«ماذا عليّ أن أقول يا بيلار؟ »

هكذا سأل الكاتب البرتغاليّ جوزيه سارماغو زوجته، عندما طُلِب منه أن يلقي تحية عيد الميلاد أثناء لقاءٍ تليفزيونيّ.

” الكريسماس لابد وأن يستمرَ طوال العام” أجابته بيلار ديل ريو؛ دائما ما تعرف ماذا تقول، عندما لا يجد الكاتب النوبيليّ الكلماتِ المناسبة.

«ولكن، أنا أكره الكريسماس، كيف لي أن أقول ذلك؟»

بوصفه «هادئًا» و«سوداويًّا» وُلِدَ ساراماغو في قرية بالبرتغال لعائلة لم تستطع تحمل النفقّات لترسله للمدرسة بالصف الرابع. فقط في الستّين من عمره، بدأ يكتب بدوامٍ كامل. اكتسب ساراماغو شهرة في العالم الناطقِ بالإنجليزية بسبب روايته Blimunda and Baltasar -” قصة حب كانت خلال محاكم التفتيش البرتغالية – و”العمى”: رواية فنتازيّة؛ حيث طاعون من «عمى أبيض» يُرجِع الناسَ في بلدٍ لأكثر الحالات بدائيةً. في عام 1998، صار الكاتبَ البرتغاليّ الأول الذي ينال جائزةَ نوبل في الأدب. اليوم، تُرجِمَت كتُبُه لخمسٍ وعشرين لغةً، ليس سيّئا لرجل لم يذهب للصف المتوسط بالمدرسة.

 أينما ذهب، فيده في يدها وكأنها أمه.

بينما يبدو ذلك كقصة لرجل صنع نفسه بنفسه، الراحل ساراماغو لم يحقق نجاحه وحده. كما يقول المثل: خلف كل رجلٍ عظيم، هناك امرأةٌ عظيمة، وبالنسبة لساراماغو “دِل ريو” كانت ومازالت هي تلك المرأة.

“قطعا أؤمن أن هناك اثنين جوزيه ساراماغو: جوزيه ساراماغو قبل أن يقابل بّيلار، وجوزيه ساراماغو بعد أن قابل بيلار، وهذا كل ما لابد لي أن أقوله”. هكذا قال الكاتب الأسباني Juan Teba.

Portuguese writer Nobel Jose Saramago's

روايته أخيرا تظهر للنور بعد خمسة وأربعين عامًا

قبل 45 سنةً مضت، عندما أرسل الكاتب ذو الخمسة وثلاثين عامًا مخطوطة  Claraboya”المنور” لناشر برتغاليّ، لم يسمع عنها أبدًا مرة أخرى.

ساراماغو كان في الخمسينات من عمره عندما اخترق عالم النشر بـ “Baltasar and Blimunda” في 1982، بترجمة إنجليزية في عام 1988 مؤدّيّة لظهوره للجمهور العالمي، تطلب ذلك حتى عام 1989 من قِبَلِ الناشر كي يتفاعل مع الكاتب عن Claraboya” مخبرًا إيّاه أنهم قد وجدوا مخطوطه أثناء تجوّل بالمكان ويودّون أن ينشروه. ولكنه رفض.

” عانى ساراماجو كثيرا من جرّاء هذا الازدراء. شعر بأنه لو أن هناك أحدًا يعطيك فاكهة حقله، أقل ما عليك فعله هو أن تتجاوب!” بيلار دل ريو – نافذته على العالم – أخبرت الصحافة في مدريد أن الرواية قد نشرت. ساراماغو الذي رحل في 2010 في السابعة والثمانين من عمره، لم يكتب أي رواية أخرى لعشرين عامًا بعدما تم التغاضي عن ” Claraborya”، حيث قالت بيلار “قد ركّز بدلا من ذلك على الكتابة في الصحف. ”

قالت دل ريو: “أطلق عليه الكتاب الذي فُقِدَ ووُجِدَ في الوقت المناسب”، “أخبرنا أنه لا يريده منشورًا خلال حياته ولكن، هؤلاء الباقون بعد موته باستطاعتهم فعل ما يظنونه الأفضل من أجله. جميعنا يعلم – أظن وسارماغو أيضًا – أنه كان من الأفضل أنْ لو كان قد نشره. “

يذكر أن الرواية مترجمة للعربية ومنشورة في بيروت بشركة المطبوعات والتوزيع عام 2014.

بيلار الزوجة والأم والطفلة المدللة

«الأجساد الميْتَة حديثا ستبدأ في الظهور، المصورون الراحلون، المراسلون الصحفيّون، ومصوّرو السينما«، هكذا يمزح الكاتب في الفيلم، «وفي الوقت الذي لا أحد يشك في كوني قاتلاً، طالما هنالك صُحُفيّون، سوف أقتلهم. خاصّة المصورين.»

الفيلم الوثائقيّ الأخير Pilar et José يصوّر السنوات الأخيرة في حياة ساراماغو، بعد أن التقى “دِل ريو” يرسم صورة كاتبٍ منعزلٍ، أُجبر على أن يكون في المحفل العام.

«ديل ريو» عنيدة، بلا خوف، مجادلة صريحة، مسيطرةٌ في أي مكان حيثما مشت، قادت ساراماغو خلال الاجتماعات الصُحُفيّة، حفلات توقيع الكتب، احتفالات الجوائز، ولقاءتٍ لا تنتهي، وافق الكاتب على مضضٍ أن يجريها.

الفيلم مشهورٌ في البرتغال، وكذلك ساراماغو -الذي كان سيّء السمعة ؛ لكونه شيوعيًّا وملحدًا – صارت له علاقات معقّدة مع وطنه. كمجتمعٍ متديّن ورع؛ عارضت البرتغال عمل ساراماغو؛ لدرجة أنه حينما نشر روايته «الإنجيل بحسب يسوع المسيح» في 1991، والتي رُشِّحَت لجائزة الآداب الأوروبيّة، حظرت الحكومة البرتغالية الكتاب من المنافسة، انسحبَ الكاتب إلى إسبانيا كمنفى اختياريّ.

لكن «جوزيه وبيلار» الذي عُرِض في المسارح لخمسة أشهرٍ، واخْتير ليُمثّلَ البرتغال في قائمة أفضل فيلم أجنبي في أكاديمة الجوائز لعام 2012 ساعد ليغيّر مما ترسب لدى البرتغاليين عن ساراماغو.

إنها نظرةٌ حميمية في حياة حبٍ مُلْهِم، ورجلٍ حسّاس.

الفيلم كان رؤية sMiguel Gonçalves Mende مخرج برتغاليّ، أحب روايات سارماغو، وتوسّل إلى الكاتب أن يسمح له بعمل فيلمٍ وثائقيّ عن حياته. سارماغو كان مترددًا، ولكن في النهاية، وافق. بعد أربع سنوات من التصوير، صنع Mendes فيلمًا وثائقيًّا من ساعتين من أصل 240 ساعة ملتقطة.

قال الروائي Mendes أنه سُرَّ من النتاج النهائي.

«عندما رأى ساراماغو المنتج النهائي قال لي: بينما كنتَ تصوّر، كان عندي بعضَ الشكوك حول الأشياء التي اخترت تصويرها ولكن الآن، أرى أن الفيلم هو أكثر من فيلمٍ عنّي؛ إنه عن العلاقات والحياة – قال Mendes:- ساراماغو قال لبيلار – والتي كانت بجانبه: «هذا الفيلم هو إعلانٌ عن حُبّي لكِ»، ردّت هي: نعم، ولكن حياتي هي إعلانٌ عن حبّي لكْ.»

حياة «دِل ريو» منذ رحيل ساراماغو في 2010 كانت هكذا وفقط. كرّست وقتها لتحقيق رغبة زوجها من أجل مؤسّسةٍ، لكي “يستمر هو”، تحرّك ساراماغو انطلاقا من الظلم في العالم، وبيلار كانت تشاركه قناعاته السياسيّة.

«كلُ شخصٍ له الحق في الطعام، المأوى، التعليم، حريّة التعبير، كلُ شخص عليه واجب أن يتعاونَ ليجعل هذا يحدث. على المواطنين ألا يظلّوا صامتين أمام تلك الأشياء التي تفعلها الحكومة. على المواطنين الاعتراض.» كذلك قالت.

ندّد ساراماغو بالحروب والظلم الذي تمارسه السلطات القمعيّة، لم يمارسه كتابةً فحسب! في الخامس والعشرين من مارس عام 2002 توجّه ساراماغو إلى رام الله بفلسطين هو ولفيف من كتّاب العالم لدعم صديقه الشاعر الفلسطيني: محمود درويش وللتنديد بأفعال إسرائيل.

 ساراماغو وسوينكا مع عرفات ودرويش في رام الله بفلسطين.

مِنْ حيثُ المهنة كصُحافيّة، أدلتْ دِل ريو بآرائها من خلال تعليقاتٍ سياسية في الراديو الإسبانيّ. نظّمت أيضا مناقشات لزيادة التحاور ولرفع مستوى الوعي المجتمعيّ عن العدالة الاجتماعية.

«نحنُ نعمل على مستوى انعكاسي- لا احتجاجيّ- جالبين المفكّرين والفلاسفة معًا ليتناظروا. هذا هو هدفنا أن نجعل المجتمع يفكّر.» هكذا قالت.

في 2012، مقرات المؤسسة سوف تفتح فيCasa dos Bicos (The House of Spikes)، مبنى من القرن السادس عشر في Lisbon ستتضمّن مكتبة ومعارض واجتماعاتٍ وأحداثٍ ثقافية. المؤسسة تشجّع القراءة من خلال وِرَش عملٍ مبنيّة فقط على كتاب ساراماغو الذي هو للأطفال «أكبر وردة في العالم».

بيلار كانت الوسيط بين ساراماغو والعالم، مترجمو رواياته – حتى إلى العربيّة مثل أ.أحمد عبد اللطيف وأ. صالح علماني – ترجموها عن النص الإسباني الذي قامت بترجمته بنفسها، بيلار. بيلار ترجمت أغلب روايات زوجها !

ساراماغو لم يكن مشغولا بالحديث عن قصص الحب في رواياته، بل بالبحث والتقصّي عن الطبيعة البشرية في أضعف وأقوى وأقسى بل وأقذر حالاتها، ثم يحاول التصالح معها، ساراماغو لم يكتب رواية رومانسية كدانييل ستيلا أو نيكولاس سباركس، ببساطة لأنه كان يعيشه ومتشبّعا به ليس كما تحكي الروايات.

Jose Saramago accompanied by their wife and translator to Spanish, Pilar del Rio. Jose Saramago, pri

بيلار الزوجة والأم والطفلة المدللة

عندما سُئِلَتْ عن أكثرِ شيءٍ تفتقده في زوجها، قالت دِل ريو: “لن أخبرك عن أشياء ماديّة ولكني أفتقده بكُلِّيَّته. أفتقده داخليّا كليّةَ. كلنا يفتقده؛ لأنه لم يكن روائيًّا فقط؛ كان مفكّرًا قاتلَ ضد خُرافاتِ القوّة والدين والأخلاقيات الفارغة. دافع عن شيءٍ ما. فكّرَ في المستقبل، وألقى نظرةً على الماضي”.

وأضافت: «حقيقة أن ساراماغو ميْتٌ لا تعني أن ساراماغو قد مات. ساراماغو، مازال حيّا».

ما كان بين ساراماغو وبيلار لا تحكي لنا عنه الكتب، أيها الناس، هذا هو الحب، ليس كما تخدعكم الروايات. ارموا بكتبكم وعيشوا الحب ولا تكتفوا بالقراءة عنه، الرابطة بين ساراماغو وبيلار لو كتبت في رواية لاعتبرها الغالب من البشر مبالغة، ولكن الواقع الذي نراه مبالغًا فيه هو بالفعل حقيقة، وللأسف، في المُبَالغ فيه في الكتب، نراه حقيقة.

  بيلار وساراماغو والنظرة التي ليست الأخيرة.

ليس هناك أحدٌ مثل ساراماغو وبيلار، كما ليس هناك أحدٌ مثل ميرثيدس وماركيز، أو ميليشا وجون ناش. يوما ما قريبا سألتقي بيلار، وسأكتب عنها كتابًا قد تكون تمنّت هي أن تكتبه عن: جوزيه وبيلار.

أتساءل :هل هناك امرأةٌ مثل بيلار؟!

آه نسيت،Pilar  بالإنجليزية تعني الدعامة والركيزة،Pillar  بالإسبّانيّة تعني أيضا كذلك. لا عجب؛ ساراماغو كان يعتمد عليها في كل شيء لو رأيتم الفيلم، هاه، أهدى أغلب أعماله إلى بيلار.

في مذكّراته الذكريات الصغيرة كان الإهداء :

إلى بيلار: التي لم تكن قد ولدت بعد، وتأخرت في المجيء.

وكأنه يلومها لأنه كان ينتظرها! وعندما أتت، أخرجت روح الطفل المبدع. لأنها قالت عندما سألوها كما أسلفت وقالت أن ساراماغو لم يمت؛ في الكتاب قبل الأخير المنشور بحياته: مسيرة الفيل – هناك إهداء لم يكتب مُحِبٌ مثله، بعد قراءته أنا شخصيّا زاد إعجابي وحبّي لتلك البيلار، محظوظةُ هي وأكثرُ حظّا كان هو :

إلى بيلار، التي لم تتركني للموت.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد