سيفتقد مشاهدو قناة «إن آر تي» العراقية، حضور الصحافي الكردي آمانج باباني في برنامجه الأسبوعي «بلا حدود»؛ فهذا الصحافي الذي وصف بأنه «جريء وناقش المواضيع الحساسة»، قُتل في السادس عشر من هذا الشهر مع زوجته الصحافية لانة محمدي، التي تعمل مذيعة في قناة «كوردسات»، وكذلك طفلهما الوحيد ذو السنوات الثلاث.

باباني الذي يعمل في قناة مالكها هو رئيس «حراك الجيل الجديد»، شاسوار عبد الواحد، نفت شرطة محافظة السليمانية التابعة لإقليم كردستان العراق، مسألة مقتله، وقالت إنه أقدم على الانتحار بعدما قتل عائلته، فيما أكدت «جمعية الدفاع عن حرية الصحافة» في كردستان: «أن مسلحين مجهولين لاحقوا سيارة الضحية وأسرته، قرب مرآب شهرزور في مدينة السليمانية، وأمطروهم بوابل من الرصاص، فأردوه وزوجته وابنه قتلى على الفور».

في المحصلة، سجلت حادثة مقتل باباني محطة جديدة في سلسلة الاعتداءات التي تنفذ بحق الصحافيين العراقيين، من خضوعهم لشتى أنواع الترهيب، والاعتقال، والملاحقة، والتحقيقات التي تعرضوا لها في دوائر الأمن العراقية والشرطة، والقتل على يد الميلشيات العراقية المسلحة.

ما الذي يحدث للصحافيين العراقيين؟

«ليكن في علم الحكومة وقواتها الأمنية، أن هذه الأعمال ستزيد من عزيمة المتظاهرين في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري»

كان ذلك تعليق الناشط العراقي جميل الركابي على اعتقال السلطات الأمنية العراقية، لزميله المدون والناشط شجاع الخفاجي، الذي يدير صفحة «الخوة النظيفة» على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، والمعنية بمتابعة الاحتجاجات التي تشهدها المدن العراقية.

باباني مع زوجته (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

ورغم الإفراج عن الخفاجي، فإن المخاطر التي تحيط بالصحافيين العراقيين تتصاعد مع إصرار العراقيين على مواصلة احتجاجاتهم ضد الدولة في 25 أكتوبر الجاري. لذا يقول الباحث والصحافي العراقي إياد الدليمي إن قمع الصحافيين في العراق وصل لمستويات غير مسبوقة، بالتزامن مع التظاهرات التي خرجت في الأول من أكتوبر 2019. فحين صدمت السلطات العراقية بطبيعة تلك التظاهرات، بدأت تنتهج عمليات قمع ضد الصحافيين والناشطين، ووصل أمرها إلى اقتحام مكاتب القنوات الفضائية واعتقال كوادرها، وتهديد العاملين فيها، بحسب الدليمي.

ويشير الدليمي إلى أن حجم التهديدات الكبير، دفع صحافيين إلى الفرار من بغداد باتجاه أربيل أو تركيا، إذ استشعر الصحافيون في العراق تغولًا أكبر ضدهم بعد الأحداث الأخيرة، ففروا الى أماكن أكثر أمنًا، خاصة أن الدعوات لتظاهرات جديدة ستفتح الباب أمام مخاطر أكبر ستواجه حملة الأقلام.

معقبًا: «للأسف السلطات تعد المسرح لارتكاب جريمة جديدة ضد شهود نقل الحقيقة»، ويضيف خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 والجسم الصحافي في العراق يعيش الوهن. فلا نقابة فاعلة، ولا سلطة جادة في حمايتهم، لم يبق أمام حملة الأقلام العراقية إلا مواصلة عملية فضح القتلة ومن يهدد عملهم ووجودهم. الصحافيون في العراق عليهم أن يرفعوا أصواتهم في وجه الرصاص حتى يستمع العالم لهم».

ويشدد الدليمي على أن الجهات التي تقف وراء تلك الاعتداءات لا يمكن إلا أن تكون جهات رسمية، رغم نفي السلطات العراقية لذلك، مستشهدًا بحالة اعتقال الخفاجي الذي اقتيد إلى سجن «مطار المثنى»، مستدركًا: «طبعًا هناك جهات أخرى تتعاون مع السلطات في عمليات تهديد الصحافيين، وهي الميلشيات المسؤولة أيضًا عن قتل المتظاهرين».

العراق الحزين.. كيف شكلت المآسي شخصية العراقيين عبر مئات السنين؟

أكثر من نصف قرن والصحافيون في خطر

تحصي الأرقام مقتل أكثر من 460 صحافيًّا في العراق منذ عام 2003 وحتى الآن، فكما تؤكد منظمة «مراسلون بلا حدود» أن البيئة الصحافية في العراق ما زالت تُمثل خطرًا على الصحافيين، وذلك لكون «الصحافيين في العراق، ضحايا للهجمات المسلحة والإيقافات والاعتقالات، أو التخويف من طرف ميليشيات مقربة من النظام، وحتى من قوات نظامية، ويظل قتل الصحافيين بلا عقاب، وتبقى التحقيقات دون نتائج، كما يؤكد ذووهم»، بحسب المنظمة.

جثة صحافي قتل مع زميلين آخرين  في مدينة سامراء في عام 2006.

كذلك يقف المسلحون من كل نوع والعصابات، ومافيا تهريب النفط، وعصابات تهريب العملة، وعصابات تجارة السلاح، وعصابات ترويج الدعارة وراء جملة من الاعتداءات ضد الصحافيين العراقيين، وكما يؤكد الشاعر والكاتب العراقي سمير السعيدي، فإن قمع الحريات الصحافية في العراق ارتبط بما يسمى بقيام «الدولة  الوطنية»، منذ أكثر من نصف قرن، تلك دولة المؤسسات وخدمة المواطنين، التي تطورت إلى مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، بهوية مرنة منفتحة على الكشوفات وكل التطورات العلمية لبناء مستقبل مبهج لأجيالهم ومواطنيهم دون تمييز.

ويضيف السعيدي لـ«ساسة بوست»: «نحن في العراق، كما في غالبية الدول العربية، تعمل السلطة لدينا تحت مفهوم: إن لم تكن معنا فأنت ضدنا وعدونا. وهكذا جرى تضييق الحريات على الصحافيين والمفكرين طوال حقبة أكثر من نصف قرن مضى».

ويشير السعيدي إلى أنه بعد عام 2003 حدثت خلطة حزبية طائفية قومية؛ فصار لكل حزب وتيار ومليشيا وطائفة فضائية خاصة به، وصحفيين تابعين له فقط، وفريق قمع واغتيالات، ويتابع: «وهنا لم يعد للصحافة الحرة مكان، ولا للصحافي المستقل المختلف فسحة يعبر عنها بحرية غير وسائل التواصل الاجتماعي، ومع ذلك صارت هذه الوسائل في العراق مراقبة ومرصودة، وسببًا كافيًا للاغتيال والقتل وتكميم الأفواه، حتى صار من الصحافيين من لا ينام في بيته، وينتقل إلى محافظات أخرى، ويغير اسمه وبروفايله في صفحة الفيسبوك».

وينتقد السعيدي كون عملية ملاحقة مرتكبي الجرائم بحق الصحافيين العراقيين مقيدة؛ فالقضاء مرتهن للأحزاب العراقية، بل يحميها ويشرع لها قوانين الإفلات من العقاب، ويضيف: «ما حدث ويحدث في العراق ضد الصحافيين والمتظاهرين هي جرائم موثقة كبرى ضد الإنسانية، تمس أبسط حقوق الناس في التظاهر السلمي والمطالبة بالحرية والكرامة وبعض الحقوق، مثل حرية التعبير وحرية الصحافة».

حراك شعبي.. مخاطر جمة على الصحافيين

تمكن الصحافيون العراقيون في أغسطس (آب) الماضي من إعلان 30 اسمًا متهمًا بتهديد الصحافيين بالقتل أو حتى تهجير بعضهم من العراق، وتضم هذه «القائمة السوداء» سياسيين، وأفرادًا حكوميين، وستة فصائل مسلحة مقربة من الحكومة العراقية، ارتكبت اعتداءات وانتهاكات بحق الصحافيين.

تحدثنا إلى رئيس «المرصد العراقي للحريات الصحافية»، هادي جلو مرعي، فأكد أن قمع الحريات الصحافية في العراق أمر استثنائي، ويخضع للمزاج العام للنخب السياسية، وللأوضاع الأمنية والاقتصادية والسياسية، موضحًا: «يكون الصحافيون في الواجهة ويعانون من تحديات جسيمة تمنعهم من التغطية الملائمة، وهم على الدوام في هاجس العمل المهني الذي لا يمكن ضمان وجوده في ظل كم المشكلات التي تعترض العراق».

ويقول مرعي لـ«ساسة بوست» إن الجهات التي تشكل خطرًا على الصحافيين العراقيين عديدة بسبب تعدد السلطات، ووجهات القرار في الدولة. ويعدد مرعي المخاطر التي يعاني منها الصحافيون العراقيون، فيقول إن منها الاعتقال، والتهديد بالتصفية، والمنع من التغطية، والطرد من العمل، وعدم توفر الأموال الكافية، وعدم جدية الحكومة في حمايتهم، وعدم رغبة الإدارات التي يعملون لحسابها في الوقوف معهم.

ولا يستبعد مرعي أن يتعرض الصحافيون العراقيون لمزيد من القمع والاعتداءات بعد الأحداث الأخيرة في البلاد، ويقول إن الأمر «ممكن جدًا، فلا توجد مؤشرات حقيقية خلاف ذلك، خاصة إذا ما استمرت تطورات الأحداث على الطريقة التي نخشاها، وما يمكن أن تسببه على الصحافيين من مخاطر».

ويختم رئيس «المرصد العراقي للحريات الصحافية» بالقول: «الجسد الصحافي تعود الضربات، لكن لنكن واضحين؛ فالصحافة ليست مستقلة تمامًا؛ خاصة وأن أغلب القنوات الفضائية؛ والصحف؛ والإذاعات؛ ووكالات الأنباء مملوكة لجهات هي جزء من منظومة الدولة».

«سرايا الخرساني».. ماذا تعرف عن مليشيا إيران التي قتلت المتظاهرين في العراق؟

 

المصادر

تحميل المزيد