منذ صارت صناعة المحتوى مصدرًا للربح، أصبحت مهنة من لا «حرفة» لهم. هكذا ظهرت كل أنواع المقاطع عبر المنصات التي تدر المال، كل شيء مباح مقابل الربح، بدأ الأمر مع «يوتيوب»، حيث تختلف قيمة الألف مشاهدة تبعًا لجنسية المشاهدين، ثم انتقل الأمر إلى «تيك توك»، وكان آخر المنضمين إلى قائمة «الربح عبر الإنترنت»؛ موقع التواصل الاجتماعي: «فيس بوك»، والذي أتاح للمستخدمين في مصر أخيرًا تحقيق الربح من محتواهم على المنصة عام 2020، سواء عبر مقاطع الفيديوهات المصورة أو عبر البث الحي (اللايف)!

ذلك الأخير -البث الحي- الذي صارت خورازمية «فيسبوك» تدعمه بقوة، لكن اللافت أن هذا لم يكن مغريًا فقط للأفراد أو الشركات العاملة في مجال التسويق الإلكتروني، لكنه أيضًا صار هدفًا للعاملين في المؤسسات الصحفية والتي صار «اللايف» اليومي جزءًا لا يتجزأ من عملها، والأولوية هنا لست للقيم التي تدرسها كليات الإعلام بوصفها مقياسًا لجودة الخبر مثل «الجدية، التأثير، الشهرة، الصراع، القرب»، إنما جرى اختزال كل القيم الصحفية في «الغرابة»، فكلما كان المعروض «غريبًا»؛ حصد مشاهدات أكثر ومن ثم مكاسب أكبر وهكذا.

من البلاعة إلى المشرحة! «حمى اللايف» تجتاح الصحف المصرية

«في الجرائد العربية لا فرق فعلًا بين العنوان والجرح. كل صباح يستيقظ مجموعة من الصحفيين ليعلقوا آلامنا على الجدران فقط، لأن آخر العناوين الجميلة في تاريخنا كان قبل اختراع الصحافة» *محمد حسن علوان

آلاف من المقاطع المصورة المسجلة واللايف، تنشرها صفحات الجرائد المصرية عبر منصة «فيسبوك»، كان أكثرها لفتًا للانتباه ذلك الذي صورته مراسلة صحيفة «المصري اليوم» في محافظة البحيرة! إذ خرجت الصحافية في بث حي، حصد ملايين المشاهدات حول استشفاء البعض بمياه المجاري المتصلة بصرف أحد المساجد، وعرضت خلاله آراء الناس حول مياه الصرف الصحي، لتخبرها واحدة من الحاضرين: «أنا خفيت بعد ما كان عندي غضروف وبقيت أمشي بعد ما كنت بتحرك بعكاز»، ويعاجلها آخر «كان عندي مرض جلدي وخف»، ثلث ساعة كاملة من مقطع لبث الوهم والجهل.

جنون "اللايف" يجتاح مصر.. صحف تنقلك داخل المشرحة والمقابر وإلى قلب البالوعات!

أما البث الحي الذي كان الأكثر قسوة من مراسلة صحفية تصور طفلة تقاوم تحميمها عنوة بمياه المجاري، ذلك «اللايف» الذي تلا واقعة قتل فتاة مصرية ذبحًا، عندما رابطت مراسلة للصحيفة ذاتها عند مدخل «المشرحة» لنقل لوعة والدة الضحية في فيديو لايف بعنوان «انهيار والدة نيرة أشرف ضحية زميلها بجامعة المنصورة.. والنبي نفسي أشوفها»، والذي تخطى 3 ملايين مشاهدة!

كيف بدأ الأمر؟

«ما نسميه الرأى العام لا يرتكز دائمًا على الخبرة الشخصية ومعرفة الأفراد معرفة حقيقية، فهو في الغالب خاضع لتأثير الدعاوى التي توجه يومًا فيومًا وتنفث سمومها فى دمه دون أن يشعر. إن الصحافة هي التي تتولى تنشئة الجمهور سياسيًّا بما تنشر من أخبار وتبث من آراء». *أدولف هتلر

لم تكن نسرين (اسم مستعار) تظن أنه سوف ينتهي بها الحال بهذه الطريقة، من محررة يشهد الجميع بقدراتها على الكتابة وصياغة المعلومات إلى مجرد «صحافية لايف». شهدت الصحافية الشابة القصة من بدايتها داخل جريدتها، والتي تعد رائدة بين الصحف في صحافة «اللايف»! حتى صارت تنافس جريدة «اليوم السابع» التي احتلت الصدارة لسنوات عديدة، تقول خلال حديثها لـ«ساسة بوست»: «بدأ الأمر في فترة جائحة كورونا، عندما كنا نصور أول صلاة جمعة بعد انتهاء الإغلاق، وأول أذان بعد عودة صلاة الجمعة، وحين عادت صلاة الجمعة كنا نقوم بتصوير أول أذان بعد عودة صلاة الجمعة. نصوِّر الشوارع الفارغة وقت جائحة كورونا، ووضع الشوارع والناس خلال وقت الحظر، نرصد المخالفات والمحال التي تفتح أبوابها خلسة، هكذا كانت البداية. وكان الأمر سهلًا جدًّا، كنا نعمل من البيت بسبب فترة العزل، فكان أسهل ما يمكن عمله هو اللايف بالموبايل، نظرًا إلى مساعدته على التباعد».

لاحظ القائمون على القسم – تكمل الصحافية الشابة – أن مشاهدات البث المباشر تدر دخلًا بالدولار، وتحديدًا إذا تخطى المليون مشاهدة، فبدأت الجريدة تهتم بتحويل أي موضوع إلى تقرير مسجل، أو بث مباشر أيضًا، حتى لو مؤتمر أو ندوة أو أيًّا كان. استمر الحال حتى وصلنا إلى مرحلة لم نعد نصور موضوعات مسجلة تقريبًا، وصار كل ما نقوم به «لايف» وجرى استحداث وحدة كاملة لـ«اللايف»، وصار هناك خطة واضحة المعالم ومواعيد، ثم «مستهدف (تارجت)» صارم، والمجد لمن يحصل على مشاهدات أكثر.

تكمل الصحافية الشابة حديثها معنا: «في النهاية سوف يحصل الصحافي ذو المشاهدات الأعلى، على الشكر والثناء والمكافأة مهما كان الموضوع تافهًا وضحلًا. ظللت فترة طويلة أحتقر إنتاج «اللايف»، وكنت أعد موضوعات بالطريقة القديمة وأبذل جهدًا في التصوير والمونتاج، لكنني ظللت خارج دائرة الاهتمام والشكر والتقدير وكان عملي مهددًا، حتى صادفني «لايف» سطحي جدًّا، فحصد مشاهدات بالملايين، هنا، كُوفئت بكل الطرق، وحصلت على ثناءات لم أحصل عليها خلال عملي طوال السنوات الماضية، عندما لم أكن أقترح فكرة «لايف»، وأعاقب بالخصم فضلًا عن النظر لي باعتباري فاشلة».

تعترف الصحافية الشابة بأن موضوعات «اللايف» صارت مبارة في التفاهة – على حد تعبيرها- وتقول إنها لا تشعر بالفخر بما تقوم به، «فيه ناس كانت شاطرة جدًّا، صار هدفهم الوحيد هو الترند»، وتقول إن المتدربين الجدد، لا يتدربون على العمل الصحفي أو الكتابة، لكن على إنتاج «بث حيّ» و«فيديوهات»، وتؤكد أنه لا بأس إن حصل الفيديو على السباب أو الهجوم، أو كان بلا قيمة، فالمهم أن يحصد المشاهدات، وتضيف: «شاهدت بعيني متدربًا أُجبر على اقتراح وتنفيذ أفكار بث مباشر سطحية للغاية وساذجة».

