ربما يكون أحد أكثر الانقلابات غرابة وإثارة، ففي 14 أبريل (نيسان) 1957 هرب إلى سوريا عدد كبير من الضباط الأردنيين، على رأسهم علي أبو نوَّار، رئيس أركان حرب الجيش الأردني ومستشار الملك الحسين بن طلال للشؤون العسكرية وصديقه المقرّب، ومن قبله هرب الضابط نذير رشيد، الذي كان قائدًا للفصيل الذي طوَّق العاصمة الأردنية عمَّان. وفيما يُصر الملك حسين على خيانتهما، يُصر العسكريون على عدم وجود انقلاب أصلًا!

حركة الضباط الأحرار الأردنية.. اليدُ الأولى

حركة الضباط الأحرار هي تنظيم عسكري سريٌّ أردني أُنشِئ في الجيش الأردني قبل تعريبه وعُيّن الضابط شاهر أبو شحوت قائدًا له، وتكوّن هذا التنظيم من عدد من كبار رؤساء وأركان وملازمي الجيش الأردني العرب، ممن يحملون ميولًا قومية واشتراكية، وكان للتنظيم أهداف واضحة ومباشرة منذ تأسيسه تتمثل في تمكين الجيش الأردني من ردّ الأذى المحتمل من إسرائيل، وهي وفقًا للوزير الأردني السابق نذير بشير:

  1. إلغاء المعاهدة الأردنية البريطانية: وهي معاهدة تُلزم «إمارة شرق الأردن»، كما كانت تسمى قبل الاستقلال؛ بالحصول على موافقة بريطانيا لكل القوانين والتشريعات والميزانيات المقترحة، وتنصُّ على أن تحافظ بريطانيا على إدارتها للعلاقات الخارجية للإمارة، عدا عن احتفاظها بقوات مسلحة بريطانية فيها.
  2. تعريب الجيش الأردني: من خلال تحريره من الاتفاقية التي تُلزم الأردنيين جعلَ القيادات العليا في الجيش حصرًا على البريطانيين (كان على رأسهم السِير جلوب باشا الذي قاد الجيش الأردني بين العامين 1939 و1956).

وكانت القيادات العليا البريطانية تقدم تدريبًا ناقصًا يمنع وصول الضباط الأردنيين إلى رتب عسكرية عُليا، عدا عن توفير القيادة البريطانية سلاحًا قديمًا وذخيرة قليلة، ما أزعج الضباط الأردنيين الذين كانوا يرون التفوق التسليحي لدى الكيان الإسرائيلي.

الأردن

جلوب باشا، قائد الجيش الأردني لمدة 17 عامًا، متوشحًا بالشماغ الأردني

 

أجواء الانقلاب

في الأوّل من مارس (آذار) 1956، عُرّب الجيش بقرار من الملك حسين، وأُلغيت المعاهدات المشتركة في 13 مارس (آذار) 1957، بأمرٍ من حكومة سليمان النابلسي وبموافقة من مجلس نواب حكومته، وكان ذلك بتأييد الأحزاب المُعارضة القومية والبعثية والاشتراكية، وبتنفيذ ضباط التنظيم السري، الذي تعرف عليه الحسين وبارك أهدافه وجهوده مسبقًا في 1953.

تقلَّد سليمان النابلسي، وكان رئيسًا لوزراء الأردن ورئيس الحزب الوطني الاشتراكي، تقلّد منصبه هذا منذ 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1956، وحتى 10 أبريل (نيسان) 1957، أي لأقل من عام.

وكان النابلسي يسعى للتأسيس لنظام سياسي ديمقراطي في الأردن، حتى إنّ نذير رشيد سخر من ذلك بقوله: «اعتقد (النابلسي) أنه في سويسرا. يريد أن يفصل الديوان الملكي عن الحكومة ورئاسة الوزراء». كان أيضًا من المناهضين لحلف بغداد الذي اعتُبر أنه مُقابل لحلف القاهرة دمشق، أو ما سُمي حينها بـ«الجمهورية العربية المتحدة»، كما كان أول رئيس لأول حكومة برلمانية في الأردن.

وفي ذلك الوقت كانت سمعة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر نافذة، وانتشرت خطاباته عبر موجات الإذاعات، وبخاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر الذي أكسبه لمعانًا خاصًا في عيون اليساريين والقوميين الأردنيين، لكنها لم تكن كذلك في عين الملك الأردني، أو أيٍّ من ملوك المنطقة.

في نهاية الشهر الذي ألغيت فيه المعاهدة الأردنية البريطانية، مارس (آذار) 1957، بثّت الإذاعة الرسمية رسالة من الملك الحسين لرئيس الحكومة النابلسي، يشكك فيها في نوايا الاشتراكيين، ويستغرب فيها من إفساح النابلسي المجال لهم وللقوميين وللأحزاب السياسية في الأردن. وجاء بعده بيان آخر فاقم الأوضاع، ينتقد فيه الملك الحكومة انتقادًا شديدًا ويطالبها أن تضرب بيد من حديد على الشيوعيين وحلفائهم. كان الملك يظنُّ أن الحكومة الاشتراكية متعاونة مع الشيوعيين الأردنيين، والذين بدورهم كانوا على اتصال مع عبد الناصر الذي يسعى لمد نفوذه وقوته إلى داخل الأردن، على الأقل؛ هكذا كان تصوُّرُ الملك الشاب الحسين (22 عامًا حينها)، للأوضاع في الأردن. وزاده تأكيدًا لشكوكه، القوة النيابية للحكومة التي رافقها دعم إعلامي ضخم حازته الحكومة من وسائل الإعلام السورية والمصرية، فشعرت أنها القطب الأقوى في المعادلة السياسية في الأردن، وتصرَّفت بناء على ذلك.

الأردن

سليمان النابلسي رئيس وزراء الأردن

 

كيف بدأت الأمور؟

كانت حكومة النابلسي أولى الحكومات البرلمانية، وبطموحاته الإصلاحية كان يسعى لتقليل المسؤوليات في يد الديوان الملكي، لتصبح في يد حكومته. كل ما ذكرناه في الأعلى، هيّأ جوًا سياسيًا متوترًا على مدى خمسة أشهر منذ تشكيل النابلسي لحكومته، وازدادت حدة الأمور حين أرسل الملك الحسين رئيس ديوانه بهجت التلهوني، لمخاطبة عبد الناصر في مصر فاعترض النابلسي على ذلك بحجة أن هذا الأمر من شأن الحكومة لا الديوان.

مع تجاهل الحكومة لخطابات الملك السابقة ومع اكتشاف الملك لتحويلات مالية تدخل إلى الأردن من سوريا على يد بعض أعضاء تنظيم الضباط الأحرار القوميين والبعثيين، على رأسهم عبد الله الريماوي، الذي كان رئيسًا لحزب البعث العربي الاشتراكي الأردني، وقد وصفه الملك بالخيانة هو ومن معه في كتابه «مهنتي كملك» رغم أنه كان وزيرًا للخارجية آنذاك. فوق ذلك حشد النابلسي الشعب بمعاونة الشيوعيين والبعثيين للخروج في تظاهرات كبيرة.

أربكت هذه الأحداث الملك ووتَّرت الأجواء ثم كانت القشة التي قصمت ظهر البعير ودفعت الملك للتحرك فورًا، ففي الثامن من أبريل (نيسان) 1957، أقيمت مناورات عسكرية في الضفتين الغربية (فلسطين) والشرقية (الأردن). تكوّنت المناورات من أربع سرايا غير مقاتلة، مهماتها استطلاعية واستكشافية، تنقسمان على الضفتين وتتبادلان الأماكن في منتصف المناورة التي مدتها 24 ساعة.

طُوِّقت العاصمة عمَّان بسرية منهنّ، تتكون من المصفحات العسكرية، حيث تتبع هذه السرية كتيبة المدرعات الأولى التي يقودها إذ ذاك نذير رشيد، واستمرت عملية التطويق بالتبادل بين السرايا في مُناورة سُميّت بمناورة «هاشم»، على اسم أخ قائد الكتيبة نذير رشيد، (يسمح العرف العسكري لقائد الكتيبة أن يُسمّي المناورات بأيّ اسم يشاء). يُصرُّ رشيد على أن المناورة روتينية ومهنية بحتة، ولم تكن لها أيّة أهداف سياسية، وأنه قد وُوفقَ عليها قبل شهر من تنفيذها، مؤكدًا عدم مسؤوليته عن الظروف المحيطة بالمناورة، ومُحملًا المسؤولية لمن وافقوا عليها ومُشيرًا إلى وقتها القصير الذي لم يتجاوز يومًا واحدًا.

عدَّ الحسين هذا التطويق إشارة واضحة لشيء ما يحدث في الخفاء، واصفًا إياها بـ«المؤامرة التي أعدت ببراعة» لاغتياله وإعلان الجمهورية، وظل هذا رأيه حتى وفاته، واتفقت معه المحكمة العسكرية التي قضت بأن هذه المناورة «تغطية فاشلة للمؤامرة».

أَبْلَغَ الضابط شَكْوَت السبول الضابطَ نذير أن تمردًا حصل من لواء الأمير علي، فيما لم يُقدم نذير أي مساعدة إلا بعد فترة من الزمن لـ«إخماد الفتنة» حسبما يقول، في عبارة مُبهمة رفض أن يشرحها رغم مساءلته عنها في برنامج «شاهد على العصر».

وأصرّ الملك على وجود علاقة متينة بين أبي نوَّار، قائد الأركان من بعد غلوب باشا، وبين نذير رشيد قائد الكتيبة المُطوِّقَة، وأن الأخير تحرك بناءً على طلب أبي نوّار الذي أمره بمحاصرة القصر والرد على رصاص حرس القصر بالقذائف، وهو ما نفاه وينفيه رشيد بالجملة. ثم في 10 أبريل (نيسان) من ذلك العام، قالت المخابرات إنها التقطت رسالة موجهة للنابلسي من عبد الناصر، تقول: «لا تذعنوا. ابقوا في أماكنكم. ناصر»، وفي نفس اليوم أرسل الملك رئيس ديوانه بورقة للنابلسي يطالبه فيها بتقديم استقالته، وهو ما حدث بالفعل.

«كان علي أبو نوار يعدُّ انقلابًا عسكريًا، وطلبتُ منه أن يسحب القوات فَقَبِل وانصرف»، هكذا قال الملك في كتابه، ولعلّ هذا التوقع قد جاءَ بسبب الإنذار الذي قدّمه أبو نوار للملك بعد إقالته لحكومة النابلسي، مُطالبًا إياه إما بإعادة النابلسي أو بتعيين أحد اثنين: سعيد المفتي زعيم الشراكسة وأحد كبار رجال الدولة أو عبد الحميد النمر. كان هذا الطلب من الملك قبل أن تصل قوات رشيد إلى القصر، (بناء على كلام الملك)، وكان هذا الطلب هو العامل الحاسم بعد إقالة الحكومة في إفشال الانقلاب.

الأردن

الملك الحسين في المقدمة وخلفه مباشرة قائد أركانه علي أبو نوَّار (على يسار الناظر)

 

في 14 أبريل (نيسان) 1957، أذاع راديو عمَّان نبأ المطالبة بنذير رشيد حيًا أو ميتًا، وفي اليوم التالي هرب رشيد من الجيش نافيًا أن يكون قد تورط في أي شيء، وأن هربه جاء دون ترتيب، «الأمور تلخبطت، وأنا لم أفعل شيئًا وهربت، ولا أعلم لماذا هربت، لا أعلم سبب خروجي»، هكذا قال نصًّا.

اقرأ أيضًا: أشهر الانقلابات الفاشلة في العالم العربي.

هرب بعده أكثر من 600 ضابط وملازم بينهم عدد من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار، فبقيَ بعضهم في سوريا وذهب آخرون كأبي نوَّار لاجئين سياسيين في مصر، ومعظمهم كان يُنفَقُ عليهم من الجمهورية العربية المُتحدة. وبقي في الأردن عدد من الضباط بعضهم من حركة الضباط الأحرار على رأسهم تركي الهنداوي ومحمود المعايطة وضافي الجمعاني، وقد صدرَ عليهم حكمٌ بالسجن لسبع سنوات، كما هرب من بينهم قاسم الناصر الذي كان قد حكم عليه بالسجن سبع سنوات ثم شدد الحكم بالإعدام لخروجه من البلاد، ثم ألقي القبض عليه لاحقًا. وفي 1965 أُفرج عنهم جميعًا بعفو ملكي، وعاد مَن في الخارج إلى وطنه.

حكومة حل الأحزاب

بعد هروب الضباط عيّن الملك الحسين عددًا من رؤساء الوزراء فشلوا جميعًا في إعداد تشكيلات حكومية جديدة لصعوبة مطالب الأحزاب وكثرتها. في تلك اللحظة حوَّل الحسين الدفّة وقلب اللعبة لصالحه، فأمر في 24 أبريل (نيسان) 1957 بتشكيل حكومة جديدة تقوم في أساسها على عدد من أصلب رجالات النظام ورجال الحرس الملكي، فكانت برئاسة إبراهيم هاشم الذي ترَّأس أربع حكوماتٍ من قبل وقد عُرف هاشم عند بعض المعارضين الأردنيين بـ«عدو الأردنيين والإصلاح»، وجاء تحته سمير الرفاعي (نائب رئيس حكومة ووزير خارجية سابق) وفلاح المدادحة (وزير داخلية) وعاكف الفايز، وغيرهم.

وصفت بالحكومة الحديدية لجملة القرارات التي جاءت بها فور استلامها زمام الأمر، فكان القرار الأول إعلان الأحكام العرفية، ومن ثم حل كافة الأحزاب السياسية باستثناء جماعة الإخوان المسلمين التي كانت في صف النظام خوفًا من إقصاء المعارضة لها.

ماذا بعد ذلك؟

المثير للاهتمام هو أن هؤلاء الذين وُصفوا بـ«الخونة» و«العملاء» و«المدعومين من الخارج»، بل وصفهم الملك حسين بذلك، عادوا بعد جذبه واستقطابه لهم من خلال عفوه العام عنهم في 1965، ومن خلال حكومة وصفي التل التي عملت على ذلك، ولكنَّ عودتهم لم تكن عادية فقد عاد بعضهم على ما كان أو أكثر، فنذير رشيد عادَ رئيسًا لدائرة إسرائيل في المخابرات الأردنية، ثم صارَ رئيسًا للمخابرات العامة، واستلم في وقت لاحق حقيبة وزارة الخارجية. أما علي أبو نوار فقد عادَ عضوًا في مجلس الأعيان وممثلًا شخصيًا للملك، وعبد الله الريماوي أصبح عضوًا في المجلس الاستشاري الأردني الأول، فيما أُعيد مازن العجلوني كبيرًا لمرافقي الملك الحسين برتبة عقيد، وقاسم الناصر عادَ مديرًا للدفاع وأمينًا للعاصمة.

كانَ بعضهم رجالًا للنظام، اتُهموا وهربوا، ثمَّ عادوا رجالًا له من جديد. ولعلَّ هذا ما حدا برشيد أن يقول في 1989، عندما عُيّن عضوًا في مجلس الأعيان كثير الامتيازات: «ميزة الملك الحسين أنه لا ينسى رجاله، وكل واحد له دور آنيّ وله دور مستقبلًا».

اقرأ في ساسة: أبرز الانقلابات التي شهدتها منطقة الخليج العربي.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!