واضعًا ساقًا فوق أخرى، ومتسلحًا بثقةٍ عاليةٍ، يُجري الصحافي الجزائري الشاب خالد درارني في 16 فبراير (شباط) 2017 حوارًا صحافيًا جريئًا مع المرشّح الفرنسي للانتخابات الرئاسية – آنذاك – إيمانويل ماكرون؛ الذي استنجد بقناة «الشروق الجزائرية» في سبيل تحصيل مزيدٍ من أصوات المهاجرين والفرنسيين ذوي الأصول الجزائرية.

تستطاع خالد درارني أن يجعلّ أوّل حوارٍ يجريه مع شخصيةٍ عالمية استثنائيًا وتاريخيًا، بعد أن حاصر ماكرون بالأسئلة، إلى حدّ أن اعترف الأخير بالجرائم التي ارتكبتها بلاده بالجزائر إبّان فترة الاحتلال الفرنسي؛ وكان ذلك الاعتراف الأوّل – وربما الأخير – من نوعه لحدّ الآن. 

بعد أشهرٍ من ذلك الحوار التاريخي، نزل ضيفٌ جديدٌ على خالد درارني عبر ذات المحطة التلفزيونية؛ هو الرئيس الجزائري الحالي عبد المجيد تبون الذي كان حينها مكلفًا بوزارة السكن والعمران، وهو اللقاء الذي خرج فيه تبون بإنطباعٍ إيجابي عن الصحافي خالد درارني شاكرًا إيّاه على إتاحته الفرصة للظهور الإعلامي، ومتمنيًا له التوفيق في مساره المهني، وهو اللقاء الذي اختفى فجأةً من مواقع الإنترنت.

يصل المسار المهني للصحافي الجزائري خالد درارني اليوم إلى عتبة زنزانة سجن القليعة؛ بعد أن حكمت بالأمس محكمة سيدي محمد بالعاصمة الجزائر، على الصحافي الجزائري بالسجن ثلاث سنواتٍ نافذة بتهمة المساس بالوحدة الوطنية، والتحريض على التجمهر، وذلك على خلفية تغطية خالد درارني المتواصلة للحراك الجزائري الذي استمرّ 57 أسبوعًا قبل أن يُعلّق بسبب جائحة كورونا، وتغيّرٍ دراماتيكي في العلاقة بين الصحافي والرئيس، وذلك بعد أن وصف الرئيس الجزائري تبون الصحافي خالد درارني بأنّه عميلٌ للسفارة الفرنسية بالجزائر، متوعدًا إيّاه بدفع الثمن.  

«الأيادي الخارجية».. المقصلة التي عُلّق عليها رأس خالد درارني

أصدرت بالأمس الاثنين 10 أغسطس (آب) 2020 محكمة سيدي أمحمد بالعاصمة الجزائرية أحكامها بخصوص قضية الصحافي الجزائري خالد درارني الموقوف على ذمة قضايا تهدد الأمن القومي والوحدة الوطنية الجزائرية، ويعدّ خالد درارني – مؤسس موقع «القصبة تربيون» والمراسل الجزائري لقناة «تي في فايف موند» الفرنسية والمراقب محليًا أيضًا في صفوف منظمة «مراسلون بلا حدود» – من أبرز الصحافيين الجزائريين الذين اشتهروا بتغطية الحراك الشعبي أسبوعيًا. 

تعود قضية اعتقال درارني إلى يوم السابع من مارس (أذار) الماضي حين استيقظ درارني صباحًا ليستمع إلى أصوات مظاهرةٍ تجوب شارع ديدوش مراد وسط العاصمة الجزائر، فخرج لتغطيتها عبر صفحاته على موقعي «فيسبوك» و«تويتر» وإرسال مقاطع فيديو من تلك المسيرات إلى قناة «تي في فايف موند» الفرنسية التي يعمل مراسلًا لها، لينتهي ذلك اليوم بدرارني معتقلًا من طرف قوات الأمن الجزائرية التي حققت معه لمدة ثلاثة أيّامٍ كاملة قبل أن يطلق سراحه في العاشر من الشهر ذاته. 

محكمة سيدي إمحد بالجزائر، مصدر الصورة ( الجزيرة)

لم يُثنِ ذلك الاعتقال خالد درارني عن مواصلة تغطية الحراك، فخرج من مركز التحقيق ملوحًا بشارة أصابع النصر وسط جمعٍ من الناشطين والصحافيين الذين تجمهروا للمطالبة بإطلاق سراحه، ليعود إلى تغطية الحراك من جديد في أسبوعه السادس والخمسين، ليعود مجددًا إلى مراكز التحقيق بعد أن اعتقل للمرة الثانية بشارع فيكتور هيجو بالجزائر العاصمة يوم الجمعة 14 مارس ويطلق سراحه بعد وضعه تحت الإقامة الجبرية بتهمة التحريض على التجمهر غير المسلح والمساس بالوحدة الوطنية.

في 27 مارس الماضي وفي خضمّ احتفالات الجزائريين بمرور سنةٍ كاملةٍ على سقوط بوتفليقة، قامت عناصر أمنية باعتقال درارني بناءً على أمرٍ من غرفة الاتهام بمجلس قضاء العاصمة الجزائرية التي أصدرت حُكمًا بإيداعه الحبس المؤقت. وقررت إلغاء القرار السابق، وأصدره قاضي التحقيق لدى محكمة سيدي أمحمد، وينص على وضعه تحت الرقابة القضائية.

في لائحة الاتهام الخاصة بالقضية توجد تهمتين في ملف درارني، هما «الدعوة إلى التجمهر غير القانوني» و«المساس بسلامة ووحدة الوطن»، الناجمة عن تغطيته للاحتجاجات التي تجري بانتظام منذ فبراير (شباط) 2019. ثم أضاف لهما الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تهمةً غريبة، حين تحدث لوسائل الإعلام المحلية يوم الثاني من مايو (أيار) الماضي أنّ صحافيًا – في إشارة إلى درارني – قام بنقل تقريرٍ مفصّل للسفارة الفرنسية بالجزائر حول عملية الاستنطاق التي خضع لها وصفا إيّاه بـ«الخبارجي» وهو مصطلح شائع في الجزائر لوصف العملاء. 

شكلت تصريحات تبون تلك صدمةً كبيرة للجزائريين الذين انقسموا – كالعادة – إلى قسمين، قسمٌ انهال على الصحافي خالد درارني بكيلٍ من الاتهامات، تماشت مع تصريحات تبون، بينما عجّت مواقع التواصل الاجتماعي بصور قديمة لدرارني رفقة السفير الفرنسي السابق كزافييه دريان كورت لتبرير الإعتقال، وهي الصور التي تحقق منها «ساسة بوست» وأثبتت أنّها تعود إلى لقاءٍ صحافيٍ أجراه درارني مع السفير الفرنسي في 28 من يناير (كانون الثاني) 2018، أي قبل بدء الحراك بعامٍ كامل.

بينما إعتبرت كلٌ من عائلة الصحافي خالد درارني وهيئة دفاعه تلك التصريحات بأنها «مبنية على معلومات مغلوطة، وأنها تشكل ضغطًا على القضاة وتمس بسرية التحقيق».

وفي الجلسة الأخيرة والتي أجريت عن بعد وشهدت النطق بالأحكام، وخلال متابعة محاكمته من سجنه في القليعة غرب العاصمة، بتقنية التواصل عبر الفيديو مع محكمة سيدي امحمد، وحسب ناشطين وحقوقيين – حضروا المحاكمة – بدا درارني هزيلًا ورفض كل التهم الموجهة إليه من القاضية مؤكدًا أنه «قام فقط بعمله؛ صحافي مستقل ومارس حقه في الإعلام».

جدير بالذكر أن منظمة العفو الدولية قد انتقدت بشدة الأحكام الصادرة في حقّ الصحافي خالد درارني واصفةً إيّاه بالقول: «إن حكم المحكمة اليوم هو استهزاء بالعدالة وإهانة صارخة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في حرية التعبير وحرية الإعلام في الجزائر»، أمّا منظمة «مراسلون بلا حدود» فوصفت الحكم بأنه «اضطهاد قضائي».

وينص قانون العقوبات الجزائري في مادته 79 على معاقبة «كل من يعمل بأية وسيلة كانت على المساس بسلامة وحدة الوطن»، وهي المادة التي يرى مراقبون أنّ السلطة الجزائرية تستعملها من أجل اعتقال أو تهديد أي صحافي أو مواطن يعمل في دائرةٍ تعكس التيار الرسمي. 

وتجدر الإشارة إلى أنّ الدستور الجزائري يحتوي في المادة 50 على بنودٍ تضمن حرية الصحافة وتحظر سجن الصحافيين المتعلقة تهمهم بتأدية مهامهم.

تدهور الحريّات بـ«الجزائر الجديدة» يثير سخطًا كبيرًا

أثار الحكم الصادر بثلاث سنوات سجنًا نافذًا في حقّ خالد درارني سخطًا كبيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي؛ وانتشر هاشتاج «FreeKhaledDrareni» على موقعي «تويتر» و«فيسبوك»، طالب من خلاله الناشطين إطلاق سراح الصحافي الجزائري. 

وعبّر صحافيون ومدونون جزائريون عن غضبهم الكبير بعد سماع الحكم الذي عدّوه «مجحفًا»، ووصف الأمين العام لمنظمة «مراسلون بلا حدود» كريستوف ديلوار في تغريدةٍ له عبر «تويتر»، الحكم الأخير الذي أصدرته محكمة سيدي أمحمد في حق درارني بالاضطهاد، مضيفًا أن «ما قام به القضاء الجزائري، سيجعله رمزُا للتعبئة العالمية».

بدوره علّق الصحافي في جريدة الخبر محمد سيدمو قائلًا: « هل تعلمون لماذا سيسجن خالد؟ لأنه نشر بيان البديل الديمقراطي وتدخل على قنوات. يا إلهي ماذا سنحكي لأولادنا عن هذا الزمن الأغبر»، بينما كتب أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر رضوان بوجمعة على صفحته على «فيسبوك» معلقًا على الحكم بـ«أن جهاز القضاء أكبر وأقدم سجين في الجزائر». 

وسلطت الصحيفة الأمريكية «نيويورك تايمز» الضوء على سجن درارني معتبرةً أن الحكم قد أكّد استنتاجات خرج بها العديد من المحللين الأمريكيين فيما يتعلق بالنظام الجزئري والحراك وحرية الصحافة والإصلاح. وأشارت الصحيفة إلى أن درارني «سُجن ولم يُدان بأي شيء سوى القيام بعمله»، ونقلت «نيويورك تايمز» عن محاميه عبد الغنى بادي قوله إن «التهم فارغةٌ تمامًا وأن كل ما فعله موكله هو نشر معلومات بالكلمات والصور، وأنه لم يفعل أكثر من عمله كصحافي».

ويخشى الكثير من الصحافيين الجزائريين من مصير درارني؛ وفي هذا السياق كتب الصحافي الجزائري بموقع «العربي الجديد» عثمان لحياني، على صفحته الشخصية: «لتالي.. اللي بعدو.. في المثل الشعبي حكمة بالغة الصدق مفادها، إذا رأيت صديقك يحلق فبلل رأسك (ستحلق بعده)، القمع مفرمة تطحن دائمًا، واذ تتفرج عليها اليوم وهي تقضم من حرية صحافي أو تضايق غريمًا في الأيديولوجيا أو تحاصر خصمك السياسي، لكن تأكد أنها في طريق مفتوح، وستصل لاحقًا إليك في المناسبة التالية». 

وزادت الحكومة الجديدة من متاعب الصحافيين الجزائريين خصوصًا مراسلي الصحافة الأجنبية وجعلتهم عرضةً للاعتقال في أيّ وقت؛ وذلك بعد أن صرّح وزير الاتصال الجزائري السبت الماضي بأنّ «بعض الصحافيين الجزائريين يقيمون ​علاقات​ عمل غير قانونية مع وسائل إعلام أجنبية؛ فليس لديهم عقود قانونية أو بطاقة مهنية صادرة عن صاحب العمل في الخارج أو مكتب تمثيلي» وأضاف بلحيمر أنّ هؤلاء الصحافيين عليهم الحصول على اعتماد أو مجابهة المخاطر القانونية التي تنجم عن فعلهم. 

وتجدر الإشارة أنّ مئات الصحافيين الجزائريين يشتغلون مراسلين لقنوات ومواقع أجنبية؛ ولم تُصدر لهم الحكومة الجزائرية اعتمادًا أو قانونًا يسيّر مهامهم الصحافية. 

خالد درارني ليس الأوّل.. صحافيون جزائريون ذهبوا ضحيةً لمهنتهم

في الوقت الذي كان العالم أجمع يحارب جائحة كورونا؛ كان أمام السلطة في الجزائر فرصة ذهبية لمعالجة ملفٌ آخر له علاقة بالمتغيرات الكثيرة التي حدثت في الساحة الجزائرية بعد الحراك، كان ذلك الملف هو حرية التعبير بالبلاد، ومتابعة الصحافيين والناشطين الذين شكلوا بتغطياتهم خطرًا على هذا النظام، بحسب تعبير الكثير من المتابعين للشأن الجزائري. 

وتضاعفت خلال الأشهر الماضية الملاحقات القضائية والإدانات بحق الصحافيين والمدونين والمعارضين السياسيين والناشطين في الحراك. واتُهم بعض الصحافيين الجزائريين بالتحريض على التجمهر وتهديد الوحدة الوطنية والتخابر لصالح «جهات أجنبية».

ويقبع الآن في السجون الجزائرية عددٌ من الصحافيين؛ إذ لا يزال الصحافي عبد الكريم زغلاش مدير إذاعة «ساربكان» التي تبث عبر الإنترنت من قسنطينة بشرق البلاد يقبع في السجن منذ 24 يونيو (حزيران) الماضي؛ الأمر نفسه الذي ينطبق على مراسل قناة النهار من معسكر شمال غرب الجزائر، جمال طوبال، بتهمة «إهانة هيئة نظامية» عبر منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي حُكم عليه بالسجن 15 شهرًا في 14 يوليو (تموز) الماضي.

حرية الصحافة في الجزائر عرفت تراجعًا خلال فترة حكم تبون

حرية الصحافة في الجزائر عرفت تراجعًا خلال فترة الأشهر الماضية

كذلك تمّ اعتقال مراسلٍ سابق لقناة «فرانس24» ومصورها الشهر الماضي، ثم إطلاق سراحهما بعد أقلّ من 24 ساعة بعد ضغطٍ من القناة الفرنسية، دون إعلان التهمة الموجهة إليهما.

ويقضي الصحافي بلقاسم جير عقوبة السجن ثلاثة أعوام بتهم انتحال صفة والابتزاز، بحسب ما ذكره الحكم الصادر بحقه في 28 يونيو الماضي، وهي العقوبة نفسها الذي يقضيها الصحافي عبد السميع عبد الحي. وتحتل الجزائر المركز 146 (ضمن 180 دولة) في مجال حرية الصحافة بحسب تصنيف منظمة «مراسلون بلا حدود» بعد أن شغلت المرتبة 141 في 2019 والمرتبة 119 في 2015.

ويرى مراقبون أنه وبالرغم من نجاح الحراك الشعبي في إجبار الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة على التنحية، فإن طبيعة النظام لم تتغير، وذلك على خلفية التضييق المستمر على حريّة الصحافة والتعبير بالجزائر. وكانت فترة حكم بوتفليقة قد شهدت هي الأخرى تضاربًا بين السلطة وحرية التعبير، إذ قضى الصحافي محمد تامالت نحبه داخل السجن بعد إضرابه عن الطعام على خلفية اعتقاله بتهم المساس بالأمن القومي.

وكان عشرات الصحافيين قد تعرّضوا للسجن على مدار فترة حكم بوتفليقة، أبرزهم مدير موقع «الجزائر 24» الياس حديبي؛ والصحافية فاطمة الزهراء عمارة التي كانت تعمل مع الصحيفة الإلكترونية المحلية «آخر ساعة»؛ والصحافي منصور سي محمد، رئيس مكتب صحيفة «لا نوفال ريبوبليكا» اليومية الناطقة بالفرنسية؛ إضافةً إلى كلٍ من عبدو سمار، ومروان بودياب، عدلان ملاح، والرسّام الكاريكاتوري الطاهر جحيش؛ الأمر الذي يجعل اليوم كالبارحة في الجزائر بالرغم من سقوط النظام!

الربيع العربي

منذ 5 شهور
كريم طابو.. أجج ثورة ضد بوتفليقة ومسجون في عصر تبون

 

المصادر

تحميل المزيد