تُكمل الصحافية حديثها: «لا أحد يستطيع الاعتراض، فقد صارت «اللايفات» هي ما ينفق على الجريدة ومنها تصرف مرتبات المحررين، والنسخة الورقية من الجريدة انهارت، إذ لم يعد هناك أي تنافس على أفكار قوية تصلح للنشر في الصفحة الأولى، بل صار التهافت على أفكار دون المستوى كي تحصل على مشاهدات!»، وتضيف قائلة: «نفتح الكاميرا ونبدأ «الدردشة» مع المصدر، فإذا تخطى اللايف مليون مشاهدة يمكن أن يحصد نحو 10 آلاف دولار، وصارت المصادر تعلم ذلك، فيطلبون مقابل ظهورهم في اللايف، ونوافق أو نرفض مقابل المكسب المنتظر» على حد تعبير الصحافية الشابة.

«سلام الله على المهنية»: «اللايف» والاستخدام غير الإنساني!

«الصحافة والسياسة يشتركان في كثير من الأمور – على سبيل المثال – كلاهما خادعان متقلبان يقدمان المصلحة على الحقيقة» *أيمن العتوم 

«أهلا بكم في لايف جديد من المقابر، أسرتها دلوقتي داخلة المقابر تزورها أول زيارة»، هكذا أحاطت الكاميرات بوالدي ضحية جامعة المنصورة، وبينما راحت الأم تبكي بعنف، راح المحررون يستنطقونها، لتصرخ عمتها: «بالله عليكم كفاية كده»، لكن هذا لم يكن كافيًا، ففي الوقت ذاته كان المزيد من المحررين في مواقع مختلفة لاستكمال التغطية، حيث جرى بث مباشر آخر من أمام موقع الحادث تحت عنوان: «بث مباشر: انهيار إحدى زميلات للطالبة نيرة أشرف في موقع قتلها»، لتبدأ مشادة بين زميلات نيرة وعدد من المارة الذين برروا للقاتل فعلته.

«حادت الصحف في استخدامها للبث المباشر عن الهدف الأساسي منه، والميزة الأساسية لميزة البث المباشر»، يقول عصام خضيري، صحافي مصري، ومدير تحرير سابق لأحد المواقع الإلكترونية الكبرى: «لو أن هناك حدثًا خبريًّا يستحق الظهور، مثل انفجار، أو حريق، أو حادث معين خبري بالأساس وضخم، هنا يمكن استخدام ميزة البث المباشر، لكن ما يحدث في المواقع المصرية، أن البث المباشر صار وسيلة للنميمة وجلب المال، فأغلب المواقع تستخدمه في قضايا متعلقة بالخلافات الأسرية، وقضايا مثيرة مثل الجنس وغيره».

ويضيف خضيري خلال حديثه مع «ساسة بوست»: «لو تحدثنا عن جريمة قتل الشابة نيرة أشرف، على سبيل المثال، سنرى أن إحدى الصحف خرجت في بث مباشر، في الثالثة صباحًا، بعنوان للبث الحي يوحي أن مقدمه في محافظة المنصورة، بينما الصحافي يجلس في الدقي بمنطقة الجيزة. نموذج لكارثة مهنية وأخلاقية، تتكرر طوال الوقت، إذ كل شيء مباح للظهور في بث مباشر؛ شهود عيان، جيران، أشخاص بلا صفة، وشخصيات يؤثر ظهورها في سير القضايا، ليس ثمة طريقة للتحقق، شخص في الشارع يتحدث ويبث حديثه على عهدة الجريدة للملايين الذين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي».

ويؤكد خضيري أن السبب في ذلك، هو محاولة رؤساء التحرير حل الأزمة الاقتصادية التي يعانون منها، عن طريق «اللايف»، فصرنا محاطين بمحتوى عامر بـ«الفرقعة» و«الغرابة» من أجل العائد المادي من المشاهدات، على حد تعبيره. مضيفًا أن السبب في كل هذا، مجرد حل اقتصادي، وبحث عن مصدر للميزانية، بغض النظر عن مهنية ما يجري تقديمه، مؤكدًا أن «استغلال خاصية تكنولوجية على حساب المهنية، أمر لا قانوني ولا إنساني».

ومواطنون مستباحون من أجل «اللايف»

«ليست الصحافة إلا وليدة البيئة وصورة العصر ومرآة تنعكس على صفحتها بدوات المجتمع و نزواته» *محمود تيمور

لم تعد سميرة حمزة -صحافية علمية- تستوعب ما تراه، كلما فتحت الصفحة الرئيسية في منصة «فيسبوك”» فتقول لـ«ساسة بوست»: «أحاول دائمًا أن أتخيل المسئولين في الصحف المصرية، مع كل ممارسة مهنية «مهينة ومتدنية»، هل هناك تعليمات واضحة بتعمد إعداد تقارير تدفع المشاهدين لسبهم وإهانتهم، هل الاستفزاز متعمد؟ هل هناك تعميم واضح يقول: انهشوا لحوم الضحايا ولا تخشوا حسابًا؟ شيء مخجل جدًّا، أن تصير تلك هي السياسة التحريرية التي يتلقى عنها المحررون رواتبهم، والأنكى أن يلتزموا بها، وإما أن يتعرضوا للخصم!».

مجتمع

منذ سنتين
أحدث طرق الثراء في العالم العربي.. أدخل الناس غرفة نومك بتطبيقات البث الحي!

مشادة نشبت بين الشابة منار سعد، ومراسلة واحدة من الصحف في محافظتها «بورسعيد»، خلال تصوير الأخيرة «لايف» لواقعة كلب عقر طفلًا، اعترضت منار المدافعة عن حقوق الحيوان والتي تمتلك مأوى للحيوانات الضالة والتي تخلى عنها أصحابها، على الطريقة التي تقدم بها المراسلة عملها، إذ راحت الأخيرة تحرض على قتل الكلاب في المنطقة، قائلة: «أي حد يشوف كلب يموته بالسكاكين فورًا».

وحين اعترضت منار، بدأت المراسلة «لايف» وراحت تصورها، وحين اعترضت الأخيرة أعقبت المراسلة مقطع الفيديو بآخر تسبها فيه نشرته عبر صفحتها الشخصية، تقول منار: «حاولت أن أصل لأحد القائمين على الجريدة، لم يفدني أحد. لا توجد طريقة للشكوى، أو وسيلة يحصل بها الإنسان على حقه»، متسائلة: «كيف تتحول مراسلة صحفية إلى محرضة، ولمن يجب أن ألجأ كي آخذ حقي منها ومن الجريدة؟».

لماذا يحظى «اللايف» بملايين المشاهدات؟

«لا تخبرني بشيء عن مهنة الصحافة يا سيدي فأنا جربت كل شيء، وأؤكد لك أنه كلما عرف الرجل أقل، كلما علت الضوضاء التي يصنعها وكلما ارتفع الراتب الذي يحصل عليه” *أحمد خالد توفيق 

حسنًا، ثمة تفسير علمي وراء التهافت المستمر من المشاهدين على» اللايف» والذي قد يكون «فارغًا» حرفيًّا، إلا من عنوان مثير، ثم يبدأ البث فيحصد المشاهدات؛ يعود الأمر بحسب علماء النفس إلى الـ«فومو FOMO» أو الخوف من أن يفوتك شيء ما، إذ يخشى رواد مواقع التواصل أن يفوتهم شيء، لذا وبمجرد ظهور إشعار يخص وجود بث مباشر، أو مع ظهور البث في مقدمة الصفحة الرئيسية -وفق ما تفعل خورازمية فيسبوك- تبدأ المشاهدات فورًا.

لعل ثاني أقوى سبب، هو بحث الناس عن الفظائع والمقاطع العنيفة، بعدما جرى التطبيع مع الدم ومشاهد العنف، ففي مصر، رصد موقع «جوجل» الكلمة المفتاحية الأولى، عقب جريمة قتل الفتاة نيرة أشرف وهي: «فيديو ذبح فتاة المنصورة»، ليظهر أن المواطنين اختاروا مشاهدة المقطع الأكثر قسوة، وكانوا يبحثون عنه في كل مكان على الإنترنت، وهو الأمر الذي انتبهت له الصحف، واستغلته بعض المواقع في عناوينها: «فيديو ذبح فتاة المنصورة.. لو قابلك ماتفتحوش».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد