ربما شاهدت صحافيًا يقتل على الهواء مباشرة، أو سمعت عن سجناء الرأي الذين يملأون السجون العربية؛ وربما أنت الآن تستعيدُ في ذاكرتك عدد الإعلاميين الذين ودّعوا شاشاتهم؛ وغابوا عن ناظريك؛ وربما نسى بعضهم الجمهور؛ لأنهم عارضوا الأنظمة، أو اتخذوا مواقف جريئة من الربيع العربي وثوراته في السنوات الأخيرة.

في هذا التقرير نستعرض لك أبرز الإعلاميين العرب الذين فقدوا وظائفهم، ودفعوا ثمن مواقفهم من الربيع العربي.

مصر: يسري فودة وآخرون.. العقاب بالإقصاء عن الشاشة

13 شخصية إعلامية كانت الجماهير تنتظرهم على الشاشة، والآن أصبحنا ننساهم تدريجيًا مع الوقت، هؤلاء أصبحوا خطرًا على النظام الذي يرى أن المعارضة ليست من الوطنية، على حد تعبير الرئيس السيسي؛ واختلفت النهايات التي رحل بها هؤلاء عن «المنصة»، لكن الهدف دائمًا كان واحدًا.

الإعلامي يسري فودة هو أول من أيد احتجاجات الثوار المصريين في جمعة الغضب، ووصفها بأنها «أيام مجيدة في تاريخ مصر والعرب»؛ وعلى مدار الأنظمة التي تلاحقت بعد الثورة، تم إيقاف برنامجه «آخر كلام»، المُذاع على قناة «أون تي في» ثلاث مرات، كان آخرها بعد فوز الرئيس السيسي مباشرة في الانتخابات بثلاثة أشهر فقط.

واعتبر «فودة» أن السيسي هو المسؤول الأول في مصر عن إيقاف برنامجه، مُعتبرًا أن النظام في مصر يعمل على إغلاق المجال العام والتضييق على الحريات؛ وهو الآن خارج الوطن، ويبث برنامجه «السُلطة الخامسة» من ألمانيا.

 

كما أجبرت السلطات الأمنية الإعلامية اللبنانية ليليان داوود على الرحيل خارج البلاد، بعد ساعات من إنهاء قناة «أون تي في» التعاقد معها، حيث اقتحم الأمن منزلها بعدها مباشرًة، وتم إجبارها على مغادرة البلاد؛ بحجة انتهاء إقامتها في مصر، وفسر بعض الإعلاميين أن وقف ليليان جاء نتيجة آراءها الخاصة تأييد ثورات الربيع العربي وانتقادها للنظام الحالي في مصر.

اقرأ أيضًا: السلطات المصرية تُرحل الإعلامية ليليان داوود «لحاجة في نفس يعقوب»!

غضب السلطة الجديدة أطاح أيضًا بخمسة كبار؛ وذلك بعيدًا عن الموقف من الربيع العربي، حيث تم إيقاف برنامج الإعلامي عمرو الليثي «واحد من الناس»، المذاع على قناة الحياة، بعد بث فيديو «سائق التوك توك»، الذي تحدث عن معاناة المواطنين بعد ارتفاع الأسعار، وهو ما بررته القناة بأنها الإجازة السنوية له؛ ومنعت أيضًا الإعلامية رانيا بدوي من الظهور على الشاشة بعد ظهورها في أولى حلقة مع الإعلامي عمرو أديب، حيث انتقدت وزيرة الاستثمار داليا خورشيد، كما تم إنهاء تعاقدها مع قناة «أون تي في».

وتم إنهاء تعاقد الإعلامية دينا عبد الرحمن مع قناة «سي بي سي»؛ بسبب معارضتها للنظام الحالي، ودعمها لثورة 25 يناير، لذلك السبب أيضًا قالت الإعلامية ريم ماجد أنها محرومة من العمل في أي قناة مصرية، مبررة أن توجهاتها وقناعاتها تتناقض مع هذه المرحلة.

وبعيدًا أيضًا عن الموقف من الربيع العربي، أوقفت قناة «أون تي في» برنامج مانشيت، الذي يقدمه الإعلامي جابر القرموطي، على خلفية انتقاده للمسؤولين في النظام الحالي، حيث طالبته القناة بتغيير فكرة البرنامج والبعد عن السياسة، إلا أنه رفض.

ليبيا: استقالة أحمد القماطي مذيع الثورة

في عام 2013، حيث الوضع في ليبيا كان قد تعقد بصورة واضحة، فاجأ المذيع أحمد القماطي، مقدم برنامج «أنت ليبي أنا ليبي»، على قناة «ليبيا الحرة» جمهوره باستقالة عاجلة على الهواء، حيث ألمح قائلًا «أرفض أن أعيش ضمن بوتقة فُرضت عليّ»، ثم أوضح أن قراره جاء بسبب محاولة القناة توجيه الأسئلة وفرض ضغوطات عليه، مشيرًا إلى أن بعض الأصوات حاولت مواجهته.

جدير بالذكر أن قناة «ليبيا الحرة»، كانت القناة الوحيدة التي تبث من مدينة بنغازي بعد أن قام معمر القذافي بقطع خطوط الإنترنت في بداية الثورة الليبية في عام 2011، وكانت القناة الوحيدة التي نقلت عنها وسائل الإعلام العالمية أحداث الثورة.

قطر: استقالة المذيع الأشهر بسبب «الثورة البحرينية»

خبرٌ صادم تلقته الصحف العربية بشأن استقالة الإعلامي غسان بن جدو من قناة «الجزيرة» القطرية في عام 2011، في خضم اشتعال ثورات الربيع العربي؛ حيث جاء قرار «غسان»، بسبب الأجندة الإعلامية التي اتخذتها القناة؛ لقمع مطالب المتظاهرين البحرينيين، مستنكرًا تسليط الضوء بكثافة على مصر وليبيا واليمن وسوريا، دون أن تتم الإشارة من قريب أو بعيد إلى ما يحصل في البحرين، على الرغم مما وصفه بالدماء التي تسيل.

واعتبر الإعلامي الشهير استقالته «مبدأ أخلاقيًا»، وليس سياسيًا، متهمًا «الجزيرة» بأنها أنهت حلمًا كاملًا من المهنية والموضوعية، وخرجت عن كونها وسيلة إعلام، وتحولت إلى غرفة عمليات للتحريض والتعبئة، على حد وصفه.

سوريا: موسى العمر يستقيل مرتين لأسباب مجهولة

يعتبر الإعلامي موسى العمر، أحد أشهر الإعلاميين السوريين الذين قاموا بتغطية الثورة السورية طيلة عهدها، وحاربه نظام بشار الأسد، وقام الجيش بهدم منزله، واعتقال أمه وأخته؛ كونه أحد الأسباب الرئيسة في انشقاقات رجال الدولة، وهو أحد الرموز التي لم يختلف عليها قطاع واسع من مؤيدي الثورة السورية حتى الآن؛ وقد حاول النظام القضاء على شعبيته، حيث تم تسريب ورقة وصفها البعض بالمزورة تتهمه بالتعامل مع المخابرات، إلا أن الخطة باءت بالفشل، واستمر العمر في الدفاع عن الثورة السورية، كما هاجم الإعلام الرسمي المصري الذي سخر من مجزرة حلب ووصفه بـ«المأجور».

 

وأعلن «العمر» في عام 2012، استقالته من قناة «الحوار» اللندنية، دون إبداء أسباب، إلا أنه ألمح لتلقيه عروض أفضل من قنوات أخرى، تجعله يقوم بممارسة دوره بطريقة أفضل، نافيًا الشائعات التي تناولت اعتراضه على السياسة التحريرية للقناة من النظام السوري؛ تكرر الأمر مرة أخرى في عام 2016، حيث استقال الإعلامي السوري من قناة «الغد العربي» الإماراتية، دون إبداء أسباب، ونافيًا أية ضغوط، حيث قال إنه ذاهب إلى «تحد أكبر»، لكن ظروف استقالته وكلماته المقتضبة، ربما تحكي في خلفياتها القصة نفسها التي تتكرر دائمًا.

السعودية: منع الـ«خاشقجي» من الكتابة بعد انتقاده لموقف ترامب من سوريا

«الصحفي السعودي جمال خاشقجي مُنع من الكتابة في الصحف، والظهور على التلفاز، وحضور المؤتمرات؛ بسبب هجومه على الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب»، هكذا علقت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية على اختفائه، مشيرة إلى أن «خاشقجي» لم ينقطع عن كتابة عموده الصحفي في جريدة «الحياة» لأكثر من خمسة أعوام.

وفي وقت لاحق تبرأت الخارجية السعودية من الصحافي على لسان أحد مسؤوليها،  في تصريحات صحفية لـ«وكالة الأنباء السعودية»، جاء فيه «إن خاشقجي لا يمثل المملكة، بعدما انتقد سياسات ترامب تجاه الشرق الأوسط في مؤتمر في واشنطن في العاشر من نوفمبر (تشرين الثاني)، مشيرًا إلى أن ما يعبر عنه الكاتب من آراء تعد شخصية ولا تمثل مواقف حكومة المملكة العربية السعودية بأي شكل من الأشكال».

وكان الكاتب السعودي قد وصف سياسات الرئيس الأمريكي ترامب تجاه الشرق الأوسط، في مؤتمر عقده «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، بأنها متناقضة، معتبرًا أنه -يقصد ترامب- بالرغم هجومه المتكرر على إيران، فإنه ما زال يدعم الرئيس السوري بشار الأسد في الأزمة السورية.

 

لبنان: كارول معروف لا تخشى «حزب الله»

ننتقل هنا إلى لبنان الذي اشتهر مؤخرًا بانتهاكات سجن «رومية»، وتعدد الأنظمة الطائفية، وأخيرًا ذاع صيته بسبب حروبه الإعلامية التي قادها عدد من الإعلاميين ضد سياسات «حزب الله» الذي نجح في توزيع تهم العمالة على أعدائه من المعارضين، واستطاع تقديمهم إلى المحاكم العسكرية.

اقرأ أيضًا: لبنان ليست نانسي وهيفاء فقط.. ماذا تعرف عن القمع والتعذيب هناك؟

 

الذكرى الأليمة التي تركتها لإعلامية اللبنانية كارول معلوف، ولم يستطع حزب الله أن يمحيها من ذاكرته، حين أجرت مقابلة تلفزيونية، مع أسيرين من الحزب وقعا أسرى في يد تنظيم «جبهة النصرة» في حلب، أنتجت حربًا انتقامية بدأت برسالة على هاتفها جاء فيها «إذا ما بتخافي على حالك خافي على أهلك»، مرورًا بمهجامتها من قبل إعلامي مناصر لحزب الله يدعى «علي حجازي»، اتهمها بأنها «كاذبة وإرهابية وداعشية، وعلى علاقة بإرهابي سوري» على حد وصفه، وبقوى المعارضة في سوريا، إضافة إلى الشائعات التي تتهمها بالزواج سرًا من أحد قادة «جبهة النصرة».

 

وتواصلت معركة معلوف مع الإعلام التابع لحزب الله، أحد الداعمين الكبار لنظام بشار الأسد، حيث لا يكفوا عن اتهامها بـ«دعم الإرهاب»، وقد صرحت الإعلامية خلال مقابلة صحافية قائلة «نعم تعرضت لضغوطات من قبل الحزب وضغوطات من وليد عبود الذي منعني من الكلام عن الموضوع على الهواء، وقد وصلتني رسالة على هاتفي جاء فيها (إذا ما بتخافي على حالك خافي على أهلك»، وتابعت «هذه هي سياسة حزب الله في كمّ الأفواه، ولم يبقَ صوت إعلامي حرّ في لبنان حتى (الإم تي في)، التي كانت صوت الحرية؛ خضعت!»

 

وبالرغم من أن معلوف لم تنضم حتى الآن إلى قائمة الإعلاميين المفصولين من عملهم بسبب آرائهم السياسية، إلا أن حربها مع حزب الله لم تقتصر على التهديدات وحرب الشائعات فقط؛ فقد حرك أنصار الحزب دعوى قضائية إلى النيابة العامة اللبنانية ضدها؛ يتهمها بدعم الإرهاب، وانتهاك القوانين الإقليمية والوطنية؛ كونها دخلت إلى الأراضي السورية بشكل غير شرعي من وجهة نظرهم، وتضم قائمة الاتهامات أيضًا الإساءة إلى المكون الطائفي الشيعي، وعرض مادة صحافية تسخر من حزب الله.

تركيا: استقالة نشأت الديهي اعتراضًا على إهانة مصر

لم يكن الموقف هنا متعلق بثورة بعينها، وإنما متعلق بتطورات الربيع العربي، حيث قدم الإعلامي المصري نشأت الديهي استقالته على الهواء مباشرة، من قناة «تي آر تي» التركية باللغة العربية؛ جراء التصريحات التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتي هاجم فيها النظام المصري، عقب أحداث 30 يونيو (حزيران)؛ وأوضح نشأت أن استقالته جاءت بسبب التطاول على الشأن المصري، دون أن تكون لها علاقة بالظرف السياسي؛ قائلًا: «قد يخطئ الزعماء لكن الشعوب لا تخطأ أبدًا، والشعب المصري يحب الشعب التركي، والعلاقات سوف تعود حتمًا مرة أخرى».

ورفض نشأت التطاول على الشعب المصري رافضًا التطاول على شيخ الأزهر، ومحاولة حشد الاتحاد الأوروبي ضد الموقف المصري، مشيرًا إلى أن الرئيس التركي أخطأ، وكان ينبغي له أن يعتذر، لكنه لم يفعل، مضيفًا « ها أنا أعتذر للمصريين، وعار على من لم يعتذر».

برنامج ساخر يغضب حكومة الثورة التونسية

بعيدًا عن الإقصاء بسبب الموقف من الثورة في حد ذاتها، فبالرغم من أن الإعلام التونسي شهد حرية كبيرة عقب «ثورة الياسمين» التي أشعلت الربيع العربي، إلا أن حكومة الثورة في عام 2012، انزعجت من البرنامج الساخر «اللوجيك السياسي»، الذي بثته القناة «التونسية»، ويرتكز البرنامج على دمى متحركة تلعب أدوار سياسيين، منتقدة أداء الحكومة في البلاد، بطريقة مضحكة.

وأصدرت محكمة الاستئناف التونسية، أمرًا بالقبض على مدير قناة، سامي الفهري، وإيداعه السجن؛ بسبب بلاغ رسمي قدمته الحكومة، وفسر محامي القناة غضب السلطات موضحًا أن الحكومة لم يتسع صدرها للنقد الساخر، وأنها رأت في بعض الحلقات تطاولًا على رموزالدولة، ولذلك قررت إيقافه.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد