حوار: محمد عزت. شارك في الإعداد والتحرير: زيد صافيعبد الرحمن ناصر.

وكأن كلَّ شيء قد تبدَّل في عامٍ وأربعة أشهر فقط. ففي يناير (كانون الثاني) 2020، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والعديد من الزعماء في المنطقة يستعدُّون للاحتفال بالإعلان عن وفاة القضية الفلسطينية للأبد عبر ما سمي بـ«صفقة القرن»، وانتصار الاحتلال الإسرائيلي في معركته الحثيثة لتزوير التاريخ وتجريد شعبٍ كامل من حقوقه، وبعد أقل من عامٍ ونصف، تشتعل معركة «سيف القدس» الفاصلة في تاريخ النضال الفلسطيني. معركةٌ قدَّم فيها الفلسطينيون كثيرًا من الشهداء والجرحى والتضحيات، ولكنَّها أعادت ربما للعرب جميعًا وحدتهم الشعورية وأحقيَّتهم في أن يحلموا من جديد، بعد ما مُنيت به ثوراتهم في السنوات العشر السابقة من خسائر فادحة. 

انتهت المعركة التي مثَّلت نقطةً فاصلة في تاريخ النضال الفلسطيني والمقاومة. انتهت ولكنها لحظة تأسيسية جدَّدت الأمل في استعادة الأحلام. انتهت لحظة المشاعر الجياشة ليبدأ وقتُ التفكير العميق، وقراءة المعركة والمشهد الفلسطيني بدقةٍ متناهية.

من هذا المنطلق، تَوجهنا إلى جوزيف مسعد، الأكاديمي والمفكر، أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث في جامعة «كولومبيا» بنيويورك. فمنذ 40 عامًا سافر الشاب الذي أتى من أسرة فلسطينية عاديَّة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبح مع الأيام من أشهر وأهم الأكاديميين في العلوم السياسية بها.

دائمًا ما أثارت كتابات مسعد نقاشاتٍ مُطوَّلة، وإسهاماته دائمًا تتميز بمقارباتٍ تجمع بين الجرأة والإطار النظري المتين، والجِدَّة والتدفق المعلوماتي الغزير، ومن أشهر كتبه: «اشتهاء العرب»، و«الإسلام في الليبرالية»، و«آثار استعماريَّة: تشكل الهوية الوطنية في الأردن»، و«ديمومة المسألة الفلسطينية».

في هذا الحوار نحاول مع جوزيف مسعد قراءة المشهد الفلسطيني، بعد لحظةٍ تأسيسيةٍ فارقة في النضال العربي. عبر ثلاثة محاور رئيسة. نتحدَّث معه في المحور الأوَّل «العالم والمعركة» عن آثار هذه المعركة على مستوى عالمي، وكيفية تغطية وسائل الإعلام الغربية لها ومحاولة قراءتها في سياقٍ أكبر. وننتقل في المحور الثاني «العرب والمعركة»، إلى آثار هذه المعركة على العالم العربي، وعلى القضية الفلسطينية في سياق العالم العربي، وعن موسم التطبيع العلني الذي بدأ منذ عامين. وفي المحور الثالث والأخير تحدَّثنا عن مستقبل القضية الفلسطينية، وعن الانتخابات الفلسطينية، وعن مستقبل «الحلول» المطروحة. فإلى الحوار.

المحور الأول: العالم والمعركة

1- كيف ترى تغطية الإعلام الأمريكي للمعركة الأخيرة؟ بعضها لأول مرة استضاف أصواتًا فلسطينية تدين إسرائيل، وتصفها بدولة الفصل العنصري (أبارتايد)، فما الذي تغيَّر من وجهة نظرك؟ وهل أصبح الصوت الفلسطيني مسموعًا أكثر هذه المرة؟

صحيح، كانت هناك بعض المساهمات الفلسطينية التي سُمِحَ بها في الإعلام، ليس فقط الإعلام الأمريكي، بل أيضًا البريطاني، لكنِّي لا أعتقد أنه قد سُمح بها في الإعلام الفرنسي أو الألماني، الذي هو أكثر رقابة على إعلامه ومحطَّاته التلفزيونية.

بالنسبة للإعلام البريطاني على سبيل المثال نجد أنَّ صحيفة «الجارديان» ذات التوجه الصهيوني، سمحت بعِدَّة مقالاتٍ من قِبل فلسطينيين من فلسطينيي إسرائيل داخل 48 وفلسطينيي 67. حللوا وتكلموا عما حصل ويحصل لهم، وعن تاريخ المقاومة الفلسطينية للاستعمار الصهيوني من كل جوانبه، في داخل إسرائيل أو في مناطق 1967، أو حتى في الحملة العالمية على مقاطعة إسرائيل، وبالنظر إلى هذا المثال وغيره، نجد أن هناك بالفعل بعض المساهمات التي سُمح بها، وكان عليها رقابةٌ أقلُّ من قبل هيئات التحرير في بعض الصحف الأمريكية والبريطانية.

لكنّ مُعظم هذه التغطيات الإعلامية التي إلى حد ما كانت – مقارنةً بالتغطيات السابقة – متعاطفةً مع الضحايا الفلسطينيين، لم تكن متعاطفة، ولا تزال غير متعاطفة مع المقاومة الفلسطينية للاستيطان الإسرائيلي.

هذا النهج يُستمدُّ من الخوف على إسرائيل، بل «محاولة إنقاذها من نفسها»، لا سيما عند الإعلام اليميني الأمريكي والأوروبي، وإنقاذ إسرائيل من اليمين الصهيوني عند اليسار الأمريكي والأوروبي لا سيما الليبراليين، ويمكن القول إن هناك دائمًا محاولات لإنقاذ إسرائيل من خطاياها.

كنت أُسأل عادةً منذ وصولي للولايات المتحدة طالبًا بالبكالوريوس، بأنَّ هناك تغطية دائمة عن قتل الفلسطينيين في صحيفة «نيويورك تايمز» الليبرالية والصهيونية ذات التوجه الإمبريالي، فإذا قُتل فلسطيني أو اثنان أو ثلاثة مثلًا، تغطِّي «نيويورك تايمز» ذلك، واصفةً إياهم بأنَّهم «ماتوا» – ولا يقال إنَّهم قتلوا – في اشتباكٍ ما مع إسرائيل، بينما لا تلتفت الصحيفة إلى مآسي بلدانٍ أفريقيةٍ أخرى إلا بعد وفاة 100 أو 200 من مواطنيها. فهل يعني هذا أن الفلسطينيين – على عكس ما يقولون – يحظون بانتباه هذه الصحف؟

وكان ردِّي الدائم، إنَّ هذا صحيح، وأن صحيفة «نيويورك تايمز» والصحف الأمريكية الإمبريالية المماثلة ضد شعوب العالم الثالث في العادة لا تغطِّي قتل الكثيرين منهم، أما في حالة الفلسطينيين تظل هذه التغطية دائمًا مرهونةً بالدفاع عن قتل إسرائيل للفلسطينيين، فهذه المقالات تغطي قتل الفلسطينيين، للدفاع عن إسرائيل وللدفاع عن «الأسباب المشروعة لقتلهم» بحسب «نيويورك تايمز» والخط الذي يدافع ويعتذر عن أعمال إسرائيل العنيفة وقتلها للفلسطينيين.

إذًا يمكن القول إنَّ ما طرأ مجددًا في التغطية الأخيرة هو دفاع مستمر عن إسرائيل، لكن يشوبه تضامن مع الضحايا، وهذا التضامن بدأنا نراه مثلًا منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وبعد مذابح صبرا وشاتيلا؛ إذ غدا الفلسطينيون – إلى حدٍ معيَّن – مقبولين بوصفهم ضحايا لعنف إسرائيلي أو مدعوم من إسرائيل، لكن ليس بوصفهم «ذوات» لهم الحق بأن يمثِّلوا أنفسهم، أو لهم الحق في أن يُعرِّفوا سُبلهم السياسية للمقاومة، فهم فقط مجرد ضحايا.

نجد في بعض الأحيان، وتحديدًا بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى، تغيُّرًا آخر، وهو بأن يُسمح للفلسطينيين في بعض الأحيان بأن يتكلموا عن نهج السلام، أو نهج مقاومة سلمية لبعض ما يراه الغرب تجاوزات «لبعض الحكومات الإسرائيلية»، لكن هذا ظل غيرَ واضحٍ. 

ثم لم يلبث الأمر أن تغيَّر أكثر بعد عملية أوسلو واستسلام منظمة التحرير الفلسطينية الكامل لإسرائيل، وتحول منظمة التحرير الفلسطينية وقياداتها إلى مرتزقة لإسرائيل منذ عام 1993، وتعاونهم مع إسرائيل في قمع الشعب الفلسطيني؛ فظهر صوت الفلسطينيين في الإعلام الغربي بوصفهم منادين الآن بالسلام مع إسرائيل وكأنهم «إرهابيون نادمون»، بعد أن كانوا إرهابيين غير نادمين في السابق، لذا يتم القبول والترحيب بهم.

وبعد عام 2000، عندما لم يستطع ياسر عرفات التنازل أكثر من أجل الحفاظ على شرعيته أمام بعض الفلسطينيين، خاصةً في الضفة الغربية، اعتُبر سلوكه «إرهابيًّا وإجراميًّا»، وبالتالي لم يعد له الحق في التعبير عن النهج السياسي للفلسطينيين.

وهنا يجب أن نذكر أنَّ عرفات قد انتهج نهج الاستسلام والتعاون مع العدو الإسرائيلي ليمثل قوة مرتزقة ضد الشعب الفلسطيني، لا سيما أن أول أفعال السلطة الفلسطينية تحت قيادة ياسر عرفات، كانت قتل حوالي 14 فلسطينيًّا من طلاب غزة، وجرح مائتي فلسطيني بعد سيطرة السلطة الفلسطينية المرتزقة على غزة عام 1994؛ نتيجة تظاهراتهم ضد عملية أوسلو والاستسلام، وتحول منظمة التحرير إلى سلطة مرتزقة و«خيانية» بطبيعة تكوينها.

إذًا يمكن القول إن اعتبار بعض الفلسطينيين «ذوات» يستحقون أن يُمنحوا الفرصة لكي يعبروا عن أنفسهم في الإعلام الغربي يتم السماح به فقط في حال وافق هذا التعبير عن النفس بعض القواسم المشتركة مع ليبراليي الولايات المتحدة والغرب بشكلٍ عامٍ، مثل القبول بإسرائيل بوصفها دولة استعمارية استيطانية لها الحقُّ في الوجود، ولها الحقُّ في استعمار فلسطين واستيطانها، ولكن ليس لها الحق في ارتكاب بعض أنواع الجرائم ضد الشعب الفلسطيني، وهذا بالطبع حال بعض أبناء النخبة السياسية الفلسطينية الذين وافقوا على ذلك، بعضهم منذ السبعينيات، والأكثر في أواخر الثمانينيات، وأغلبهم بعد عام 1993.

إذًا ما أصبح ثابتًا ومعتمدًا من قِبل الغرب الليبرالي والمؤسسات الإعلامية الليبرالية هو عدم التردُّد في إبراز الفلسطينيين بوصفهم «ضحايا في بعض الأحيان» إذا فشلت إسرائيل في أن تُقدِّم حججًا ومبرراتٍ مشروعةً لقتلهم.

ولتوضيح ذلك لنعُد سريعًا لتغطية العدوان الأخير على غزَّة، فقد رأينا مثلًا صحيفة «نيويورك تايمز» التي تعد أكثر دعمًا للخط الصهيوني الإسرائيلي من صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية التي تنتقد إسرائيل أكثر من «نيويورك تايمز». فقد تشجَّعت «نيويورك تايمز» بعدما نشرت «هآرتس» صور الأطفال الذين استشهدوا وقتلوا على يد الاستعمار الإسرائيلي، فأعادت الصحيفة الأمريكية نشر صور الأطفال على الصفحة الأولى، وهو حدث غريب طبعًا بالنسبة إلى «صهاينة أمريكا»، لا سيما من الليبراليين.

فيما أصرَّت بعض القيادات اليهودية الأمريكية التي تساند إسرائيل، على أنَّ نشر هذه الصور هو فعل «معادٍ للسامية»، وأنه جزء من سلسلة الاتهامات المسيحية المعادية لليهود، والتي تلوم اليهود على قتل غير اليهود دون حق، في إشارة إلى «تشهير الدم» أو «Blood libel». وهي اتهامات مسيحية أوروبية للمجتمعات اليهودية في القرون الوسطى، بأنَّهم يخطفون الأطفال المسيحيين ويقتلونهم ويستخدمون دماءهم في صنع خبز «الماتزه» الذي يؤكل في عيد الفصح اليهودي، وطبعًا هذه اتهامات مسيحية طائفية كاذبة تاريخيًّا لاضطهاد المجتمعات اليهودية الأوروبية آنذاك.

واستخدام هذه الإحالة التاريخية من بعض القيادات اليهودية الصهيونية في الولايات المتحدة، هذه الأيام، ولوم صحيفة «نيويورك تايمز» واعتبارها تقوم بعملٍ مشابه، يعني أنَّهم يعتبرون أنَّ إسرائيل ليست مسؤولة أبدًا عن قتل هؤلاء الأطفال، بل إنَّ حماس والفلسطينيين هم من قتل هؤلاء الأطفال. وأنَّ نشر «نيويورك تايمز» لصور الأطفال هو عمل معادٍ للسامية مشابه تمامًا لما كان يحدث في العصور الوسطى من إلصاق تهمة «فرية الدم» باليهود دون إسنادٍ أو دليل.

/
صورة غلاف صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، وافتتاحيتها عن عشرات الأطفال الذين استشهدوا في العدوان الأخير على قطاع غزة. مصدر الصورة: تويتر nirhasson

ومن هنا يتضح أن الخوف على إسرائيل ومحاولة إنقاذها، واحدٌ من أسباب ردَّة فعل وسائل الإعلام الأمريكية، لكن طبعًا وجود عنصر آخر وهو وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما التصوير من خلال الهواتف المحمولة، صعَّب مهمة الإعلام الغربي المدافع عن إسرائيل في التغطية التامَّة على جرائمها مثلما كان يحصل في السابق. 

كذلك هناك عداء من بعض الليبراليين في الغرب لحكومة بنيامين نتنياهو، بسبب زعمهم أنَّها قوَّضت حل الدولتين، الذي يرونَ أنه كان قائمًا قبل أن يقضي عليه نتنياهو، وهكذا وجدوا في الجرائم التي ارتُكبت من قِبل الجيش الإسرائيلي في غزة مدخلًا جديدًا لإعادة طرح مشروع حل الدولتين مرة أخرى الآن. 

وهذا يتوافق مع رغبة القيادة الأمريكية، خاصةً وزارتي الدفاع والخارجية، في إعادة ترتيب ما يسمى بعملية السلام، ويتوافق أيضًا مع الحلفاء العرب في المنطقة، لا سيما بإعادة الاعتبار للسلطة الفلسطينية المرتزقة، ودعمها من قِبل النظامين المصري والأردني، ولا يجب أن ننسى أيضًا دور النظام القطري في ذلك، والذي لعب دورًا في غاية الأهميَّة بتمويل إعادة بناء الخدمات للشعب المحاصر في غزة عن طريق إسرائيل، كي لا تُحرج إسرائيل وتظهر بصورة أنَّها تقوم بتجويع الشعب الفلسطيني وقتله في غزة نتيجة الحصار.

ويمكن القول إن معظم «المكرُمات» القطرية لغزة هي جزء من هذه اللعبة الأمريكية؛ لأن هذه الأموال التي تُموِّل إلى حدٍ ما الحياة في غزة لتكون محتملة، ولا تؤدي في نهاية المطاف إلى مجاعات أو وفيَّات أكثر نتيحة الحصار؛ تصب في مصلحة إسرائيل، خاصةً وأن معظم هذا التمويل يُحوَّل إلى غزة بموافقة إسرائيل وعن طريقها.

إذًا ما بين دور مصر منذ عهد السادات بصفتها «السجان الثاني» للشعب الفلسطيني في غزة، ودور قطر في تمويل بعض أوجه الحياة داخل غزة من أجل «إنقاذ» إسرائيل من تهمة القضاء على الشعب الفلسطيني تمامًا، تصبح هاتان الدولتان جزءًا من هذا التكتيك الأمريكي لوضع حدٍّ لأيِّ نوع من المعارك أو الحرب المتبادلة، وعلى المستوى الإستراتيجي، فإن الإبقاء على الحصار، لكن حصارٍ بشكلٍ محتمل، لا يؤدي بالضرورة إلى موت عشرات الآلاف من الناس بسبب الجوع وسوء التغذية، إلى آخره.

وطبعًا للأردن دورٌ مهم أيضًا، وهذا الدور أصبح أكثر أهميةً في الأسابيع القليلة الماضية، بعدَ تهميش دورها بفعل هجمة التطبيع العربية التي جرت في العامين الماضيين، وأخيرًا كان هناك نوع من الفزع لدى الإعلام والسلطات الغربية وبعض الحكومات العربية من التهميش التام للسلطة الفلسطينية. وهو تهميش ذاتي أحيانًا، ولكنه أيضًا تهميش بنيوي، خلال الانتفاضة الفلسطينية التي دارت في جميع أنحاء فلسطين وبعض بلاد المهجر في الأسابيع الماضية والمقاومة الفلسطينية البطولية لبطش إسرائيل.

فقد اتضح أنَّه لا رئيس السلطة المرتزقة ولا رجالها استطاعوا الوقوف وقول أي كلمة دفاعًا عن الشعب الفلسطيني، بل برز دورهم بوصفهم متآمرين على الشعب الفلسطيني، عبر السياسات التي اتُبعت لقمع أي وجودٍ لحماس في الضفة الغربية، بأوامر من محمود عباس، علاوةً على اشتراكهم في قمع الفلسطينيين وتظاهراتهم، فكان الخوف على هذه السلطة من فقدانها الشرعية القانونية؛ لأنها لا تملك أي شرعية شعبية إلا في بعض البؤر لبعض الطبقات الفلسطينية في الداخل.

من إجابتكم السابقة قد يرد البعض: ألا يساعد الدور القطري بإعادة الإعمار في مساعدة حماس على النجاة؟ خصوصًا أنَّ الإستراتيجية الإسرائيليَّة اعتمدت دائمًا على إحراج حماس أمام أهل غزَّة؟ كما أنَّ الآن صار هناك منافسون لقطر في إعادة الإعمار مثل مصر والإمارات، أليست هذه المبادرات تساعد الشعب الفلسطيني؟

المساعدات التي تقدم لإعمار غزة وعدم تجويع أهلها تبقي أهل غزة دائمًا على حافة الجوع والانهيار وهذا يساعد إسرائيل، وهي المسؤولة أمام المجتمع والقانون الدولي عن سلامة فلسطينيي غزة التي يحاصرها جيش الاحتلال منذ عقد ونصف منتهكًا القانون الدولي وحقوق فلسطينيي غزة، وبالتالي ينقذ إسرائيل من مسؤوليتها عن جريمة الحصار التي تمارسها، بل يجنبها أيضًا المسؤولية القانونية ويحمل المسؤولية المالية نيابةً عنها، أما منافسو قطر، فقد تمت دعوتهم مؤخرًا كي يساعدوا قطر في مساعدتها لتجنيب إسرائيل مسؤولية جرائمها في غزة.

2- لفت الانتباه تفاعل الشوارع الأوروبية والأمريكية خاصةً ما يسمَّى «جيل Z» مع القضية الفلسطينية، ما رؤيتك لهذا التحوُّل في الموقف تجاه القضية الفلسطينية عند هذا الجيل؟ وكيف يمكن أن يكون أثره في الموقف الغربي لاحقًا حين يكبر هذا الجيل ويصبح في موقف مسؤولية؟

لا نستطيع أن نتكلَّم بأن «الجيل Z» بأكمله متعاطف مع القضية الفلسطينية، لكن هناك أعدادًا أكبر في هذا الجيل مقارنةً بالأجيال السابقة، تبدي مشاعر التعاطف مع القضية الفلسطينية، أو مع الشعب الفلسطيني، وهناك أيضًا تفاوت في هذا الجيل، حسب تسييسهم وحسب انتماءاتهم السياسية.

هناك وعي أكبر عند «الشباب الأبيض» في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، ازداد منذ بداية القرن21، نتيجة الحروب التي شنتها أوروبا والولايات المتحدة على العراق وأفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وتداخلت مع عملية انكشاف تاريخ العنصرية والإمبريالية داخل الولايات المتحدة وخارجها عبر السياسات الإمبريالية، وكذلك الحروب الأوروبية العنصرية.

لكن الأهم من ذلك هو المد الأكثر راديكالية بين الشباب السود والهنود الأصليين والشباب اللاتينيين في أمريكا، والمد الراديكالي في أوروبا بين الشباب الأفريقي والعربي والمسلم بشكلٍ عامٍ من أصولٍ مختلفة (هندية وباكستانية وبنجلاديشية) في بريطانيا والشباب ذوي الأصول الأفريقية في فرنسا، علاوةً على الجالية التركية الكبيرة في ألمانيا، التي يحمل الجيل الجديد من أبنائها بعض الأفكار الأكثر راديكالية في مقاومة العنصرية المؤسسة والمُمأسسة في هذه البلاد.

وهؤلاء طبعًا تحدُّوا القيادات الليبرالية لهذه المجتمعات غير البيضاء، فمثلًا الشباب السود الذين بدأوا يعتنقون أفكارًا أكثر رفضًا للحدود الليبرالية التي تقدمها القيادات السوداء في أمريكا، والتي هي أيضًا متعاونة؛ إذ تشبه القيادات الرسمية للسود في أمريكا بالضبط السلطة الفلسطينية المتعاونة، فمعظم هؤلاء يقبلون بالحجج الليبرالية لعدم محاولة التمرُّد الكامل على العنصرية المُمأسسة في الولايات المتحدة، وهؤلاء طبعًا هم من يجري انتخابهم في البرلمانات في الكونجرس ومجلس الشيوخ الأمريكي، ويعيَّنُون قضاةً وينتخبون حكَّامًا لبعض الولايات ورؤساء بلدية المدن، وهؤلاء مرفوضون من بعض السود الأكثر راديكالية، لأنهم متعاونون مع هذا النظام الأبيض العنصري، ومن المستفيدين منه، وإن كانوا يعبُّرون عن امتعاضهم من استمرار هذه العنصرية.

الأمر نفسه نلحظه في أوروبا، نتيجة تبوُّء بعض أفراد من الجاليات/ المجتمعات المسلمة العربية أو الأفريقية مراكز قوى، ويمكن اعتبارهم إلى حدٍ بعيد أيضًا من المتعاونين، مثل بعض المستوزرين (الوزراء) من العرب المسلمين أو الأفارقة في فرنسا، أو بعض المسلمين الهنود في بريطانيا الذين تبوأوا مناصب سلطة، ويعدهم الجيل الراديكالي عادة متعاونين مع هذا النظام العنصري.

لكن هؤلاء أيضًا أثروا في الشباب الأبيض من الجيل الجديد، وبالتالي نرى أنَّ الوعي بما تقوم به هذه الدول وما قامت به على مدى القرون الماضية، أصبح على مرأى ومسمع الجيل الجديد، الذي يتعرَّف إليها من مصادر مختلفة، سواء الرسمية نتيجة الحروب القائمة، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتغطيات المختلفة من بعض الصحف والمحطات التلفزيونية التي باتت تطرح مثل هذه القضايا بشكل مختلف عما كان يُطرح في السابق بالمحطات والصحف الأمريكية والأوروبية، ما يسمح للكثير من هؤلاء الشباب بالتعرف إليها ومشاهدتها، أو القراءة عنها من خلال شبكة الإنترنت.

كل هذا ساهم في زيادة الوعي عند هؤلاء، بالإضافة إلى صعود اليمين السياسي في الولايات المتحدة وفي أوروبا من شرقها إلى غربها، والذي يُعد عاملًا كبيرًا في هذا الوعي، حيث ندَّدَ بخطاب ترامب اليميني العنصري، حتى الليبراليُّون البيض العنصريُّون تاريخيًّا في الولايات المتحدة.

وكذلك خطاب ماكرون العنصري، والخطابات العنصرية المختلفة في بريطانيا التي أدت في نهاية المطاف إلى تقويض السلطة اليسارية في «حزب العمل» البريطاني، كل هذا ساهم في ازدياد الوعي وتعاظمه عند هذا الجيل، الذي وجد في بعض الأحيان، الصحف الليبرالية التقليدية تقف معه في مواجهة الخطاب اليميني العنصري أثناء حكم ترامب، وإن كانت هذه الصحف الليبرالية وبعد وصول جو بايدن والديمقراطيين إلى سدة الحكم، تحاول حاليًا قدر الإمكان عدم إلقاء الضوء على هذا الخطاب اليميني الذي لم يزل قائمًا.

ولكن نتيجة حِدَّة الخطاب الليبرالي المناوئ لخطاب ترامب، لم تعد المؤسسة الليبرالية في أمريكا، قادرة على توقيف هذا الزخم من العداء للسياسات العنصرية والإمبريالية، حتى لو صدرت عن إدارة ديمقراطية، كما هو الحال الآن بعد وصول بايدن.

Embed from Getty Images

الصورة الأولى لتظاهرة مؤيدة لفلسطين في العاصمة الفرنسية باريس، قمعتها الشرطة الفرنسية. الصورة الثانية: الشرطة السويدية تُوقفُ احتجاجات مؤيدة لفلسطين في السويد. والصورة الثالثة: تظاهرات مؤيدة لفلسطين في نيويورك، بالولايات المتحدة الأمريكية 

3- ما تقييمك لحجم التغيُّر في الرأي العام الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية؟ وما رأيك في إدارة إسرائيل للأزمة إعلاميًّا أمام المجتمع الغربي، هل نجحت في إدارتها؟ وكيف يمكن أن تتعامل إسرائيل مستقبلًا مع هذا الوضع؟

هناك عامل مهم لم نتطرَّق إليه بعد في التغطية الإعلامية الأمريكية والأوروبية، ألا وهو: الدفاع المستميت، عما زُعم أنه «هجمة لا سامية» تطال المجتمعات اليهودية في الولايات المتحدة وأوروبا، من الدوائر التي تدعم الفلسطينيين من متظاهرين ورافضين للسياسة الإسرائيلية في فلسطين المحتلة.

وهذا الزعم بوجود مثل هذه «الهجمة اللاسامية» التي تجتاح المجتمع اليهودي، والتي بُنيت على فبركات وتلفيقات وأكاذيب، وفيديوهات ملفّقة كشفت عنها بعض التقارير التي نُشرت في الإعلام غير التقليدي والراديكالي في أمريكا، ما هو إلا جزء من الإستراتيجية الإسرائيلية، لإدارة الحملة الإعلامية في الغرب.

وهذا يأخذنا إلى أنَّ الحُجَّة الصهيونية منذ أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20، كانت تزعم أن أيَّ مقاومة من قبل الشعب الفلسطيني للمستعمرين والمستوطنين اليهود، هي ليست مقاومة ضدَّ الاستعمار، بل هي مقاومة «لا سامية» تستهدف اليهود بصفتهم يهودًا، وكأنَّه لو كان هؤلاء المستعمرون مسيحيين أو هندوسًا أو مسلمين من دولٍ أخرى، لكان الفلسطينيون سيرحِّبون بهم ويتنازلون لهم عن أراضيهم ووطنهم، وأن السبب الوحيد الذي يدفع الفلسطينيين لمقاومة المستعمر، هو كون المستعمر يهوديًّا فقط، وليس كونه مستعمرًا.

إذًا وُظِّفت «اللا سامية» منذ بداية الصهيونية بوصفها أهم حجة للدفاع عن المشروع الاستيطاني. هذه حملة قديمة، استخدمتها الحركة الصهيونية عام 1920 في أحداث النبي موسى في فلسطين، التي قُتل فيها أربعة فلسطينيين وخمسة مستوطنين يهود، وعرَّفَت هذه المقاومة الفلسطينية والتمرُّد الفلسطيني على الاستيطان على أنها «مذبحة لا سامية».

حتى إن بعض الشيوعيِّين اليهود استخدموا هذه الحجة ضد شيوعيين يهود آخرين. ففي عام 1927 وخلال مؤتمر للعصبة المناوئة للإمبريالية في بروكسل بحضور فلسطيني، ومشاركة يهود شيوعيين، بعضهم صهيوني وبعضهم غير صهيوني. اتهم الشيوعيون الصهاينة الشيوعيين الآخرين بأنَّهم «لا ساميِّون!»، فهذه التهمة كانت حاضرة منذ ذلك الوقت المبكر، ليس فقط ضد الفلسطينيين، ولكن ضد اليهود المناهضين للصهيونية أيضًا.

لكن ما هو مهم على مستوى الإستراتيجية الإسرائيلية، هو التحوُّل الذي حصل في هذه الإستراتيجية الإعلامية عام 1972، ففي العام ذاته، كان وزير الخارجية الإسرائيلي أبا إيبان، قلقًا جدًّا من تبنِّي بعض الأوساط الراديكالية البيضاء فيما كان يسمَّى بـ«اليسار الجديد» في الولايات المتحدة، خطاب نقد شديد للسياسات الإسرائيلية، لا سيما الاحتلالية في الأراضي المحتلة بعد عام 1967، وكان هناك مؤتمر أمريكي للجنة يهودية أمريكية عقد في القدس عام 1972، وقدم فيه أبا إيبان الإستراتيجية الجديدة، ألا وهي القول بأن العداء للصهيونية اليوم هو «اللا سامية الجديدة» عند اليسار.

Embed from Getty Images

أبا إيبان، سياسي إسرائيلي عملَ وزيرًا للخارجية (1966-1974) وتقلَّد مناصب وزارية أخرى، ويظهر في الصورة ممسكًا بالمايكروفون في خطابٍ له في الأمم المتحدة

بمعنى أن «اللا سامية» كانت تعد أيديولوجية اليمين الأوروبي والأمريكي الأبيض، لكنَّه أصرَّ على تعريف المناهضة للصهيونية عند بعض أوساط اليسار الأبيض على أنَّها «اللا سامية الجديدة»، وأصرَّ أنَّ على المدافعين عن إسرائيل الإصرار على أنَّ هذه الحركات المناهضة للصهيونية، هي حركات لا سامية، وأصرَّ أيضًا على نقد اليهود الرافضين للصهيونية ووصفهم بأنهم «يهود كارهون للذات»، وقد وصف آنذاك نعوم تشومسكي وأي إف ستون، المثقَّفَين اليهوديين الأمريكيين، اللذين ينتقدان إسرائيل بهذا الوصف.

وهنا مهم أن نشير إلى أنَّ تشومسكي وأي إف ستون هما من «ناقدي» إسرائيل، ولم يكونا أبدًا من مناوئيها، فحتَّى اليوم تشومسكي ليس من المناوئين لإسرائيل بل من «النقَّاد الحادِّين» لبعض سياساتها الاستعمارية.

بدأت هذه الإستراتيجية كما أسلفنا عام 1972، من قبل الحكومة الإسرائيلية، بتعريف أي نقد لإسرائيل بأنه «لا سامي» بوصفها إستراتيجية دفاع أساسية عن أي ممارسات استعمارية ترتكب في فلسطين، ونجد أنَّ حِدَّة هذا القلق في إسرائيل والولايات المتحدة ازدادت مثلًا في عام 2007، لا سيما بعد انضمام أعداد أكبر من المثقفين اليهود إلى حملة التنديد بالصهيونية، وعبَّر ديفيد هاريس، المدير التنفيذي للجنة اليهودية الأمريكية آنذاك، عن قلقه الشديد من انضمام بعض اليهود الأمريكيين لما عده «حملةً للتنديد بالصهيونية»، ودعا لبلورة إستراتيجية جديدة وإن كانت مُكمِّلة لإستراتيجيات آبا إيبان سالفة الذكر، للدفاع عن الممارسات الاستعمارية والاستيطانية الإسرائيلية في فلسطين.

ونجد أنه في عام 2016، قررت إسرائيل والمعتذرين والمدافعين عنها في الغرب أن يبدأوا حملة جديدة أطلقها «التحالف الدولي لذكرى المحرقة»، الذي جعل «التشكيك في حق إسرائيل في الوجود» مرادفًا «للا سامية».

وهكذا نجد أنَّ طريقة تعامل الحكومة الإسرائيلية مع الإعلام الغربي، هي نفسها كما كانت دائمًا؛ اتهام أيِّ مُناهض للسياسات الإسرائيلية الاستعمارية والاستيطانية بمعاداة السامية، واعتبار أن أيَّ انتقاد يوجَّه لإسرائيل، يُعد هجومًا على «يهوديتها» وليس على سياستها الاستعمارية، كما قلت فإنَّ تهمة «معاداة السامية» حجر الأساس في الدفاع عن الحركة الصهيونية منذ وجودها، ولم تزل حجر الأساس في الدفاع عن إسرائيل على مستوى العلاقات العامة وفي الدعايات الخارجية.

ويمكن أيضًا استخدام بعض الحالات النادرة من قيام بعض اللا ساميين الأوروبيين أو الأمريكيين باستخدام بعض الألفاظ والتعبيرات والممارسات اللا سامية من أجل الترويج لهذه الإستراتيجية، ففي بريطانيا مثلًا، قاد بعض اللا ساميين سياراتهم في حي يهودي، نددوا فيه باليهود وبإسرائيل، وهذا طبعًا عمل لا سامي، ولكن جرى تضخيمه والمبالغة في التعامل معه؛ إذ اعتبر تقريبًا وكأنَّه «مجزرة لا سامية» يجب حماية اليهود منها، وبأن هذا الحدث النادر يمثل حركات التضامن مع الفلسطينيين.

وهنا علينا أن نذكر أنَّ وكالة الأنباء الأمريكية،«أسوشيتد بريس»، طردت صحافية أمريكية يهودية قبل أسابيع، لأنها أعلنت مساندتها للفلسطينيين في بعض تغريداتها على «تويتر».

فحتى اليهودي الأبيض الأوروبي أو الأمريكي الذي يرفض الانصياع لخط الدفاع عن ممارسات وسياسات إسرائيل الاستعمارية؛ يطاله هذا النوع من القمع، بل ربما بشكلٍ أكبر. ويمكن تفسير ذلك بأنَّ اليهود البيض في المجتمعات البيضاء العنصرية لهم مصداقية أكبر مما للفلسطينيين والعرب؛ لذا يصبح هؤلاء اليهود المناهضون للسياسات الإسرائيلية الاستعمارية، مصدر قلق إذا نددوا بممارسات إسرائيل، وعليه يجب التخلُّص منهم سريعًا، كما حصل مع إميلي وايلدر، صحافية الأسوشيتد بريس مؤخرًا.

4- ما الإستراتيجية التي يجب على المؤيدين للقضية الفلسطينية اتباعها كي لا يُتهموا بمعاداة السامية لمجرد رفضهم أو معاداتهم للصهيونية؟ وهل ينبغي لهم دائمًا توضيح أنفسهم بأنهم لا يعادون السامية؟

نحن هنا نتكلَّم عن حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني، من قبل عرب المهجر ومن قبل المجتمعات الغربية وما تضمُّ من أبناء الجاليات المهاجرة من العالم الثالث، بالإضافة إلى جزء من الجيل الأبيض الأكثر راديكالية من أبويه.

ويجب الإشارة هنا إلى أن التنديد بالسياسات الإسرائيلية الاستعمارية لا يختلف عن التنديد بالسياسات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، أو الاستعمار الإيطالي في ليبيا، أو الاستعمار الفرنسي في تونس، أو الاستعمار الفرنسي والإسباني في المغرب، فهذه دول قامت فيها مستوطنات استعمارية.

ليبيا كانت مستعمرة إيطالية جُلِب إليها عشرات الآلاف من المستعمرين الإيطاليين، وقُتِل ثلثا شعبها تقريبًا في الفترة من 1911 وحتى 1930، وكذلك قتلت فرنسا ثلث الشعب الجزائري ما بين 1832 و1870 فقط، هذا غير أعداد القتلى الجزائريين في الفترة من 1870 إلى 1962، وعليه يمكن القول بأنَّ فلسطين لم تكن أبدًا استثناءً للمشاريع الأوروبية الاستعمارية والاستيطانية، بل على العكس، كانت جزءًا من مستعمراتٍ استيطانية أوروبية قامت في الوقت نفسه.

فالمستوطنات الإيطالية في ليبيا قامت بعد 20 أو 30 عامًا من بدء الاستيطان الصهيوني في فلسطين، بينما بدأ الاستعمار الاستيطاني الفرنسي للجزائر قبل نصف قرنٍ من استعمار فلسطين، وبدأ الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في تونس، في وقت متزامن مع الاستعمار الصهيوني في فلسطين، ناهيك عن الاستعمار الاستيطاني في بلاد أخرى غير عربية.

وهنا لا ننسى الولايات المتحدة أو القارة الأمريكية، وأستراليا ونيوزيلاندا، وجنوب أفريقيا وروديسيا وكينيا، وبلادًا أخرى استُعمرت، مثل الجزء الآسيوي من آسيا الوسطى، الذي استعمره القياصرة في القرن التاسع عشر، وأُدخل عليه امتيازات للمستوطنين الروس في تلك الحقبة، ولم تُسحب امتيازاتهم حتى أوائل العشرينيات، بعد قيام الثورة الروسية بقيادة لينين، عندما أُلغيت كل الامتيازات العنصرية للمستوطنين الروس البيض في المناطق الآسيوية، التي أصبحت فيما بعد الاتحاد السوفيتي، ويمكن القول إن الوضع الفلسطيني لا يختلف عن كل هذه الأوضاع، وما يُندَّد به هو السياسة الاستعمارية للقيادات الإسرائيلية.

أنا أصرُّ دائمًا على أن القيادة الإسرائيلية والصهيونية هم «اللا ساميون» في الحقيقة، فمنذ البدء، معظم من وقف مع الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر حتى اليوم، كانوا «لا ساميين» أوروبيين مسيحيين، ولم يكن ذلك توافقًا على سبيل الصدفة، فمؤسس الصهيونية ثيودور هيرتزل وكل من قام على قيادة الحركة الصهيونية من أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم، كتبوا وتحدَّثوا وقرَّروا واستحدثوا الخطط المستمرة على أنَّ بينهم وبين اللا ساميين تحالفًا مستمرًّا. لأن اللا ساميين مثل الصهاينة يطالبون بطرد يهود أوروبا وإعادتهم إلى «بلدهم الأصلي فلسطين»، بحسب ما يدعيه لا ساميو أوروبا.

بل إنَّه يمكنني الجزم بأنَّ الحكومات والقيادات الغربية المدافعة عن إسرائيل والحركة الصهيونية، منذ القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا من اللا ساميين الأقحاح، فالقول إنَّ من يناهض السياسات الإسرائيلية معاد للسامية، يتناسى أنَّ من يقف معها ويدعمها هم اللا ساميون. في الولايات المتحدة اليوم، يوجد جزءٌ كبير من المتشددين البروتستانت أو الإنجيليين التبشيريين الذين يطالبون اليهود باعتناق الدين المسيحي، ويقفون في الوقت نفسه مع إسرائيل ويدافعون عنها، ويُرحِّب بهم اللوبي الإسرائيلي في أمريكا والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ «اللا ساميين» الذين وقفوا ضدَّ إسرائيل، كانوا أقليَّة صغيرة، وكانت الأغلبية كما أسلفنا تدعم إسرائيل، وبالتالي الأغلبية الأكبر ممن وقفوا ضد إسرائيل أو الحركة الصهيونية تاريخيًّا هم من اليسار المعادي للإمبريالية، بل المُعادي أيضًا للاسامية، وهذا يتضمَّن ويشمل أغلبية اليهود الذين عادوا الحركة الصهيونية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، من يهود اشتراكيين، ويهود ليبراليين، وأيضًا يهود محافظين، أجمعوا على أن الصهيونية حركة لا سامية، الأمر نفسه الذي ينطبق على اليهود المتدينين من طائفتي اليهود الأرثوذكس واليهود الإصلاحيين.

وتجدر الإشارة إلى أن الحاخامين اليهوديَّين، لليهود الأرثوذكس والإصلاحيين، في ميونخ الألمانية عام 1897، كتبا عريضة ورفضا إقامة أول اجتماع للكونجرس الصهيوني، الذي أراد هرتزل إقامته في مدينة ميونخ؛ مما اضطر المنظمة الصهيونية العالمية إلى الانتقال إلى مدينة بازل السويسرية عبر الحدود، لإقامة أول كونجرس صهيوني فيها، وجدير بالذكر أن حاخامات اليهود عارضوا الكونجرس الصهيوني، لأنَّهم اعتبروا حركة الصهيونية معادية ليهود أوروبا، وهناك أمثلة لا تعد ولا تحصى على مواقف العديد من طوائف اليهود المعادية للصهيونية.

/
صورةٌ للكونجرس الصهيوني الأول في مدينة بازل، في سويسرا عام 1897. مصدر الصورة: ويكيبيديا

ومنهم على سبيل المثال أكبر طائفة يهودية أرثوذكسية من الحسيديم في الولايات المتحدة، طائفة «الساتمار» التي تصل إلى 100 ألف يهودي أرثوذكسي، ومناوئة لإسرائيل وتتظاهر ضدها، وتصر على أن إسرائيل لا تتكلم باسم اليهود.

فالمشكلة هنا تكمن في «لا سامية» الحركة الصهيونية، فإسرائيل تصرُّ على أنها دولة يهود العالم وليست دولة الإسرائيليين، وأنَّ حقها في إقامة دولتها الاستعمارية الاستيطانية منبثقٌ من حقِّها في الدفاع عن «يهود العالم»، وبالتالي إسرائيل ترفض أن تقول إن الدولة الإسرائيلية هي نتاج إنجازات الحركة الصهيونية التي لم تُمثِّل في تاريخها يهود العالم، ولم تُنتَخَب من يهود العالم، ولم تُعطَ أي شرعية من يهود العالم كي تُمثِّلهم، بل اختيرت من القوى اللا سامية الأوروبية، لتمثل يهود العالم.

وهنا يجب أن نتذكر وزير الخارجية أرثر بلفور الذي أصدر «وعد بلفور» في عام 1917. كان قد اتُّهم بأنه بروتستانتي تبشيري لا سامي، وهو الرجل نفسه الذي أصر – حين كان رئيس وزراء بريطانيا عام 1905 – على استصدار قانون من البرلمان البريطاني، يمنع يهود أوروبا الشرقيين من الهجرة إلى بريطانيا، وعرَّفهم على أنهم «مهاجرون شريرون» واتهمه الصهاينة آنذاك بأنه معادٍ للسامية، ويمكن القول بأن المحرِّض الأكبر على «وعد بلفور» كان الرفض الكبير لهجرة يهود أوروبا الشرقية إلى بريطانيا، وهنا قدم هرتزل وقيادات الحركة الصهيونية الحل بالحث على إنشاء مستعمرة استيطانية في فلسطين بمساعدة بريطانيا.

لذا عندما تقول إسرائيل إن دولتها «إنجاز يهودي» فهذا تصريح «معادٍ للسامية»، ويجب التنديد بإسرائيل لأنها دولة لا سامية، فهي تقول إنَّ إنجازاتها إنجازات يهودية، وأنها أُنشِئت باسم الشعب اليهودي، ما يعني أنها تقتل الفلسطينيين باسم الشعب اليهودي وأنَّ جرائمها مثل إنجازاتها: يهودية.

لكننا لا نقول هذا؛ بل نقول إنّ الجرائم التي ترتكب في حق الفلسطينيين، لا يرتكبها الشعب اليهودي، بل إن الحكومة الإسرائيلية هي المسؤولة عن هذه الجرائم، فالدولة الإسرائيلية إنجاز الحركة الصهيونية، وليست إنجاز الشعب اليهودي، وجرائمها وكل ما تقوم به، تقوم به باسم الاستعمار الصهيوني، وادعاؤها بأنها تقوم به باسم الشعب اليهودي هو اللاسامية بعينها.

نحن نرفض ادَّعاءاتها اللا سامية، ونقيِّمها كما نُقيِّم كل الحكومات الاستعمارية التي استعمرت وأقامت مستوطنات عبر العالم منذ القرن السادس عشر وفي العالم العربي منذ القرن التاسع عشر، ومن هنا تأتي حججنا المتماسكة بأننا نحارب الحركة الصهيونية، بوصفها حركة استعمارية استيطانية وليست لأنها حركة يهودية.

5- سُربت ورقة داخلية لشبكة «DW» (دويتشه فيله) الألمانية تكشفُ فيها الشبكة رقابةً على مراسليها في كيفية تغطيتهم للحرب في فلسطين؛ إذ تمنع وصف إسرائيل بنظام الفصل العنصري «الأبارتايد» أو استخدام كلمات مثل «الاستعمار/ استعماريون»، رغمَ أنَّ وسائل الإعلام الألمانية عادةً ما يُضرب بها المثل في الحيادية والموضوعية، بعيدًا عن الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية. والسؤال المطروح هنا: كيف يمكن تفسير تغيُّر العديد من الأشياء في ألمانيا؟ وهل عقدة الذنب التي يحملها الألمان تجاه إسرائيل لم تزل تُحدِّدُ طريقة رؤيتهم للعالم؟ وما الذي يجعل ألمانيا دائمًا غير قادرة على التفريق بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية؟

في البداية دعني أقول إنَّني لا أوافقك الرأي بأنَّ الصحافة الألمانية حرة أو حيادية، فهي صحافة أوروبية، أجزاء منها ليبرالية عنصرية، وأخرى محافظة عنصرية مثلها مثل الصحافة الأمريكية والأوروبية التي يسيطر عليها بيض أوروبا والولايات المتحدة.

أما الورقة الداخلية التي سُربت مؤخرًا من داخل شبكة «دويتشه فيله» فجاءت بعد استضافة للصحافي الفلسطيني علي أبو نعمة في مقابلةٍ تلفزيونية، ندَّد فيها السيد أبو نعمة بالسياسات الألمانية تجاه الشعب الفلسطيني، ما اضطر المحطَّة إلى إزالة المقابلة والتنديد بها ومحاولة تشويه سمعة الصحافي الفلسطيني، واتهامه بأنَّه معاد للسامية لمجرد أنه انتقد إسرائيل، وجدير بالذكر أن ألمانيا من الدول التي اعتمدت تعريف «اللا سامية» الذي ذكرناه سابقًا وصدر عام 2016.

مقابلة علي أبو نعمة مع القناة الألمانية

وهذا ليس غريبًا، ألمانيا إلى جانب بريطانيا وفرنسا من أكثر الدول عنصرية في القارة العجوز ضد العرب، وخاصَّة الفلسطينيين، وهذه العنصرية الألمانية الإمبريالية، جزءٌ لا يتجزَّأ من الثقافة السياسية الألمانية منذ القرن التاسع عشر.

يجب هنا ألا ننسى، الدور الألماني في استعمار فلسطين، فقد كان هنالك حوالي ألفي مستوطن ألماني من البروتستانت الألمان البيض الإنجيليين التبشيريين، والذين عرفوا باسم «الهيكليون»، أتوا في خمسينيات القرن التاسع عشر وبقوا في فلسطين إلى أن طردهم البريطانيون، وفيما بعد طردهم الصهاينة في منتصف القرن العشرين.

وقد أقام هؤلاء المستوطنون العنصريون عِدَّة مستوطنات في فلسطين خلال محاولتهم إقامة دولة مسيحية تبشيرية لم يوافها الحظُّ، لكنهم مثلًا جلبوا البحرية الألمانية مرَّتين على الأقل في منتصف القرن التاسع عشر والربع الأخير منه، للدفاع عنهم تخوُّفًا من مقاومة الفلسطينيين لمستعمراتهم. إذن هنالك استعمار ألماني مسيحي بروتستانتي عنصري منذ القرن التاسع عشر، وكان جزءًا لا يتجزأ من الأيديولوجيا الإمبريالية في ألمانيا الموحدة على يد بيسمارك.

 

/
صورةٌ لمستعمرة ألمانية في حيفا، فلسطين. مصدر الصورة: ويكي ميديا

وفي السياق الاستيطاني الألماني نفسه، يجب ألا ننسى، أنه في ثمانينيات القرن التاسع عشر، كان هناك مشروع مهم للاستيطان المستمر في الأجزاء البولندية من ألمانيا الموحدة، والتي كانت ألمانيا قد استحوذت عليها في نهاية القرن الثامن عشر، لا سيما وأن بيسمارك، كان يقول إنه يتمنى لو يستطيع إبادة الشعب البولندي من أجل إرساء الاستعمار الاستيطاني الألماني في هذا الجزء المحتل من بولندا، والذي كان جزءًا لا يتجزأ من ألمانيا الموحدة بعد توحيدها على يد بيسمارك.

كذلك في أفريقيا، كان هناك حضور للاستعمار الاستيطاني الألماني في تسعينيات القرن 19، وأوائل القرن 20. في تنجانيقا (تنزانيا الحالية) حيث أودى الاستعمار الاستيطاني الألماني بحياة حوالي 300 ألف أفريقي، وفي جنوب غرب أفريقيا (ناميبيا) أودى بحياة 100 ألف ناميبي بين عامي 1904 و1907. وقد تقدمت حكومة ألمانيا البيضاء التي يسيطر عليها البيض المسيحيون منذ أسبوع تقريبًا باعتذار بعد أكثر من 100 عام وعقد من الزمان، عما اقترفته أيديها في ناميبيا (جنوب غرب أفريقيا)، دون الإشارة من قريبٍ أو بعيد إلى المذابح والمجاعات التي تسببوا فيها بالفترة نفسها في تنجانيقا التي اتحدت مع جزيرة زنجبار عام 1964، وصارت ما يعرف اليوم بدولة تنزانيا.

فإن كان الألمان يريدون القول الآن بأنهم لم يكونوا عنصريين، ولم يتسببوا في إبادة الشعوب إلا بعد استلام النازيين مقاليد الحكم، وإنَّ هذه العنصرية كانت عنصرية الحزب النازي؛ فإنَّ تاريخ مشروعها الاستعماري العنصري ضد الشعوب غير البيضاء وغير المسيحية يقول غير ذلك. عنصريَّة ألمانيا متأصلة في الثقافة السياسية الألمانية منذ توحيد ألمانيا عام 1870 وحتى اليوم، والتي كانت مقدمة لعنصريتها النازية لاحقًا تجاه اليهود والصقالبة (البولنديين) وشعب روما (ما يعرف بشعب الغجر) الذي قتل منه نصف مليون شخص في المعسكرات النازية التي أبيد فيها حوالي 13 مليون شخص، 6 ملايين منهم من اليهود و7 ملايين من الشيوعيين والصقالبة وشعب روما.

وبرغم كلِّ هذه المجازر التي أشرنا إليها وارتكبتها ألمانيا الاستعمارية، لا يبدو أنَّ الألمان، ولا سيما الغربيون منهم في ألمانيا الغربية منذ عام 1945 وحتى إعادة توحيد ألمانيا عام 1990، نادمون إلا على قتل يهود أوروبا! ولم نجد منهم أيَّ نوعٍ من الندم أو الحزن على قتل شعب روما أو البولنديين أو حتى الشيوعيين، أو قتلهم 25 مليون سوفيتي بعد اجتياحهم لهم عام 1941. إذن ماذا حصل، ولماذا عبَّرت فورًا السياسة الألمانية بعد الحرب مباشرة عن هذا الشعور بالندم تجاه قتل اليهود؟

سياسة

منذ 6 سنوات
حين تقتل 10 ملايين إفريقي لا يدعوك أحد «هتلر»

هذا طبعًا بدأ في الخمسينيات، لأنَّه كان هنالك تحوُّلٌ مهمٌّ في الغرب، بعد الحرب العالمية الثانية، يقتضي بإعادة تعريف اليهود الأوروبيين الذين قُتِلُوا والذين نَجَوا من هذه المحرقة على أنهم أوربيون بيض، مثلهم مثل المسيحيين، وذلك لأنهم صُنِّفوا في أثناء قتلهم على يد الحزب النازي بأنهم «غير أوروبيين».

وهنا لا ننسى أنَّ معظم من تبوأ مقاليد الحكم بعد الحرب في ألمانيا الغربية من قبل الأمريكيين، كانوا من أعوان النازية أصلًا، بل مسؤولين في الحكومة النازية، كما أنَّ المُعلِّمين الذين كانوا يُدرِّسون كراهية اليهود، أُعيدوا إلى مدارسهم، حتَّى إن القُضاة الذين أسَّسوا محاكم الاتحاد الأوروبي في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات كانوا نازيين، بحسب ما بيَّن المفكر البريطاني بيري أندرسون مؤخرًا في دراسته عن تأسيس الاتحاد الأوروبي.

هنا وجب التوضيح بأن كلَّ الطبقة المتعاونة مع الحزب النازي، من أعضاءٍ في الحزب والمتعاطفين معه وكذلك الساسة الذين قدَّموا الخدمات له؛ هم من أُعيدوا لاحقًا إلى سدة الحكم في ألمانيا بعد الحرب.

ومن هنا جاء التحوُّل الجديد المهم، هو إدراكهم المفاجئ أن اليهود الذين قتلوهم أثناء الحرب، كانوا أوروبيين، بخلاف اعتقادهم السابق أثناء الحرب من أن هؤلاء اليهود ليسوا أوروبيين بيض، ولذلك كانوا يستحقون القتل والإبادة!

هذه اللحظة الإدراكية الحاسمة، جعلتهم يندمون ويبدأون في التعبير عن هذا الندم، وإعادة تعريف ضحايا المحرقة اليهود بأنَّهم «بِيض»، ولكن لم نسمع في الخمسينيات نفسها عن الشعور بالندم الألماني على قتل الشعب الناميبي أو التنجانيقي مثلًا، أو حتى التعبير بالحزن عن قتلهم للسوفيت.

على جانب آخر، هناك مفارقة مُهمَّة، وهو تصدير فكرة «اليهود البيض ضحايا المحرقة» في الدعاية الأوروبية والأمريكية بما فيها أفلام هوليوود التي تصوِّر الضحايا اليهود على أنهم جميعًا من الطبقة الوسطى، ويبدون مثل البيض الأوروبيين شكلًا، وعلمانيين، يعزفون على آلة البيانو وبالتالي «يستحقون الحياة».

المقطع الترويجي لفيلم «عازف البيانو – The Pianist»، ويحكي الفيلم قصة عائلة يهوديَّة وتجربتها مع الهولوكوست، وبطلُ الفيلم أحد أفراد العائلة، عازفُ بيانو محترف

بينما الحقيقة أن معظم اليهود الذين قُتلوا في المحرقة على يد النازيين كانوا من يهود أوروبا الشرقية، من اليهود المتدينين الفقراء، الذين لهم ملابسهم الخاصة وطقوسهم المختلفة والتي لا تتشابه مع حياة الأوروبيين البيض، الأمر الذي كان سيعود بردة فعل مختلفة من الأوروبيين في حال جرى تقديم الصورة الحقيقية عن الضحايا، وأن هؤلاء المختلفين الذين لا يشبهوننا «يستحقون القتل».

لذا يجب دائمًا تصويرهم على أنهم يشبهون البيض، يتكلَّمون عدة لغات ويعزفون الآلات الموسيقية الغربية، وعلمانيون، شأنهم شأن المسيحيين البيض، فيُفجع على إبادتهم وقتلهم شعب أوروبا.

وهنا يجب علينا الاستشهاد بالشاعر المارتينيكي إيمي سيزير، الذي كتب كتيبًا بعنوان «خطاب عن الاستعمار – Discourse on Colonialism» والذي قال فيه إن الشعور بالفزع وفظاعة الجريمة التي ارتكبها النازيون في أوروبا، كانت فقط لأنهم عاملوا أوروبيين كما يُعاملون الأفارقة والآسيويين، وبالتالي ليست المشكلة أو الندم على الجريمة بسبب الجريمة نفسها؛ إذ لم تزل تلك الجرائم تُرتكب ضد الأفارقة والآسيويين حتى يومنا، ولكنَّ المشكلة هنا، أنها ارتُكبت تجاه أوروبيين بيض مثلهم، وهذا ما يستوجب شعورهم بالندم والتطهُّر.

ومن هنا لن نتعجَّب إذا عرفنا أن النصب التذكاري للمحرقة اليهودية المقام في العاصمة الألمانية برلين منذ عقدين من الزمان، شارك في تمويله مثلًا، شركة «ديجوزا – Degussa AG والتي أصبحت حاليًا «إيفونيك إندستريز – Evonik Industries»، وهي إحدى الشركات المتفرَّعة من الشركة الأم، التي كانت تُصنِّع غاز الزيكلون، الذي استخدم في أفران الغاز لقتل اليهود في معسكرات الاعتقال النازية، فهذه الشركة عندما اكتشفت أنها شاركت في «قتل أوروبيين بيض» عن طريق تصنيعها للغاز، أعلنت ندمها وموَّلت هذا النصب التذكاري.

النخبة الثقافية والطبقة السياسية في ألمانيا، لا تخجل أبدًا من نفسها ومن نفاقها المستمر في ادعائها أنها تشعر بالخجل مما قامت به ألمانيا النازية من جرائم ضد اليهود، مقارنة بعنصريتها تجاه الشعب الفلسطيني أو حتى ما ارتكبته ألمانيا في حق «شعب روما». فحتى في فرنسا يعاني «شعب روما» أو ما يعرف بـ«الشعب الغجري» من العنصرية والتعرُّض للضرب ومحاولات طردهم من فرنسا لأنهم لا يستحقون العيش فيها بالرغم من أنهم أيضًا من الناجين من المحرقة، الأمر الذي يوضِّح التفاوت الكبير في التعامل الحكومي وحتى الشعبي مع اليهود الناجين من المحرقة، وغيرهم من الناجين الآخرين مثل «شعب روما».

لذا يمكن القول بأنَّ هذا هو السبب في الاعتذار والندم الألماني، لا الشعور بالذنب. ألمانيا «لا تشعر بالذنب» . ألمانيا وقفت قبل أسابيع قليلة ضدَّ تبنِّي مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، إقامة لجنة تحقيق دائمة للوقوف على جرائم حقوق الإنسان والجرائم العنصرية التي تُرتكب في حق الشعب الفلسطيني.

ففي الوقت نفسه الذي اعتذرت فيه ألمانيا عن إبادتها 100 ألف مواطن ناميبي (80% من شعب الهيريرو و60% من شعب الناما) أثناء احتلالها لها، تستميت دفاعًا عن المذابح الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، الأمر الذي يعكس ويُبرز النفاق والعنصرية الألمانية.

6- بعد هذا الشرح المستفيض للموقف الألماني وخلفية ألمانيا الاستعمارية، نريد الانتقال إلى موقفٍ آخر، يمكن أن نشير إليه بأنَّه أكثر المواقف تشددًا ضد الحقوق الفلسطينية والتعاطف مع الفلسطينيين. إذ حظرت السلطات الفرنسية التظاهرات المناصرة للفلسطينيين في باريس واعتبرتها تشكِّل «مخاطر إخلال بالأمن العام»، فما تفسيرك لهذا الموقف؟ وما رؤيتك لعلاقة «فرنسا ماكرون» بإسرائيل؟ 

قبل الشروع في تفسير الموقف الفرنسي، دعونا نشير أولًا إلى أنَّ ألمانيا هي الأخرى، حظرت وقَمَعَت الكثير من المظاهرات الداعمة للفلسطينيين كما فعلت أمريكا وكندا، وحتى الجيش اللبناني الذي منع توافد بعض الفلسطينيين إلى الحدود مع المستوطنات الصهيونية، واعتدى عليهم بالضرب والدوس على العلم الفلسطيني داخل أحد مقرات الاستجواب الخاصة بالجيش اللبناني.

عدا ذلك، كان هناك الكثير من القمع على المستوى المؤسساتي في فرنسا على مدى عدة سنوات تسبق ماكرون الذي انتهج الخط نفسه في التعامل مع القضية الفلسطينية. فرنسا من الدول الـ«لا سامية» الأوروبية المركزية، وهنا يجب أن نذكر أنَّ أول قائد أوروبي في العالم، نادى بطرد اليهود من أوروبا وإبعادهم إلى فلسطين، كان نابليون بونابرت، إبان حملته على مصر، واجتياحه فلسطين في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن 19، وارتكابه مجازر في قرى ومدن فلسطين، ومن ثم إعلانه خلال حصار مدينة عكا، ينادي بأن «فلسطين يجب أن تعود إلى يهود أوروبا» وذلك قبل هزيمته على يد أحمد باشا الجزار والقوات العثمانية.

ويمكننا القول إنَّ نداء بونابرت هذا لم يأتِ من فراغ، فقد كان هناك الحملة البروتستانتية الأوروبية منذ القرن السادس عشر وحركة الإصلاح البروتستانتية التي نادت بعودة يهود أوروبا إلى فلسطين، بوصفهم منحدرين من العبرانيين الفلسطينيين، وبناءً على هذا القول العنصري وغير الحقيقي – لأنَّ أغلبية يهود أوروبا هم أوروبيون اعتنقوا الدين اليهودي ولم ينحدروا من العبرانيين – يجب عودة يهود أوروبا إلى فلسطين، واعتناقهم المسيحية، للتعجيل بالمجيء الثاني ليسوع المسيح.

هذه الفكرة الدينية التي أنشأتها حركة الإصلاح البروتستانتية، في القرن السادس عشر، توسَّعت بين القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر على مستوى العلوم اللغوية والعلوم البيولوجية، واعتبر اليهود عرقًا بيولوجيًّا، ينحدر من العبرانيين.

وجدير بالذكر أنه في القرن الثامن عشر، كان لدى كثرة من المثقفين الفرنسيين البروتستانت «Huguenots»، كتابات كثيرة تنادي بإعادة يهود فرنسا إلى فلسطين، وهو الأمر الذي انعكس على أفكار نابليون بونابرت وإعلانه الذي ذكرناه سابقًا، وفي السياق نفسه، نذكر أنه بعد عودة بونابرت بعد هزيمته في فلسطين؛ اجتمع بكبار زعماء اليهود في فرنسا، للتفاهم معهم حول تساوي حقوقهم مع الفرنسيين المسيحيين، وسألهم عن ممارستهم لتعدد الزوجات كما في الدين اليهودي، فأعلنوا أنهم توقفوا عن هذه الممارسة، وأنهم مثل المسيحيين الفرنسيين لا يتزوجون إلا واحدة، وأكدوا له زواجهم من مسيحيات، وأنهم على استعداد لحمل السلاح دفاعًا عن وطنهم فرنسا.

وبعد استسلام اليهود الفرنسيين لهذه الإيديولوجيا النابليونية، تقرر أن يُعاملوا على درجة من التساوي مع الفرنسيين المسيحيين، وإن كانت حملة «عودة» اليهود إلى فلسطين، قد تجلت مرة أخرى، بعد هذا اللقاء بحوالي 30 عامًا، إبان حكم ابن أخ نابليون لفرنسا، نابليون الثالث، والدعوة لإنشاء مستعمرة استيطانية في فلسطين لليهود، بمساعدة الإمبريالية الفرنسية. 

ومن هنا يمكن القول بأن الفكر الصهيوني كان متأصلًا دائمًا في الفكر الفرنسي، على الرغم من أنَّ أغلب يهود فرنسا في القرن 19، كانوا رافضين للصهيونية ومناهضين لها، ما أدى إلى التنديد والتعريض بهم بشكل عنصري من قبل ثيودور هرتزل، الذي اتهمهم بأنهم كارهون للذات، وأنهم فرنسيون لا يهود، وأن هذا المشروع – احتلال فلسطين وبناء دولة استعمارية استيطانية – ليس ليهود فرنسا، بل ليهود أوروبا الشرقية.

/
لوحة تصوّر نابليون بونابرت في القاهرة. مصدر الصورة ويكيبيديا

وكل ما سبق، يوضِّح تاريخ فرنسا والصهيونية، فقد كانت فرنسا من أوائل الدول التي استشيرت في «وعد بلفور»، وأصبح رئيس وزرائها ليون بلوم، اليهودي الاشتراكي، الذي ساهم وساند إرساء الفكر الاستعماري الاستيطاني حول العالم بما فيها فلسطين، وتعاونه مع رئيس الوزراء البولندي «اللا سامي» في ذلك الوقت على تهجير يهود بولندا إلى جزيرة مدغشقر (المستعمرة الفرنسية التي احتلها النازيون بعد احتلالهم لفرنسا إبان الحرب العالمية الثانية) وهو المشروع الذي تبناه النازيون حتى عام 1942، قبل قرار هتلر إبادة اليهود عوضًا عن تهجيرهم.

منذ عام 1948 وحتى عام 1967، كانت فرنسا أهم حليف غربي لإسرائيل، وقد أمدَّتها بالكثير من الأسلحة، وهي من أنشأت لها مفاعلًا نوويًّا (مفاعل ديمونة) مكافأةً على مشاركتها في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، بعد تفاهم شيمعون بيريز مع رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك على المشاركة في العدوان مقابل المفاعل.

وهنا يجب أن نتذكَّر أن الدولتين الاستعماريتين (فرنسا وإسرائيل) كانتا تتعاونان على قمع الشعبين الفلسطيني والجزائري في الإستراتيجيات الناجعة لمقاومة الاستعمار، وهو ما قامت عليه هذه العلاقة التعاونية، علاوة على المناورات بين القوات الإسرائيلية الفرنسية في الجزائر نفسها. وعندما نالت الجزائر استقلالها عام 1962 تغيَّر الوضع إلى حدٍ ما، إلا أن العلاقة بين شارل ديجول وإسرائيل أصيبت بفتور بعد حرب 1967، وعندها تقدمت الولايات المتحدة لتكون الشريك الأهم الذي استبدلته إسرائيل بفرنسا.

اختلف الوضع بعد ذلك، بسبب الحكومات الفرنسية الاشتراكية المتعاقبة، والتي تبنت الفكر الليبرالي الرافض لبعض الممارسات الإسرائيلية الإجرامية، وظل قائمًا حتى الثمانينيات، إلى أن انهار الاتحاد السوفيتي والجناح الاشتراكي الأوروبي، فعاد الفرنسيون إلى اعتناق الفكر اليميني، والفكرة الصهيونية اليمينية، والذي تصادف مع تنامي العنصرية الفرنسية تجاه مسلمي فرنسا الأفارقة والعرب، واعتبار القضية الفلسطينية جزءًا لا يتجزأ من محاربة فرنسا لهذه «الجحافل» من غير البيض. وعليه، يصبح ماكرون تتمة لهذا الفكر، ويشرب من معين هذه العنصرية الصهيونية التي أسس لها منذ القرن 18 في فرنسا.

المحور الثاني: العرب والمعركة

1- كتبَ بعض  المثقفين والليبراليين العرب مقالاتٍ تحاول، بحسب رأيهم، رؤية «الوقائع» بدلًا عن الانجرار وراء «الأوهام»، واستبطنت رؤاهم نقدًا لاذعًا للمقاومة وركزوا على الخسائر البشرية الكبيرة جدًّا. كيف ترى وتقيِّم هذا الاشتباك من بعض الكتَّاب العرب مع الأحداث؟

هذا التيار لا سيما في السياق الفلسطيني، بدأ في الصعود في أواخر الثمانينيات إبان الانتفاضة الأولى، حين أصبح نشاط المقاومة الفلسطينية من المهجر. كانت منظمة التحرير عنوان هذه المقاومة، حتى هزيمتها في حرب لبنان وإبعادها عن المناطق الحدودية مع فلسطين واعتناق المنظور والفكر البراجماتي من قِبَل مثقَّفِي الشتات داخل منظمة التحرير، وثُلَّة من المثقفين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية في ذلك الوقت، والتخلي عما بات يُعرف بـ«اللغة الخشبية القديمة».

وقد نُشرت في ذلك الوقت، دراسة أعدها سوسيولوجي فلسطيني أجرى عِدَّة مقابلات واستفتاءً لبعض المثقفين الفلسطينيين الذين نشأت لديهم هذه اللغة البراجماتية، التي لا تقوم على التحرير، بل على التسوية. لا على الشعارات الثورية، بل على اللغة البراجماتية وتحصيل ما يمكن تحصيله. وذلك المعجم الجديد من المفردات جرى إدخاله واعتماده بالتزامن مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وصعود النيوليبرالية، والإمبريالية الأمريكية، بوصفها القطب الأوحد الذي يحكم العالم.

وكذلك ظهور الأفكار الجديدة حول نهاية عهد الثورات الاشتراكية أو المعادية للإمبريالية، وانتهاج النهج الليبرالي القائل إنَّ المشكلة ليست في الاستعمار أو الاستيطان، بل في عدم إجراء انتخابات حرة، وإلى آخره من هذا القبيل.

وعليه، وبناءً على هذه المفردات الجديدة التي تبناها هؤلاء المثقفون، من «تسوية» و«مفاوضات» يمكن الحصول من خلالها على ما يُعرف بـ«الدولة الفلسطينية». وطبعًا كان هذا شيئًا غريبًا، لأنه ولأول مرة في تاريخ الشعب الفلسطيني، تجد جزءًا من الشعب، وتحديدًا بعض مثقفي منظمة التحرير والكثير من مثقَّفِي الضفة الغربية، يعلنون أنهم مستعدون للتنازل التام عن حقوق الشتات الفلسطيني، وعن الحقوق الوطنية لفلسطينيي الداخل المحتل مقابل أن تمنحهم إسرائيل «دولة». وكانت هذه سابقة مهمة نتيجة صعود هذا الخطاب الليبرالي الذي تغنَّى به كثيرون من مثقفي السلطة فيما بعد ومثقفي منظمة التحرير الذين «عادوا» مع العائدين مع عرفات وسلطة المرتزقة التي أسسها في غزة ورام الله.

وهي سابقة لم تُعرف من قبل؛ إذ لم نسمع أنَّ المواطنين الفلسطينين في إسرائيل عرضوا عليها أن تعطيهم حقوقًا وطنيةً متساوية مع اليهود مقابل التخلِّي عن المطالبة بحقوق فلسطينيي الضفة الغربية في التحرير والتخلُّص من الاحتلال أو مقابل حق فلسطينيي الشتات في العودة.

ولم نسمع أبدًا أن فلسطينيي الشتات يطالبون بحق العودة مقابل عدم منح فلسطينيي الداخل المحتل أي حقوق متساوية وطنية. فما قام به مثقفو منظمة التحرير في الضفة والشتات بالتنازل عن حقوق معظم الشعب الفلسطيني يُعد تكريسًا للطرح الإسرائيلي بأن الشعب الفلسطيني يقتصر فقط على قاطني الضفة وغزة.

وقد ساعد هذا الخطاب، خطابٌ سابقٌ عليه، هو خطاب ثلة من «المثقفين الساداتيين – نسبةً للسادات» في مصر، والذين نادوا بأنَّ مفاوضات السادات قد حرَّرت سيناء، وعلى الفلسطينيين أن ينتهجوا النهج ذاته، وأنَّ محاولات تحرير فلسطين، محاولات واهية، تعود إلى عهودٍ خشبية عفا عليها الزمن ومضى.

ومن هنا نرى أن هذا الخط، بدأ في «مصر السادات»، ثم أكمله بعض فلسطينيي الداخل وبعض فلسطينيي الخارج المرتبطين بمنظمة التحرير بعد الانتفاضة الأولى، في محاولة لإجهاضها والاستفادة منها على حدٍ سواء.

وكل هذا الخطاب مبني على رفض مقاومة الإمبريالية، فالحديث عن الإمبريالية كان يُصور على أنه عهدٌ بائد، وكأن الإمبريالية انتهت، بينما ما انتهى هو الاتحاد السوفيتي غير الإمبريالي، الذي كان يسعى للهيمنة بالطبع، ولكن بسياساتٍ مُهيمنة مختلفة تمامًا عن الإمبريالية الغربية القائمة على قمع الشعوب وسرقتها ونهب ثرواتها. والغريب أنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، اعتبر الليبراليون العرب أن الإمبريالية انتهت، وليس هناك حاجة لمقاومة الإمبريالية.

ومن هنا يتَّضح رفضهم لأي نوعٍ من المقاومة، وإن كانوا أحيانًا يقبلون بـ«المقاومة السلمية»، ولا أعرف حقيقةً لماذا المقاومة السلمية فقط هي المقبولة لديهم؟ هل خوفًا من العنف مثلًا؟

عنف الاحتلال والإمبريالية مستمر، والولايات المتحدة قتلت حوالي 25 مليون شخص حول العالم منذ عام 1945، ومن الغريب القول بعدم وجود عنف إمبريالي يستدعي مجابهته بمقاومة عنيفة لرد هذا العنف.

الثورة الفلسطينية الكبرى مثلًا، بين عامي 1936 و1939، قامت بمقاوماتٍ بطولية ضد الاحتلال البريطاني والاستيطان اليهودي، ولكن في ذلك الوقت، حارب هذه الثورة الليبراليون الفلسطينيون وطبقة أصحاب رأس المال والأراضي والممتلكات من الفلسطينيين، وهنا نذكر مثلًا فخري النشاشيبي وفخري عبد الهادي، وإنشاءهم في ذلك الوقت لما سُميَّ بـ«فصائل السلام»، التي كانت ميليشيات فلسطينية مرتزقة، ممولة بريطانيًّا وصهيونيًّا ومدربة لمحاربة الثوار الفلسطينيين، لا سيما بعد عام 1938. وفي الحقيقة السلطة الفلسطينية ما هي إلا «جوقة» جديدة من «فصائل السلام» التي أقامها الخونة القدماء: النشاشيبي وعبد الهادي اللذان اغتالهما وطنيون فلسطينيون في أوائل الأربعينيات.

هذا الرفض للمقاومة مبني على فكرة أنَّ القبول بإسرائيل أمرٌ براجماتي، وأن الاعتقاد بإمكانية زوالها ضربٌ من الخيال، وهذا هو ما قاله الفكر الليبرالي في الثمانينيات والتسعينيات بشأن المستعمرة الاستيطانية البيضاء في جنوب أفريقيا.

أودُّ هنا أن أذكر المفكر اليهودي الأمريكي نعوم تشومسكي، والذي ينادي مثلما ينادي الليبراليون العرب باتباع النهج البراجماتي في القبول بإسرائيل، كان يرفض هذا النهج عندما كان يحلل الوضع في جنوب أفريقيا، بل كان تشومسكي معاديًا شرسًا لنظام الفصل العنصري (الأبارتايد) هناك، مع العلم بأنَّ القول بتقويض نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا حتى التسعينيات كان ضربًا من المستحيل، لكنَّ الليبراليين الغربيين والراديكاليين من أمثال تشومسكي، أصرُّوا على إمكانية تقويضه، في حين يصرُّون اليوم أنَّ تقويض المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية، يُعد وهمًا من الأوهام يغذي فانتازيا وخيالًا غير حقيقي وغير براجماتي عند الشعب الفلسطيني ويضر به.

Embed from Getty Images

رجال شرطة بيض في جنوب أفريقيا يستعدُّون لإطلاق النار على متظاهرين أفريقيين، الصورة من عام 1970

ولكنَّ الوهم الحقيقي هو الاعتقاد بأنَّ الظُّلم يمكن أن يدوم ويستمر دون مقاومة. فالشعب الفلسطيني الذي يقاوم الاستيطان منذ عام 1883، لم يتوقَّف عن المقاومة أو يستسلم بالرغم من خسارته للعديد من الحروب وقمع الكثير من ثوراته، لأنَّ فعل المقاومة هذا يجابه ما هو قائم من استمرارية للاستعمار والعنف الذي يستخدمه المستوطن.

وعليه، يبدو من الخارج أنَّ من ينتقد المقاومة الفلسطينية، ربما ينتقد المقاومة المسلحة فقط لا المقاومة السلمية، ولكن حتَّى هؤلاء النقاد، لا يرحِّبون بحركة مقاطعة إسرائيل (BDS) السلمية. ومن المفارقة أن هؤلاء الذين ينتقدون المقاومة الفلسطينية المسلحة وينكرونها على الفلسطينيين كحق لهم، يدعمون المقاومة العنيفة لبعض الطغاة والأنظمة العربية، على اعتبار أنَّ إسرائيل باقية ولا يمكن إزالتها لكنَّ هذه الأنظمة القمعية يمكن إزالتها، بالرغم من أنَّ البعض يرى في إزالة الطغاة والأنظمة القمعية من سدة الحكم، أمرًا مستحيلًا أيضًا.

2- من إجابتك السابقة نريد أن نطرح تساؤلًا: ماذا عن إشكالية الليبراليين مع العنف؟

الليبراليون يطالبون بالعنف ضد النظام النازي وضد نظام صدام حسين، ولكنهم يرفضون العنف من قِبل الضحية المُستعبدة، حتى إنهم يطالبون السود في أمريكا بانتهاج أساليب سلمية لمحاربة العنصرية القائمة، وفي بعض الأحيان قد ينتقدون عنف الشرطة الأمريكية أو الحكومة الأمريكية الذي زاد عن حده مثلًا.

لكنَّ تنديدهم الأساسي يكون لأي عنف مقاوم لهذا العنف القائم والمُمأسس، واعتبارهم مثلًا أن حركة حماس هي من بدأت هذه الحرب، كما لو أن حصار غزة منذ عام 2005 واحتلال غزة في عام 1967 ليس بداية الحرب!

وكأنه يجب على إسرائيل أن تكون هي البادئة في كل المعارك، ويكون لنا ردة الفعل التي نطأطئ فيها الرأس، دون انتهاج أي مقاومة مسلحة، وإن كنا هنا لا نقول فقط بالمقاومة المسلحة، ولكننا نؤمن بجدوى كل أنواع المقاومة السلمية والمقاومة الثقافية والمسيرات والإضرابات العمالية، كالتي اندلعت في كل فلسطين التاريخية مؤخرًا في استعادة للإضراب الكبير عام 1936.

Embed from Getty Images
صورٌ للإضراب الأخير، في 18 مايو (أيار) 2021، الذي طُبِّق في غزة والضفة المحتلَّة والداخل المُحتلّ

أعتقد أن كل أنماط المقاومة جائزة، ويجيزها القانون الدولي، وكون هذا القانون غير مفعل بسبب سيطرة أمريكا، والاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، لا يعني أننا نقبل إملاءاتهم علينا.

المقاومة لم تبدأ هذه المعركة، فالمعركة على الشعب الفلسطيني بدأت منذ 140 عامًا من قبل الحركة الصهيونية، بغرض سرقة أراضيهم ووطنهم وإقامة مشروع استعماري استيطاني، وأن كل ما جاء بعد ذلك، ردة فعل مقاوم ضد هذا الاحتلال الاستعماري، فالبادئ هو الأظلم، وكل ما نفعله هو مجرد مقاومة استعمار واحتلال مستمر. 

3- شهدت المعركة الأخيرة كذلك مواقف من الحكومات العربية بعضها أدهش المتابعين؛ إذ أظهرت بعض الحكومات العربية ردة فعل غير متوقعة ذات نبرة دعم للمقاومة، فكيف تقيِّم موقف الحكومات العربية في المعركة الأخيرة؟

إذا كنت تلمِّح إلى ردَّة الفعل الأردنية والمصرية الرسمية فقد أثارت الدهشة بالفعل، خاصةً المصرية التي بدت أقل عدائية للفلسطينيين ولحركة حماس، التي جرى استِعدَائها منذ عقدٍ أو يزيد من الزمن، بالرغم من المؤازرة  الشعبية طوال الوقت.

ويمكن القول بأنَّ السبب في ذلك، هو تهميش دور المطبعين الأوائل: حكومتي مصر والأردن عن دوريهما المركزيين، من قبل عمليات التطبيع التي تمت مؤخرًا مع بعض دول الخليج، والمغرب والسودان، وأُسند الدور فيها إلى الإمارات، والبحرين، والمطبعين غير الرسميين: السعودية وقطر.

وعليه، اقتنصت الحكومتان (المصرية والأردنية) الفرصة التي سنحت لهما، بعد ضربات المقاومة الفلسطينية الشهر الماضي، خاصة أن الإدارة الأمريكية الجديدة بسبب دفاعها عن إسرائيل اضطرت إلى اللجوء إليهما، لا سيما الدور المصري المعروف بالتوصُّل إلى وقف إطلاق النار.

أمَّا بالنسبة لتهميش الأردن، فهو تهميش للدور الأردني الهاشمي المزعوم في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والذي حاول آل سعود سرقته برعاية إدارة ترامب، بالرغم من التعاون الكامل والدائم بين الأردن وإسرائيل، حتى يُذكر أن المملكة الأردنية اقترحت على إسرائيل قبل عامٍ ونصف، وقت اندلاع احتجاجات في المسجد الأقصى، وضع كاميرات مراقبة داخل المسجد، اعترض عليها الفلسطينيون على أنها كاميرات للتجسس على المصلين.

ولكن يمكن للمتابع أن يلاحظ اختلاف الخطاب الأردني في الحديث عن المقدَّسات، فرغم تعاونها مع إسرائيل، خشيت المملكة الأردنية في الوقت نفسه من سرقة دورها التاريخي بواسطة السعودية والإدارة الأمريكية السابقة؛ ما جعلها تقتنص الفرصة التي سنحت لها في العدوان الأخير عبر مؤازرة الفلسطينيين من أجل استعادة دورها المدعوم بكونها إحدى دول الطوق الحدودية، أو ما يعرف بدول المواجهة.

Embed from Getty Images

 ملك الأردن، عبد الله الثاني، يستضيفُ مجموعةً من ممثلي الكنائس المسيحية والأوقاف الإسلامية في القدس

والجدير بالذكر هنا أن البند المذكور في اتفاقية وادي عربة (معاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية التي تمت عام 1994) بخصوص الدور الهاشمي في رعاية المقدسات، يحصره في المقدسات الإسلامية فقط في القدس دون المسيحية. والادعاء الأردني برعاية المقدسات المسيحية والإسلامية على حدٍ سواء، يقوم جزئيًّا على الدور الذي لعبه الأردن في عملية الترميم التي قام بها الأردن في منتصف الستينيات لكنيسة القيامة والمسجد الأقصى في سياق زيارة البابا بولس السادس للمنطقة، وكانت القدس آنذاك، تحت الحكم الأردني.

ويبدو أنَّ الإدارة الأمريكية الجديدة تريد استعادة إستراتيجيتها في التعاون مع الحكومتين (المصرية والأردنية) لاستعادة الهيبة للسلطة الفلسطينية المرتزقة والتي فقدت شرعيتها الدولية، نتيجة عدم وجود أي دور يذكر لها في الدفاع عن هَبَّة الشعب الفلسطيني ضد المحتل، والرغبة في أن تستعيد هذا الدور لتحمي إسرائيل من صواريخ حماس، وهنا يتجلَّى الدور المصري والأردني في التواصل مع الولايات المتحدة، والدور المصري في التواصل مع حماس، علاوة على الغضب المصري الرسمي والشعبي، من تآمر بعض الدول المُطبِّعة مع إسرائيل في مشروع سد النهضة الإثيوبي، الذي تتفاقم أزمته في الآونة الأخيرة.

4- يرى عديدٌ من المراقبين أن الحكومات المطبِّعة هي الخاسر الأكبر من المعركة الأخيرة، بعدما تصدَّرت القضية الفلسطينية المشهد العربي من جديد، في رأيك هل مثلت الأحداث الأخيرة خسارة كبيرة بالفعل للدول المطبعة حديثًا؟

البلاد المطبعة خسرت أصلًا من قبل ذلك، فحليفها ترامب وإدارته قد ذهبوا عن سُدَّة الحكم، وحتى نتنياهو قد يخسر الحكومة لصالح رئيس أكثر يمينية منه (نفتالي بينيت) متحالف مع رئيس أقل يمينية منه بقليل (يائير لابيد).

ونضرب مثالاً على خسارة الدول المطبِّعة من قبل الحرب الأخيرة بموقف الإمارات. فقد أرادت الإمارات شراء طائرات «إف 35»، لكنَّ من قاد حملةً ضدَّها كان اللوبي الإسرائيلي نفسه. التطبيع دفع الإمارات نحو التنازل أكثر فأكثر، حتى إنَّها عرضت على أمريكا وإسرائيل أن يصبح طيَّارون إسرائيليون هم المسؤولون عن قيادة الطائرات في الإمارات.

ثمَّ جاء بايدن وقال إنه سيوافق على هذه الصفقة، لكن لا يُعرَف بعد إن كان الكونجرس سيوافق على بيعها أم لا، فيما تقول التقارير إنَّه إن وافق على هذه الصفقة، فلن تُسلَّم للإمارات إلا بعد عام 2025. وعليه يمكن القول إنّ الوضع غير واضح أبدًا بخصوص «مكتسبات الإمارات» من تطبيعها.

الخسارة فادحة على المستوى العالمي لهذه الدول بعد خسارة ترامب للانتخابات وعدم انتهاج خلفه الديمقراطي للسياسات نفسها. وبعد المعركة الأخيرة أصبح الاستثمار أقل ربحًا لهذه الدول.

ويضيف محاورنا ساخرًا: حتى إنَّ زيارة السفير الإماراتي لحزب شاس والتبرُّك بحاخامه، والحديث عن السلام، وإن كانت خطوة دءوبة، فإنها لن تقوم بجسر الهوة بين الربح والخسارة في موضوع الاستثمار الإماراتي.

وبالعودة إلى جزئية هل مثلت الأحداث الأخيرة خسارة كبيرة بالفعل للدول المطبعة حديثًا؟ فقد خسرت الإمارات على المستوى الشعبي أكثر فأكثر، وخسرت أيضًا على مستوى الامتيازات التي اعتقدت أنها ستنالها من قِبَل الإمبريالية الأمريكية، نتيجة هذا التطبيع.

لكن هنا علينا ألا ننسى أيضًا أنَّ المغرب كان دائمًا على علاقة جيدة جدًّا مع إسرائيل منذ الستينيات إن لم يكن من قبل. وبعيدًا عن الأنظمة العربية التي كانت تتواصل مع إسرائيل في السر، نجد أيضًا أن هناك بعض الأحزاب العربية التي كانت تنادي باستقلال بلادها، كانت على علاقة جيدة مع إسرائيل في الخمسينيات، والبعض يطالب بالعودة إليها اليوم. فقد كان حزب الأمة السوداني على علاقة مع إسرائيل منذ الخمسينيات في المهجر عندما كان في لندن. وكذلك تحالف حزب الدستور التونسي مع قوى إسرائيلية في أوروبا لنيل استقلالهم.

المحور الثالث: المستقبل.. اللحظة التأسيسية ما بعد المعركة

1- هناك أصوات تقول إن ما حدث لم يكن انتصارًا بأي حال للمقاومة، بل كانت خسارةً رهيبة في الأرواح لم تحقق أي نتائج فعلية. من وجهة نظرك، ما المكاسب السياسية من المعركة؟ وكيف يمكن أن نبني على هذه المكاسب؟ وهل من السليم قراءة مثل هذه المعارك بمنطق المهزوم والمنتصر؟ وأي منظور تقترح لتحليل هذه المعارك السياسية العسكرية؟

في رأيي أنَّ الحرب الأخيرة حقَّقت عدة إنجازات للمقاومة الفلسطينية:

1- توحيد العمل الثوري الفلسطيني في الداخل والخارج، هذا من أهم الإنجازات التي تحقَّقت في الحرب الأخيرة وفي المقاومة الأخيرة للهجمة الاستعمارية على الشعب الفلسطيني، وقد نسفت هذه المقاومة «ميثولوجيا/ أسطورة» قوة الردع الإسرائيلية، وهي الدعاية الإسرائيلية التي رددَّها الليبراليون العرب.

2- إرعاب المستوطنين ووضع 6 ملايين مستوطن في الملاجئ، وإغلاق المطار، ووقف الحياة والاقتصاد في إسرائيل، هو تهديد كمِّي ونوعي جديد للمستوطنة الصهيونية بشكل عام.

3- لكنَّ أهم ما قامت به المقاومة الفلسطينية في هذه الحرب: هو قلب السحر على الساحر. الإستراتيجية الإسرائيلية كانت دائمًا ما تقوم على التجويع، والقتل، والبطش لفلسطينيي غزة، لتأليبهم على حماس، ودفعهم ليضيقوا ذرعًا بها، كي يعلنوا في النهاية أنه «يكفي»، فلن نستطيع أن نهزم إسرائيل، ولا نستطيع أن نتحمَّل كل هذا الكم من الدمار الهائل.

لكنَّ ما قامت به فصائل المقاومة (حركة حماس، وسرايا القدس، وكتائب القسام) هو قلب الوضع تمامًا. لأنها بثَّت الرعب في قلب الشعب اليهودي الإسرائيلي، لكي تدفع الحكومة الإسرائيلية الثمن هذه المرة. رسالة فصائل المقاومة كانت واضحة، وتقول للشعب اليهودي الإسرائيلي: إنَّ ما تنتهجه حكومتكم من أساليب عدائية واستعمارية سيقود إلى انعدام وجود الأمن وتدمير ما قمتم ببنائه في هذه المستوطنات. وعليه يمكن القول بأن المقاومة أضافت عاملًا سيكولوجيًّا وسياسيًّا مهمًّا، في مجتمع المستوطنين داخل 48 وداخل 67، ليضيقوا ذرعًا بالحكومة الإسرائيلية.

وتجدر الإشارة إلى أن رد فعل المستوطنين، من الممكن ألا يكون مباشرًا أو تامًّا، بل سيكون هنالك ردَّتا فعل. الأولى هي تعميق النزعة الاستعمارية العنيفة والمطالبة بزيادة البطش والقتل تجاه الفلسطينيين. أما ردة الفعل الأخرى: فهي الإحساس بعدم الأمان، وأن على إسرائيل أن تتنازل وإلا ستصبح حياة المستوطنين فيها شبه مستحيلة.

من هنا نخرج بنتيجة: أنَّ استمرار مثل هذه المعارك سيساعد جدًّا في أن يضيق المستوطنون اليهود داخل حدود 48 ذرعًا، وأن يصوتوا بأقدامهم على الخروج من إسرائيل، لا سيما اليهود الإشكناز. وبحسب الإحصائيات فإن حوالي 20% من يهود إسرائيل حصلوا على جنسيات أوروبية مختلفة، من البلاد الأصلية التي أتى منها ذووهم، من بريطانيا، وفرنسا، وبولندا، والمجر، والولايات المتحدة؛ ما يعدُّ منفذًا للهجرة، الأمر الذي نُشجّع عليه بالطبع.

وهنا كذلك نقطة مهمَّة، فأنا لا أقول إنَّه يجب طرد أي يهودي من فلسطين، بل يجب أن تكون إستراتيجية فلسطين بعد التحرير، هي نزع أيِّ امتيازاتٍ عرقية وعنصرية واستعمارية عن المستوطنين اليهود، وأن يفرض الفلسطينيون عليهم المساواة مع الفلسطينيين، وفرض المساواة هذا على المستوطنين اليهود يعده أغلبهم مصيرًا أسوأ من الموت. 

والتجارب السابقة في الجزائر وروديسيا وكينيا وحتى جنوب أفريقيا، تقول بأنَّه في حال نزع الامتيازات الاستعمارية عن المستوطنين، فإنَّهم يُفضِّلون العودة والبقاء في أوروبا للاستفادة من الامتيازات الكولونيالية والعرقية للبيض التي لا تزال قائمة في أوروبا رغم انتزاعها منهم في المستوطنات والمستعمرات نتيجة انتصار حركات التحرير.

القصد هنا أن من لا يريد أن يعيش بالتَّساوي مع الشعب الفلسطيني ولديه فرصة للهجرة، فسيهاجر دون أدنى شك. ويمكن القول بأنَّ المعركة الأخيرة بدأت في تعزيز هذا الشعور بعدم الاستقرار والأمان لدى المستوطنين، وهو شعورٌ موجود لديهم منذ 30 عامًا؛ ما جعلهم يَسعَونَ للحصول على الجنسيات الأوروبية والأمريكية تحسُّبًا لوضعٍ على هذه الشاكلة. 

على جانبٍ آخر، فإنَّ مثل هذه الفرصة ليست متاحةً لليهود العرب في فلسطين، وبالتالي سيعودون إلى مواطنهم الأصلية أو يظلُّون في فلسطين، داخل العالم العربي، بعد التخلِّي عن أي امتيازاتٍ كولونيالية منحتها لهم إسرائيل.  وبالطبع ستفرض عليهم المساواة مع الفلسطينيين وباقي الشعوب العربية.

وعليه، فإن جرى تحقيق أي جزء من هذه الإستراتيجية سيكون من النتائج المهمة لـ«تقنية الرعب» التي انتهجتها المقاومة الفلسطينية، سواء المسلحة أو الإضرابات والمقاومة السلمية، جاءت لتذكير اليهود المستوطنين داخل حدود 48، بأن حياتهم المستقرة التي يعرفونها قد انتهت.

البعض يرى أن من نتائج هذه المعركة أيضًا، والتي أقبل بها، هو توحيد التنسيق بين المقاومة اللبنانية والفلسطينية، وحسب تصريحات بعض القيادات، أن هذا التنسيق سيستمر، علاوة على أن «القدس أصبحت خطًّا أحمر» في المعارك القادمة، وأن معارك المستقبل ستكون منفتحة على عدة جبهات، ولن تكون فقط منفتحة على الحدود مع غزة والفصائل المقاومة فيها.

ويمكن القول إنه من مكاسب هذه المعركة أن المقاومة الفلسطينية، وجدت لها حليفًا على المستوى العسكري، ليس فقط على مستوى التدريب، ولكن على مستوى المساعدات المالية والتكتيكية في المعارك من قبل مؤازريها، سواء المقاومة اللبنانية، أو حتى الحكومة السورية التي أرسلت صواريخ الكورنيت من اللاذقية إلى غزة، وأيضًا الحليف الإيراني، الذي كان الحليف الوحيد للمقاومة الفلسطينية في غزة خلال السنوات الأخيرة، من حيث التدريب والتسليح والتمويل، ومساعدته على الاستمرار في المقاومة.

نقطة أخيرة، وهو أنَّني أودُّ التعليق على تنديد بعض الجهات على تحالفات المقاومة مع إيران أو غيرها. هذه الجهات التي لا تندد بتحالفها هي شخصيًّا مع طغاة الخليج، وتندِّد بتحالف حماس مع إيران. تُندد أيضًا بمن يكتب في صُحُفٍ محسوبة على المقاومة وتغضُّ الطرف عن الصحف المحسوبة على آل سعود، أو النظام الإماراتي، أو القطري.

ومن هنا نقول بأنَّ المُقاوم الضحية لا يستطيع دائمًا أن يختار حلفاءه، وإن كان هناك تطابق في مفهوم المقاومة مع حلفاء الفصائل الفلسطينية في الوقت الحالي، على الرغم من نشوب خلافات سابقة بين النظام السوري وحماس.

2- يبدو أنَّ حل الدولتين قد فشل واقعيًّا وذهب أدراج الرياح بسبب هذا الكمِّ من المستوطنات، وفي الوقت نفسه يبدو حلُّ الدولة الديمقراطية الواحدة صعب المنال، بل مستحيلًا. برأيك في أي إطار نظري ينبغي أن يعمل عليه الفلسطينيون في الفترة القادمة؟

حل الدولتين هو حلٌّ إمبريالي مبني على نظام الفصل العنصري، اقترحته بريطانيا عام 1937 عن طريق «لجنة بيل – Peel Commission» وكان مبنيًّا على تهجير ربع مليون فلسطيني من المناطق التي قرَّرت بريطانيا إعلانها دولةً يهودية داخل فلسطين، إلى إمارة شرق الأردن، التي كانت بحسب التقرير ستضم الأراضي الفلسطينية التي لم يمنحها التقرير لليهود، دون تهجير أي يهود بالطبع، لأنهم كانوا أقلية ولم يكن هناك أي يهود في المناطق الفلسطينية التي حددها التقرير.

بعد ذلك استخدمت الدول الإمبريالية هذا الطَّرح عام 1937، وأعادت تبريره عام 1947، عن طريق الأمم المتحدة. وفي ذلك الوقت قبلت بعض الدول به، بينما رفضت المقاومة الفلسطينية ذلك.

عدا ذلك صُرفت مليارات الدولارات منذ الستينيات، على موضوع حل الدولتين، الذي سبقه وتبعه حلولٌ أخرى، مثل اقتراح المملكة الأردنية عام 1972 ما يسمى بالمملكة المتحدة، ومن ثم اعتمدت منظمة التحرير في عام 1973 ما يعرف بالحلِّ المرحلي، والذي يقول بالقبول بدويلة في أراضي 67، على أن تُضمَّ إليها أراضي 48 في المستقبل، واعتمد هذا على أنه الحل الأساسي من عرفات، لا سيما بعد عام 1976، ومؤسس فيما يسمى بإعلان الاستقلال في الجزائر عام 1988، واعتبر أنه النهج الوحيد، لمأسسة هذا الفصل العنصري والقبول بالمستعمرة اليهودية الاستيطانية، على أنها حقيقة لا يمكن تغييرها.

وهذا الحل فشل فشلًا ذريعًا؛ إذ استخدمته إسرائيل تكتيكًا للسيطرة  الكاملة على الأراضي الفلسطينية. واليوم بعد أن مات هذا الحل، وأصبح حلُّ الدولة الواحدة هو المطروح عالميًّا، حتى من قِبل صهاينة الغرب الذين كانوا متمسِّكين من قبل بحل الدولتين وعدم القبول بحق الشعب الفلسطيني في العودة.

واليوم نرى محاولة دءوبة من الإمبريالية الأمريكية لإعادة هذا الطرح عبر حلفائها في المنطقة: النظام الأردني، والنظام القطري، والنظام المصري، والسلطة المرتزقة الفلسطينية في الضفة الغربية. لكنَّ هذا الكلام غير مقبول، فحتى الساسة الأمريكيون منذ عقدٍ من الزمن، يقولون إنَّ ما هو قائم دولة أبارتايد واحدة، أو على وشك أن تقوم، وأن الحل بالنسبة لهم سيكون هذه الدولة.

وعليه، فلا يمكن فصل الفلسطينيين عن اليهود في الوقت الحالي، دون عمليَّةَ تهجيرٍ مخيفة للفلسطينيين. فكما نعلم مثلًا، وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني، طالبت بطرد المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل إلى «الدويلة» الفلسطينية المزمع تأسيسها. لذا يمكن القول إنَّ حل الدولتين حل غير قائم، ويظل يُطرح لإضاعة الوقت فقط، وإبقاء الوضع على ما هو عليه من قِبَل السلطة المرتزقة، وسرقة انتصار المقاومة الفلسطينية خلال المعركة الأخيرة.

3- ما رأيك في المقاربات التي تُقارن بين القضية الفلسطينية وبين الأبارتايد في جنوب أفريقيا، وبين حركة حياة السود مهمة (Black Lives Matter)، وشعارات مثل حياة الفلسطينيين مهمة (Palestinian Lives Matter)؟

هذه المقاربات مهمة؛ إذ يجب أن يُقارن الوضع الفلسطيني بكلِّ المستعمرات الاستيطانية، بداية من كندا والولايات المتحدة، وحتى دول أمريكا اللاتينية، وجنوب أفريقيا، وأستراليا، ونيوزيلندا. وطبعًا تجب مقارنته بشعوب الجزائر، وليبيا، وتونس، التي نُكِبت بالاستعمار الاستيطاني.

وهذه المقاربات مهمة لأنها تنزع حالة التفرُّد عن الفلسطينيين، فلا الشعب الفلسطيني فريد من نوعه، ولا الحركة الصهيونية المستعمرة فريدة من نوعها، على العكس، فهي شأنها شأن كل الدول الاستعمارية، فعلى سبيل المثال نذكر أن حلَّ الدولتين مُؤسَّس في أيرلندا بعد الحرب العالمية الأولى، وبدأ المتآمرون الأيرلنديون مع الحكومة البريطانية في محاربة الجيش الجمهوري الأيرلندي، الذي أراد تحرير كل أيرلندا ورفض حل الدولتين، وكان عدوه الأساسي، هو حكومة أيرلندا المنقوصة التي أقيمت بعد الحرب العالمية الأولى.

التاريخ يذكر أنَّ ما حصل ويحصل في فلسطين، حصل في الكثير من الدول التي تعرَّضت للاستعمار. لذا هذه المقاربات مُهمَّة ويجب الاستفادة منها، مع حفظ الاختلافات بين طابع كل مستعمرة وأخرى.

4- هل الضغط من أجل إجراء انتخاباتٍ ديمقراطية فلسطينية سيكون خطوة على طريق الحل؟ أم أنَّ الانتخابات لا معنى لها لأنها على الأرجح ستأتي بحماس، ومن ثم لن تسمح أمريكا ولا إسرائيل بذلك؟

الانتخابات بدعة ليبرالية استُخدِمَت مؤخرًا منذ 20 سنة في العالم العربي، كي يربح النظام الانتخابات أو يكسبها الليبراليون، وفي حال فاز غيرهم، تُقلَب الدنيا عليهم، كما حدث في الجزائر وكما حصل في فلسطين بعد 2007، وكما حصل في مصر في 2013.

في الحقيقة الليبراليون العرب هم أكثر الليبراليين العالميين تمسُّكًا بالديكتاتورية ورفضًا لأي انتخابات أو حريات ديمقراطية حقيقية إلا إذا فازوا هم فقط بها، وإن فاز بها غيرهم، يتحولون فورًا إلى الفاشية وينكرون على غيرهم حق الفوز بها.

إذًا نحن نعلم أن الانتخابات لعبة لعبتها حماس وخسرتها في السابق، وقد كتبتُ مقالًا منذ عدة أشهر، أُندد فيه بقيادة حماس السياسية ودخولها معترك هذه الانتخابات التي لو كانت نزيهة كانت ستفوز بها. لكنَّها كانت ستكون وبالًا عليها، لأنَّها استدخال لمنظومة أوسلو. قلت وقتها إنَّ دخول القيادة السياسية في حماس لعبة الانتخابات، سيُفجِّر خلافًا بينها وبين القيادة العسكرية، التي لن تقبل بهذه التنازلات كما أثبت الجهاد الإسلامي والجهاز العسكري في حماس.

5- هل من الممكن أن تحدث ثورةٌ ما في تنظيم فتح تأتي بوجوهٍ جديدة أقرب إلى الخط التحرري المقاوم بدلًا عن وجوه السلطة الحالية؟

أشك في ذلك، وإن كنت لا أعرف أوضاع فتح التنظيمية الداخلية، لكنَّ كل ما بدر عن القيادات الفتحاوية بما فيها مروان البرغوثي، الذي لا يجب ألَّا ننسى أنه كان جزءًا من عملية التسوية الفتحاوية مع إسرائيل وكان يجلس مع الإسرائيليين. فنحن لا نتكلم هنا عن شخصٍ رفض أوسلو أو رفض السلطة الفلسطينية، فمن غير العدل طرح البرغوثي على أنه شخصٌ راديكالي، فهو ليس كذلك، ومن غير المُنصف كذلك أن نصفه بأنَّه مُعاد لأوسلو. التضامن معه بوصفه سجينًا سياسيًّا في السجون الإسرائيلية، يختلف تمامًا عن القول بأنه معاد لأوسلو، لأنه كان جزءًا من أوسلو.

ويصعب القول باحتمالية حدوث ثورة داخلية في فتح، لأن قيادات فتح السياسية – لا كوادرها – جزءٌ من قيادات السلطة الفلسطينية المرتزقة.

Embed from Getty Images
الصورة الأولى لمروان البرغوثي، القيادي في حركة «فتح» والأسير لدى الاحتلال الإسرائيلي منذ 2002. وفي الصورة الثانية: ياسر عرفات، قائد منظمة التحرير الفلسطينية وحركة «فتح»، يُصافح إسحاق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بعدَ توقيع اتفاق أوسلو

6- يتحدَّث كتَّاب غربيُّون وإسرائيليُّون (مثل المؤرخ بيني موريس) عمَّا يحصل في الداخل الإسرائيلي بوصفه «حربًا أهلية»، كيف ترى هذا التحليل؟

سبق وأن ساجلت بيني موريس، ونشر سجالي معهُ في كتابي «ديمومة المسألة الفلسطينية»، وطبعًا أرفض مقولة «حرب أهلية»؛ فالحرب الأهلية تحدث بين جهاتٍ وطنية متنازعة في بلدٍ واحد، ولا تحصل بين المستعمِر والمستعمَر.

Embed from Getty Images

المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس

فهل نتصور أن نقول مثلًا إنَّ الثورة الجزائرية، كانت حربًا أهلية بين الشعب الأصلي والقوى الفرنسية المستعمرة؟ الحرب الأهلية تقع بين الجزائريين وبعضهم بعضًا كما حدث في الثمانينيات والتسعينيات، أما ما حصل منذ بداية الاستعمار وحتى التحرير في عام 1962 فقد كان حربًا على الاستعمار.

وعليه فإن ما حدث ليس أبدًا حربًا أهلية، واستدعاء مثل هذا الادعاء لترسيخ فكرة أنَّ إسرائيل دولة شرعية قائمة وأنَّ شعبها يستحقُّ الوجود، وأن ما يحدث مجرَّد نزاع بين قوميتين محليتين، ليس أحدهما مستعمرًا والآخر أصليًّا؛ ما ينزع الطابع الاستعماري الاستيطاني عن هذا النزاع.

عرض التعليقات
تحميل المزيد