الأردن، الذي لطالما كان من الدول التي تشغل مراكز متقدمة في قوائم البلدان الأكثر أمنًا. وباشرت وزارة السياحة بتنفيذ إجراءات للحيلولة دون وقوع حوادث مشابهة والتدخل السريع عند وقوع ما يلزم ذلك.

لست بحاجة لشركات السياحة بعد الآن.. أفضل 5 تطبيقات لترتيب رحلتك القادمة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد