يتنقّل خوسيه موخيكا، الرئيس السابق للأوروجواي بسيارة فولكسفاجن زرقاء اللون موديل عام 1987 لافتًا أنظار العالم بمظهره العادي ونمط حياته المتقشف ونفوره -حتى خلال فترة رئاسته- من البروتوكول، وبملابسه التي لم تكتمل بربطة عنق.

الرجل الذي لم ينتقل إلى القصر الرئاسي أبدًا وفضّل أن يعيش مع زوجته في بيته الريفي المتواضع مع كلبته «مانويلا» التي تسير بثلاث أرجل بعد تعرضها لحادث فقدت فيه أحد أرجلها؛ يثير الإعجاب أيضا بماضيه في النضال والذي كلّفه ستة رصاصات استقرت في جسده، و15 عامًا قضاها في السجن، قبل أن يتدرج في المناصب ليصل إلى كرسي الرئاسة عام 2005.

السطور التالية تحكي قصة خوسيه موخيكا، الرجل لفت أنظار كثيرين بمواقفه وباعتباره «أفقر رئيس في العالم».

مترجم: أحدهم تسبب في مقتل 58 ألف جندي.. أسوأ 5 رؤساء أمريكيين في السياسة الخارجية

«ليلة الـ 12 عاما».. اعتقال ونضال ضد الديكتاتورية

على أطراف قارة أمريكا الجنوبية، في بلاده الصغيرة التي لا يتجاوز سكانها 3 مليون نسمة وُلد خوسيه موخيكا في 20 مايو (أيار) عام 1935 في العاصمة مونتيفيديو، لعائلة متواضعة تعود جذورها للباسكيين (من شمال إسبانيا)، مثل أغلب سكان الأوروجواي الذين تعود أصولهم لمهاجرين أوروبيون، ومنذ طفولته كان خوسيه موخيكا يعمل في بيع محاصيل مزرعة أسرته من الكروم والورود.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وحين ازدادت الاعتراضات في الأوروجواي على التضخم وسوء توزيع الثروة وارتفاع نسب الفقر في بلد لا يملك ثروات معدنية مثل أغلب دول أمريكا اللاتينية، ويعتمد اقتصاده على الزراعة، خرج عمال المزارع وغيرهم في مظاهرات واسعة فواجهتها السلطة بالعنف، وشارك خوسيه موخيكا في النضال في صفوف «الحزب الوطني» حتى أصبح أمينًا عامًا للشباب.

مع تزايد العنف وتعرّض كثرين من زملائه للقتل والإخفاء شارك خوسيه موخيكا في منتصف الستينيات بتأسيس «حركة توباماروس» التي اعتمدت العمل السري المسلح وشاركت في عمليات حرب العصابات، إلى جانب العمل السياسي لتتمكن من مواجهة العنف الذي لجأت إليه السلطة في مواجهة المعارضين لها.

تلقّى خوسيه موخيكا ستة رصاصات في جسده خلال مشاركته في المقاومة، وسُجن أربع مرات تعرّض خلالها للتعذيب الوحشي وقضى ما مجموعه 15 عامًا في السجن. كان آخرها حين فشلت «حركة توباماروس» وسيطر الجيش على السلطة عام 1972 فأُودع السجن لسنوات طويلة مع قيادات الحركة.

وقد جذبت تلك الفترة من حياة خوسيه موخيكا الثرية المخرج ألفارو بريشنر ليسجل نضال خوسيه موخيكا -وشخصيات أخرى- بين عامي 1973 و1985 ضد الديكتاتورية العسكرية في بلادهم، في فيلم «ليلة الـ 12 عامًا» الذي تناول سنوات تعد من أحلك الفترات في الأوروجواي، إذ نفذ الجيش بعد استيلائه على السلطة جرائم بحق المقاومين له من «حركة توباماروس» وسجن كثيرين منهم لأكثر من عِقد تعرضوا خلاله لتعذيب شديد كاد يُفقدهم عقولهم.

Antonio de La Torre, el actor que interpreta a José Mujica en "La noche de 12 años".

الممثل الإسباني أنطونيو دي لا توري في فيلم « ليلة الـ 12 عامًا» في دور خوسيه موخيكا – مصدر الصورة: clarin

كان أمر الجيش في الأوروجواي «ما أننا لم نتمكن من قتلهم فسوف نقودهم إلى الجنون». لذا قاموا بعزلهم في زنزانات ضيقة وتركوهم للجوع والوحدة ولم يسمحوا لهم بالذهاب إلى الحمام إلا مرة واحدة في اليوم، وخاض خوسيه موخيكا ورفاقه معركة البقاء في السجن، حيث استخدمهم النظام بعد ذلك كرهائن هددوا بإعدامهم إذا ما عادت الحركة للكفاح المسلح.

في عام 1985 ومع عودة الديمقراطية إلى الأوروجواي رأت عيناه النور مع السجناء السياسيين الذين شملهم العفو. وبعد سنوات قليلة أنشأ خوسيه موخيكا حركة المشاركة الشعبية مع عدد من ممثلي حركة التحرير القومية (MLN) والقطاعات اليسارية ليبدأ صعود نجمه في مجال السياسة، إذ شغل منصب نائب عضو مجلس الشيوخ ثم عُين وزيرًا للثروة الحيوانية والزراعة ومصايد الأسماك. وأخيرًا انتُخب رئيسًا في نهاية عام 2009.

خوسيه موخيكا في الرئاسة.. مواقف مثيرة للإعجاب والجدل أيضًا

شغل خوسيه موخيكا منصب الرئاسة بين عامي 2005 و 2010 وتميزت فترة رئاسته بمواقفه المثيرة للإعجاب، وللجدل أيضًا، كانت إحدى أهم مبادرات خوسيه موخيكا الإقليمية هي توحيد الجهود لتحسين تكامل الطاقة في أمريكا الجنوبية وتأكيده على ضرورة أن يكون لأمريكا الجنوبية نظام مترابط للطاقة الكهربائية، وكان يؤكد أن اللغة المشتركة، والتراث الديني المشترك؛ قاعدة مهمة في مجتمع أمريكا اللاتينية رغم الاختلافات، وكان ينتقد الأوضاع مؤكدًا «إننا لا نزال أكثر قارات العالم ظلمًا، فهناك عدم مساواة كبير».

«سأكون في خدمة قضية وحدة أمريكا اللاتينية أينما كنت ولن أصمت. سأستمر في النضال لأننا سنكون معًا أو سنهزم ومن الحماقة ألا نفهم ذلك».

كان خوسيه موخيكا يصف الهجوم على قطاع غزة بالإبادة الجماعية ويؤكد حق كل دولة في الدفاع عن نفسها لكن دون استخدام غير متكافئ للقوة. وفي عام 2014 أعلن أن بلاده ستستقبل 100 طفل من اللاجئين السوريين يرافق كل طفل أحد ذويه البالغين، وخصص خوسيه موخيكا أحد قصور الرئاسة لاستقبالهم في محاولة للفت أنظار العالم إلى قضيتهم.

رفض خوسيه موخيكا الامتيازات التي مُنحت له وكان يتبرع بنسبة 90% من راتبه الذي بلغ 12 ألف دولار أميركي لجمعيات خيرية تدعم محدودي الدخل، ووفقًا لمؤشرات «منظمة الشفافية العالمية»، فقد انخفض معدل الفساد بشكل ملموس في الأوروجواي خلال ولاية خوسيه موخيكا التي انتهت عام 2010 ليخلفه تاباريه فاسكيز في ولاية ثانية له.

تنظيم سوق الماريجوانا وجائزة نوبل للسلام

في عام 2014 حين رشحه حوالي 115 أستاذا جامعيا من جامعة «بريمن» الألمانية لجائزة نوبل للسلام، وكان ضمن الأسباب التي شاع أنها وراء الترشيح، القانون الذي صدر قبلها بعام لتنظيم سوق الماريجوانا في البلاد ليكون بديلا عن «الحرب» على المخدرات، فاجأ خوسيه موخيكا الصحفيين -كعادته- حين سمع بأمر ترشحه معلقًا «إنهم مجانين»، لكنه عاد ليؤكد أن نيل الجائزة سيكون شرفًا لبلاده وأن مبلغ 1.24 مليون دولار أمريكي سيُخصص لبناء مساكن للفقراء.

لكن المفاجأة الأكبر كانت تصريحه بأن الأوروجواي سوف تستقبل عددا من معتقلي جوانتانامو  الذين تتهمهم أمريكا بالإرهاب، قائلا إنه يحاول مساعدة نظيره الأمريكي باراك أوباما (الفائز بجائزة نوبل للسلام عام 2009) لحل مشكلة هؤلاء المعتقلين الذين تم حبسهم لأكثر من عِقد دون محاكمة، وقال «تعرضت للسجن عدة سنوات، وسئمت من هذا، هل هذه هي حقوق الإنسان!»

الأمر الذي دفع رئيس الأوروجواي السابق خورخي باتل (2000-2005) من «حزب كولورادو» المعارض، باتهامه للسعي نحو الجائزة بهذه الطريقة في «الاستعراض».

كان إجاناسيو ثاسنابار مدير الرأي العام في مؤسسة «Equipos Mori» لاستطلاعات الرأي في الأوروجواي يقول إن خوسيه موخيكا وإن اكتسب شهرة عالمية بسبب القيم النادرة التي يمثلها في مجال السياسة كرجل نبيل متواضع يميل للبساطة والتقشف فإنه لا يحظي في الواقع بتأييد أغلبية شعب الأوروجواي؛ وهو بعيد كل البعد عن الإجماع، وتبلغ نسبة المؤيدين له داخل البلاد فقط 47% وفقا لاستطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة «Cifra» عام 2014.

مع ذلك فقد كان ترشيح خوسيه موخيكا لجائزة نوبل انعكاسًا للشعبية الدولية لرئيس الأوروجواي الذي أشادت به شخصيات معروفة بينها الأديب ماريو فارغاس يوسا صاحب جائزة نوبل للآداب، ومشاهير مثل فرقة «الروك أيروسميث» وصحف مثل مجلة «الإيكونوميست» التي صنفت أوروجواي بلد العام 2013 بسبب الإصلاحات التي «يمكن أن تفيد العالم» مثل قانون الماريجوانا وتقنين زواج المثليين.

خوسيه موخيكا رئيس ضد الاستهلاكية

«أنا فلاح في طريقة تفكيري وفي رؤيتي للحياة والطبيعة» *خوسيه موخيكا

يقول الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إن خوسيه موخيكا يمثل التنوع الإنساني الجميل في يسار أمريكا اللاتينية في القرن الحادي والعشرين بصراعه ضد النزعة الاستهلاكية لصالح بساطة الحياة والسعادة الحقيقية. إنه رجل صاغ قيمه في النضال خلال 14 عاماً من السجن الرهيب.

فالرجل يعيش في الريف بالفعل بين الدجاج والكلاب، حياة جذبت كثيرين من أنحاء العالم للتعرف على فلسفته في الحياة والاقتراب من عالمه المتواضع إذ يصعب أن نتخيل أن يعيشها رئيس أو رئيس سابق، يؤكد خوسيه موخيكا أنه اختار تلك الطريقة التي تماثل حياة أغلب شعب الأوروجواي.

بقي خوسيه موخيكا خلال سنوات رئاسته في منزله الريفي الذي لا تتجاوز مساحته 60 مترًا، مع زوجته لوسيا توبولانسكي عضو مجلس الشيوخ التي التقاها قبل أيام من دخوله السجن الطويل عام 1972 وتزوجا بعد خروجه، هناك كان يستقبل الصحفيين ويقول لهم ضاحكًا إن المنزل نظيف بالتأكيد فمساحته الصغيرة تسمح له بالتعاون مع زوجته أن ينظّفاه بسرعة البرق.

حين زاره الصحفي والكاتب الإسباني خوان خوسيه مياس خلال أحد اللقاءات لصحيفة «الباييس» قال عن المنزل «يقولون إنه منزل متواضع لكن هذا ليس صحيحًا؛ إنه منزل فقير، أشبه بالكوخ، سقفه من الصفيح».

في ختام ولايته عام 2015 قال خوسيه موخيكا مودعا الشعب «أنا رجل أؤمن بأن الأفضل قادم دائمًا»، وترك المنصب وعديد من المولعين به حول العالم يتتبعون أخباره التي لم تغب عن الصحف حتى اليوم، ولا يزال الرجل يثير الإعجاب أحيانًا والاستغراب أحيانًا؛ فبعد شهور فقط من انتهاء فترة رئاسته دعاه «حزب الشعب الجمهوري» التركي المعارض لحضور جلسات نقاشية فاشترط أن يقيم مع زوجته في فندق شعبي يدعى «تقسيم هول» لا تتجاوز سعر الغرفة فيه مع وجبة الإفطار 90 دولاراً أميركياً، وأن يتنقل في الشوارع بسيارة فولكسفاجن تشبه سيارته،

في النهاية، يمكن القول بأن هذا الرجل قدم نموذج سياسي لم يكن موجودًا من قبل، إذ جذبت أقواله وحياته كثيرين حول العالم، فاتجهت أنظارهم نحو الدولة الصغيرة التي لم يعرفها الغالبية سوى من خلال كرة القدم، لكنهم صاروا يعرفونها اليوم بأن بلد «Pepe» كما يطلق عليه الأورجوانيون.

رئيس مدغشقر ليس بطلًا.. كيف يستغل الرؤساء كرة القدم من أجل صيت كاذب؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد