كان الملك الأب خوان كارلوس، وهو في عمر ما فوق السبعين عامًا، على بعد 7200 كيلومتر من قصر زارزويلا، المقر الملكي في إسبانيا، عشية يوم الجمعة 13 أبريل (نيسان) عام 2012م، يستمتع مع عشيقته الدانماركية كورينا لارسن، في رحلة صيد سرية في بوتسوانا، إحدى الدول القليلة التي تسمح قانونيًّا بممارسة هواية صيد الفيلة، وبينما هو يخطو على مقربة من مخيمه في سفاري بوتسوانا انزلق على الأرض وأصيب بكسر في عظمة الورك.

كانت تلك السقطة على الأرض بداية سقوطه المدوي في عيون الرأي العام الإسباني، ليس بصورة شخصية فقط،  بل بما يمثله من وجه للملكية في إسبانيا، ليقرر في نهاية المطاف مغادرة البلد بعيدًا، بعد أن اشتد الخناق عليه إعلاميًّا وسياسيًّا، على خلفية قضايا فساد متعددة يحقق فيها الادعاء السويسري والقضاء الإسباني.

رحلة بوتسوانا وبداية السقوط

في السنوات التي تلت الانهيار الاقتصادي العالمي في سنة 2008م، كانت إسبانيا ما تزال تعاني من تبعات الأزمة الاقتصادية؛ إذ كانت الكثير من البنوك على وشك الإفلاس، وكانت نسبة البطالة في ارتفاع هائل. وقبل أيام قليلة من رحلة السفاري، صرَّح الملك الأب خوان كارلوس قائلًا بأن «التفكير في الشباب الإسباني، غير القادر على العثور على عمل، يجعله مستيقظًا في الليل».

وعلى عكس المناسبات الأخرى، لم يكن بالإمكان التغطية على الحادث السيئ الذي وقع للملك الأب في بوتسوانا، فهرع عائدًا إلى بلاده لإجراء عملية جراحية عاجلة، فبدأ يجتذب متابعة الإعلام والجمهور، ومن ثم بدأت تتكشف الفضائح واحدة تلو الأخرى.

في البداية تساءل الإسبان كيف لملك فخري أن يقوم برحلة صيد الفيلة في أدغال بوتسوانا، في وقت لا يجد فيه بعض الإسبان مسكنًا أو عملًا، بعد أن جرَّدتهم البنوك من منازلهم بفعل تراكم الديون من جرَّاء الأزمة. بعد ذلك تبين أن رحلة السفاري تلك كانت ممولة بتكلفة 40 ألف يورو على حساب رجل أعمال مقرب من العائلة المالكة السعودية يدعى محمد إياد كيالي، وهو شخص ورد اسمه في وثائق بنما عام 2016م، بوصفه رئيس 15 شركة خارجية، حسب صحيفة «فاينانشال تايمز».

ثم ظهر للإسبانيين أن الملك الأب لم يكن وحيدًا في رحلته، لقد كان مع امرأة تسمى كورينا لارسن، ستصبح بعد ذلك اسمًا مشهورًا في الصحافة العالمية، وبعد أن علمت بالفضيحة، انتظرت زوجة خوان كارلوس، الملكة صوفيا، ثلاثة أيام قبل زيارة زوجها في المستشفى ممددًا على السرير.


صورة مأخوذة من صحيفة الباييس الإسبانية

كانت البلاد كاملة غاضبة من الملك الأب وفضائحه في خضم الأزمة الاقتصادية التي كان يعيشها الإسبان حينئذ، ما اضطره على إثر ذلك، إلى الاعتذار علانية للشعب الإسباني، مُطأطئًا رأسه خجلًا: «أنا آسف جدًّا، لقد ارتكبت خطأ ولن يحدث مرة أخرى»، وأطلقت العائلة الملكية حملة عامة لمحاولة استعادة سمعة الملك، لكن الأوان كان قد فات، فقد ازداد التركيز الإعلامي عليه وبدأت الصحف تسلط الضوء على حياته الخاصة وأسراره.

في الحقيقة، كما يوضح المؤرخ الفرنسي لورانس ديبراي، فإن جميع أعضاء العائلة الملكية الإسبانية قاموا برحلات صيد وكان لديهم عشاق، لكن إسبانيا «كانت تمر بأزمة مالية خطيرة للغاية، ولم يتسامح الجيل الجديد من الإسبان مع ما كان يُسمح به من قبل»، هذا الجيل الذي لم يعش محاولة الانقلاب عام 1981م، التي انتهت عندما ظهر خوان كارلوس نفسه على شاشة التلفزيون بالزي العسكري الكامل للتنديد بالمتآمرين، الذين كانوا يرغبون بإسقاط الجمهورية الإسبانية الجديدة واسترجاع النظام الملكي كما كان.

فظهر الرجل على صفحات الجرائد الإسبانية وكأنه مغرم بالفاسدين والعلاقات المشبوهة. على سبيل المثال، انكشفت صداقاته مع المصرفي الإسباني ماريو كوندي، ورجل الأعمال خافيير دي لا روزا، والدبلوماسي مانويل برادو، وجميعهم قضوا وقتًا في السجن، علاوة على فضائح أخرى. اضطر خوان كارلوس في النهاية إلى التنازل عن العرش في عام 2014م، بعد ما يقرب من 40 عامًا من المُلك، لابنه فيليبي، لكن الأمر لن ينتهي عند هذا الحد.

قطار مكة والمدينة! رشاوى بملايين الدولارات

في مارس (آذار) من هذا العام، زعمت تقارير أن الملك السابق، خوان كارلوس، حصل على رشوة كبيرة، مقابل حصول شركات إسبانية على عقد بناء خط سكة حديدية من مكة إلى المدينة المنورة، الأمر الذي دفع المحكمة العليا الإسبانية إلى فتح تحقيق في الموضوع.

وفقًا لصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن التحقيق يتعلق على وجه التحديد بعلاقة خوان كارلوس بشركتين خارجيتين، إحداهما في ليختنشتاين، والتي أنشأها ابن عمه، والأخرى مقرها في بنما، والتي حصلت على تبرع بقيمة 100 مليون دولار من ملك المملكة العربية السعودية عام 2008م.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
خوان كارلوس.. ملك إسبانيا الذي انتزع الديموقراطية من بين أنياب العسكر

في القضية نفسها أطلق المدعي العام السويسري أيضًا تحقيقًا في شبهة غسل أموال، بخصوص شركتين مريبتين. الأولى وهي «Zagatka»؛ إذ يسعى المدعون إلى فهم كيفية جمع هذه الشركة ثروتها الضخمة، ولماذا نقلت الأموال بين الحسابات المصرفية غير المصرح بها.  والثانية وهي «Lucum» حيث يحاول المدعون تحديد ما إذا كانت الأموال السعودية التي تلقتها، مرتبطة بطريقة ما بعقد فازت به الشركات الإسبانية، لبناء خط سكة حديد عالي السرعة بين مدينتي المدينة المنورة ومكة المكرمة.

الآن وبعد أن وصلت فضائحه إلى مستوى شبهة «استغلال النفوذ، والتهرب الضريبي، وغسل الأموال»، لم يعد خوان كارلوس يحتفظ بالحصانة القضائية نفسها التي كان يتمتع بها وهو ملك، وأصبح عرضة للنقد الشديد من الرأي العام الإسباني، حتى إن استطلاع حديث للرأي أظهر أن 52% من المواطنين يفضلون أن تصبح إسبانيا جمهورية.

وصله التقريع أيضًا، ووصل إلى الطبقة السياسية، فقد صرَّح كيم تورا الرئيس الإقليمي لبرلمان كتالونيا، قائلًا: «لا الإسبان ولا الكتالونيون يستحقون مثل هذه الفضيحة الصاخبة والمثيرة للسخرية على نطاق دولي»، فيما تريد الأحزاب اليسارية الصغيرة هي الأخرى جمهورية إسبانية تامة، بعد توالي فضائح العائلة الملكية الإسبانية.

أدرك فيليبي، الملك الحالي، أن والده العجوز على وشك أن يغرق ميراثه الملكي في الوحل، فوبخه وجرده من دخله السنوي من الحكومة البالغ 194 ألف يورو. وبعد اجتماع معه وجهًا لوجه عرض فيليبي عليه أن يتخلى عن إقامته في القصر الملكي زوارزيلا والخروج من دائرة الأسرة الملكية «المبجلة» كليًّا، إذا ما أرد الخير لسلالته الملكية، لكن بالنسبة لخوان كارلوس الأب، فقد كان خطه الأحمر هو حفاظه على لقبه، ملكًا فخريًّا، والممنوح له منذ تخليه عن العرش قبل ست سنوات.

في النهاية، وافق الأب والابن على أن يتخلى خوان كارلوس الأول عن إسبانيا تمامًا، وفي اليوم التالي، كتب خوان كارلوس لابنه فيليبي خطابًا، وسيلة منهما لإعلام الرأي العام، قال فيه «مسترشدًا بقناعتي ومن أجل أن تقدم أفضل خدمة لشعب إسبانيا ومؤسساتها وأنت ملك، أبلغكم بقراري في هذا الوقت بمغادرة إسبانيا»، دون أن يعلن وجهته.

خوان كارلوس يغادر البلاد.. لكن إلى أين؟

أثار الملك السابق، خوان كارلوس، برحيله غير معلوم الوجهة، تكهنات شديدة بخصوص البلد الذي انتقل إليه، وسط تقارير متضاربة. للوهلة الأولى، زعمت صحف محلية أنه طار إلى جمهورية الدومينيكان في منطقة البحر الكاريبي، ويقيم في «Casa de Campo»، وهو منتجع يملكه أحد أصدقائه، بغرض قضاء بعض الوقت هناك ريثما تمر العاصفة في إسبانيا.

لكن الصحيفة الإسبانية الأكبر «EL PAÍS» أكَّدت أن الملك الفخري لم يرحل في الواقع إلى تلك الوجهة الكاريبية، وإنما عبَر الحدود إلى البرتغال، حيث عاش والده دون خوان دي بوربون في المنفى لجزء من حياته.

في حين، ذكرت «بي بي سي» أن ملك إسبانيا السابق، خوان كارلوس، سافر إلى الإمارات العربية المتحدة بعد مغادرته بلاده وسط تحقيق في فساد، وذلك نقلًا عن صورة نشرتها مجموعة «NIUS» الإعلامية الإسبانية، تظهر الملك السابق وهو يصل إلى أبوظبي. ومع ذلك ما يزال موقعه، حتى الساعة، غير مؤكد، في الوقت الذي ترفض فيه كل من العائلة المالكة والحكومة الإسبانية التعليق على مكان وجوده، حتى الآن.

كما ثار جدل بين الرأي العام الإسباني إذا ما كان الملك الفخري خوان كارلوس يهرب بتلك المغادرة، من التحقيقات الجارية حوله! غير أن محاميه أعلن أن موكله ما يزال تحت تصرف المدعين العامين. ويبدو أن الهدف من دفعه للمغادرة من إسبانيا هو إبعاد مشكلاته القانونية عن العائلة الملكية.

خوان كارلوس كان بطلًا!

في الواقع، كان من المفترض أن يُدرج خوان كارلوس الأول ملك إسبانيا السابق بوصفه بطلًا في كتب التاريخ؛ إذ سهَّل على إسبانيا المرور إلى الديمقراطية والتحديث، بعيدًا عن تركة فرانكو الديكتاتورية.

فبعد إعلان الجمهورية الإسبانية الثانية عام 1931م، أُجبرت العائلة المالكة الإسبانية على النفي إلى إيطاليا، وسرعان ما جاء الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو وأطاحها في حرب أهلية مريرة استمرت 10 سنوات، وأعلن إسبانيا مملكة عام 1947م، لكن ظلَّ الديكتاتور يحكمها حتى وفاته، ليعتلي خوان كارلوس، الذي ولد ونشأ في المنفى بإيطاليا، العرش عام 1975م.

Embed from Getty Images

حينئذ، كان لدى خوان كارلوس القدرة على غرس النظام الملكي المطلق واستكمال مشوار الاستبداد الذي بدأه فرانكو، لكنَّه على غير المتوقع، شجَّع الحريات والتعددية، وأصبحت البلاد عام 1978م ملكية دستورية، تعطى فيها صلاحيات السلطة للبرلمان، ويحتفظ الملك بمنصبه، رئيسًا صوريًّا للبلد. وزاد صيت كارلوس الأول عندما دافع عن الديمقراطية الوليدة وأفشل انقلابًا عسكريًّا عام 1981م، مما ساعد إسبانيا في المضي سريعًا نحو الازدهار والديمقراطية، بعد أن تأخرت كثيرًا عن الركب الأوروبي.

لكن، وعلى عكس سيرته الأولى، أصبح الملك الفخري خلال عقديه الأخيرين، يرسم لنفسه طريقًا خاصًّا، عنوانه المال. إذ بلغت ثروته عام 2013م ملياري دولار بحسب تقارير إعلامية. أحد المطلعين على شؤونه المالية قال لصحيفة «الباييس»، إنه «يريد أن يضمن خلال حياته لنفسه وأسرته عدم التعرض أبدًا للإذلال المالي، الذي عرفه مع والديه خلال فترة المنفى»، وعلى ما يبدو فإن الرجل يواجه في آخر حياته ما كان يهرب منه؛ إذلال المنفى.

على جانب آخر، يرى الإسبان أنه «لو كان الملك قد مات قبل رحلة صيد الأفيال المشؤومة لمات بطلًا، إنه رجل الانتقال إلى الديمقراطية ورمز تحديث إسبانيا»، مشيرين إلى أن «لا أحد كان يتوقع مثل هذه النهاية المحزنة، فعندما يدور الحديث عن الفساد والعشاق فقط، يُنسى عمله السياسي. إنها خيبة أمل كاملة».

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
إسبانيا باعت فلوريدا مقابل 5 مليون دولار.. ماذا تعرف عن بيع الأراضي بين الدول؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد