لا أحد يشارك الفيديو، ولكن الجميع رأوه. بثت القنوات الإخبارية المحلية مرارًا، منذ ليلة الثلاثاء، الثلاثين ثانية التي تظهر معاذ الكساسبة، قبل حرقه حيًّا. يقف معاذ محاطًا بالمقاتلين ذوي الأقنعة وأزياء الكاموفلاج الصحراوية. تنتقل الكاميرا بين عدة مشاهد: المقاتلون مصطفون، معاذ ينظر أمامه متنفّسًا بثقل، يمسك مقاتل بحبل، معاذ مطأطئ الرأس، يشعل المقاتل الحبل، عينا معاذ تحتل الكادر.

ثمّ، يتوقّف الفيديو هنا، في محطّات التلفاز.

كان الرابع من فبراير يومًا دافئًا صافي السماء. لم يذق الكثير من الأردنيين طعم الراحة منذ الليلة السابقة. بعضهم ذهب للتظاهر في دوار الداخلية، مطالبين بإعدام السجينة العراقية ساجدة الرشاوي، التي حاولت تفجير نفسها. البعض الآخر ربما مكث في فراشه عاجزًا عن النوم، معذّبًا بخواطر الطيار المحترق بزيه البرتقالي. احتشد البعض في الديوان، محلّ التقاء عشائر الكرك، حيث نشأ معاذ مع عشيرته، الكساسبة. رفع أقرباء معاذ وأصدقاؤه لافتات تحمل وجهه، مردّدين «كلنا معاذ، كلّنا معاذ».

يقول الأردنيون تعليقًا على الحادثة: «داعش ليست هي الإسلام». يبعدون أنفسهم عن الدولة الإسلامية في تعليقاتهم بالشوارع وفي صفحات الجرائد، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. يبدّلون صورهم الشخصية بعلم الأردن مرسومًا داخل قلب، أو مرفرًا خلف الملك عبد الله، أو مجاورًا لأسد يزأر، كتوعد بالانتقام. أدان المسئولون الأردنيون الجريمة بعد دقائق من إذاعة الفيديو. قال ممدوح العميري، الناطق باسم القوات المسلّحة الأردنية:

«القوات المسلحة تؤكد أن دم الشهيد الطاهر لن يذهب هدرًا، وأن قصاصها من طواغيت الأرض الذين اغتالوا الشهيد معاذ الكساسبة – ومن يشد على أياديهم- سيكون انتقامًا بحجم مصيبة الأردنيين جميعًا».

من جانبه، أقسم الملك عبد الله ومساعدوه على شنّ حرب شعواء تهتز لها الأرض انتقامًا من الدولة الإسلامية بعد «عملها الإرهابي الجبان».

في غضون بضع ساعات، أعدمت الأردن ساجدة الرشاوي، وأيضًا زياد الكربولي – عراقي آخر أدين بممارسة أعمال إرهابية.

نرجع شهرًا إلى الوراء، عندما تمّ إسقاط طائرة معاذ فوق الرقّة بشمال سوريا، بداية العام. استجاب الأردنيون بمزيج من الغضب والتعاطف. طالب الأردنيون بإعادة ابنهم معاذ سالمًا، ولكن معظمهم عقّب بأنه لم يكن ينبغي عليه مهاجمة الرقّة في المقام الأول. احتجّ والد معاذ الكساسبة على إجبار ابنه – ومعه العديد من أبناء الأردن– على الدخول في قتال لا شأن لهم به. يصارع الأردنيون من أجل النّجاة في دولة تغرق في البطالة وأزمات الطاقة، بينما تعمّ الفوضى المنطقة ليدخل أراضي الأردن آلاف اللاجئين من عدّة بلاد مجاورة، لذا فالاستقرار يمثّل أهمية قصوى لهم. تقول الصحفية الأردنية عطاف الروضان، بعد يوم من إذاعة الفيديو:

«قبل يومين، كان الناس ما زالوا يصرّون على أن هذه ليست حربنا. لم تأت داعش إلينا، فلِمَ نذهب نحن بأرجلنا إليهم؟».

لم يظهر الأردنيون، حتى وقت قريب، إلا دعمًا متذبذبًا لحملة الولايات المتحدة على الدولة الإسلامية. صحيح أن الأردن لطالما وفّرت قاعدة عسكرية للعمليات الأمريكية في العراق، لكن مشاركة الأردن في التحالف ضد داعش لم تقتصر على استضافة الغرب، بل وتنسيق هجمات عسكرية مشتركة أيضًا. دوّت الأغاني الوطنية على التلفاز المحلي عندما نُفذّت الضربات الجويّة لأول مرة في أغسطس. لكن، في مقاهي عمّان، كان ردّ الفعل همساتٍ ساخطة. «كيف نقصف إخواننا العرب المسلمين؟».

عندما سألت أصدقاء سوريين بالأردن عن رأيهم في الأمر، شاركوني صورًا لأطفال جرحى في سوريا. يحمل وصف الصور شكرًا ساخرًا لباراك أوباما، مع تساؤلات عمّا حدث للخطوط الحمراء التي وضعتها أمريكا لحظر استخدام النظام الأسدي للأسلحة النووية. انتشرت كذلك بعض نظريات المؤامرة، سواء في الأحاديث الخاصة أو على مواقع التواصل، حيث يقول البعض إن الدولة تموّلها الاستخبارات الأمريكية، ويحلّل آخرون التدخل الإسرائيلي فيها، بينما يرى البعض هجمات التحالف كحملة صليبية غربية جديدة. في ذات الوقت، تعزز الأردن قوانينها المواجهة للإرهاب، لتعيد عقوبة الإعدام مرّة أخرى، وتوسّع من صلاحيات القضاء العسكري في احتجاز وإدانة داعمي الجهاديين المشتبه فيهم.

ولكن التهديد الداعشي أصبح شخصيًا بأسر الكساسبة، ليرسخ في وعي الأردنيين في الأسابيع الأخيرة في صورة تبادل رهائن مزيف تلعبه كل من الدولة، والأردن واليابان. انتهى الأمر بقتل الدولة الإسلامية لرهينتين يابانيتين، ورفض إعطاء دليلٍ للأردن يثبت أن الكساسبة ما زال على قيد الحياة، لتنجح عملية المقايضة بساجدة الرشاوي، المنتظرة عقوبة الإعدام منذ عام 2005 بعد فشلها في تفجير نفسها بأحد شوارع عمان. ثمّ نشرت الدولة الإسلامية الفيديو، الذي تواردت أنباء أنه ينتمي للثالث من يناير، أي يسبق التفاوض على إطلاق سراح ساجدة أصلاً. كان هناك أردنيون ينتظرون عودة ابنهم معاذ، بينما كان هو ميتًا منذ البداية.

بحلول العاشرة صباحًا، كان الصحفيون في محطة «راديو البلد» الأردنية يناقشون استضافة خبير نفسيّ على الهواء. تواردت المنشورات على عديد من الوسوم أو الهاشتاجات الأردنية، وكان #الرد_الأردني_قادم أحد أبرزها. وصف الأردنيون الدواعش بالكلاب، والخوارج والملاعين. شارك البعض مقاطع تظهر عظمة الجيش الأردني، ونادى البعض بحرق ساجدة الرشاوي.

خرجت جنازة معاذ. غطّت الملصقات التي تحمل صورة وجهه الشوارع وأعمدة الكهرباء، بينما لوّح سائقو السيارات بعلم الأردن من النوافذ. توالت الاتصالات على برامج الراديو تنعي الكساسبة وتدين الدولة الإسلامية. قال لي سائق التاكسي:

«لا يريد الأردنيون شيئًا الآن إلا طرد داعش. بعض الناس هنا يدعمونهم، ويستحسن أن يتركوا بلادنا. نحن مقاتلون وسنقضي عليهم بسهولة».

تسود الأردن الآن حالة من الغضب، والحزن، والوحدة. يدفع الناس الجيش الأردني للقتال للمرة الأولى منذ انضمام الأردن للتحالف.

لم تلق مقاطع ذبح الدولة للغربيين نفس رد الفعل في الأردن. أدانها المسئولون، لكن الناس لفتت النظر إلى انتهاكات الغرب المتكررة لحقوق الإنسان في فلسطين والعراق، مستخدمين نفس تبريرات المظلمة العالمية التي يستخدمها الجهاديون لتبرير أفعالهم، وتصويرها كأنها انتقام مستحق. أصرّ البعض على أن جيمس فولي، وضحايا الدولة الآخرين، ما زالوا أحياء. لكن هذه المرة لم يشكك أحد، لقد شاهدوا بأمّ أعينهم الكساسبة يحترق.

قال يحيى عبد الله، رجل أعمال أردني ستّيني، عقب أداء الصلاة على روح الكساسبة بجامع الملك عبد الله:

«المسألة ليست دينية. لو أننا شاهدنا الدولة الإسلامية تحرق إنسانًا من دولة أخرى – أو حتى حيوانًا صغيرًا– فإن هذا مما لا يمكن قبوله. نحن نتوحد ضد كل من يهاجم أبناءنا الأبرياء».

في قصر العدل، على مقربة من المسجد، تمّ إيقاف جميع المحاكم ساعة حدادًا على روح معاذ. قال علي أسامة، محامٍ في الأربعينات:

«معاذ بمثابة أخي، وابني. توقّعت أن يقتله الدواعش، لكن لم أتوقع أن تكون طريقة القتل بهذه البشاعة. هذه نقطة تحوّل للأردن، فمن قبل، كانت الدولة تجبرنا على الحرب. الآن نحن نشترك فيها برضانا التامّ».

أحد الأردنيين القلائل، الذين لم يدينوا داعش بالكامل، كان الواعظ السلفي “أبو سياف”، المشهور بتشجيع شباب الأردن على الانخارط في الجهاد ضد نظام الأسد في سوريا. انتقد أبو سياف قتل الكساسبة، ولكنّه برّر بأن سياسات حزب البعث في العراق هي التي أدت لمثل هذه النتيجة، وأنه كان هناك خلاف في قيادة الدولة الإسلامية حول طريقة القتل المثلى.

ردّ أسامة على هذه النقطة بقطعية:

«أبو سياف لا يمثّل إلا نفسه، ولا يمثل الإسلام في شيء. نستمدّ إسلامنا من النبي محمد فقط. الدولة الإسلامية لا تمثلنا، نحن أردنيون وفقط نحن نمثّل أنفسنا .»

hدعاء داعش، بأنها تنتمي إلى الدين الإسلامي، أو المذهب السنّي، احترق مع رماد الكساسبة، في عيون الأردنيين.

يتوقّع البعض، بالنظر إلى الدعم المتصاعد للحرب ضد داعش، أنّ الملك عبد الله سيرسل قواتٍ برية لمحاربتهم. يعقد العسكريون اجتماعات مغلقة الآن تناقش كيفية الردّ العسكري على مثل هذا الفعل. ولكن ليس كل الأردنيين يتمنّون رؤية مزيد من الموت، ولا حتى أرادوا موت ساجدة الرشاوي. يقول أبو فارس:

«أعتقد أنها خُدعت. خُدعت مثل كثيرين في هذه المنطقة. أشعر بالحزن من أجلها».

يوسف، بائع الخضار، قال:

«لقد كنّا ضد التحالف الأمريكي، وما زلنا، ولكن الطريقة التي قتلوه بها لم تحمل شيئًا من الإنسانية. ماذا ستفعل الأردن الآن؟ الله وحده أعلم. فقط نريد أن يتوقف القتل».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد