في خمسينيات القرن الماضي، وبينما عايشت بعض دول الغرب ديكتاتوريات في إسبانيا والبرتغال، فوجئ العالم بديكتاتورية أخرى في ثاني أكبر دول أمريكا اللاتينية، الأرجنتين، على يد الجنرال خوان بيرون، الذي لم يُمح اسمه منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا من الحياة السياسية للبلاد، ورغم ديكتاتوريته ظلَّت جماهير عريضة متيمة بحب الرجل، واستطاع بيرون – في رأي البعض – أن يقنعهم بأن السلطة في يدهم على عكس الواقع، فما قصة هذا الرجل؟ ولماذا أحبه كثير من الأرجنتينيين إلى هذا الحد؟ 

نجم لامع في الانقلابات العسكرية

ولد خوان دومينجو بيرون في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 1895، والتحق بالجيش عام 1911 وتدرج في المناصب بعد تخرجه فعُين عام 1930 عضوًا في هيئة الأركان العامة للجيش، وأستاذًا للتاريخ العسكري في المدرسة العليا للحرب. المنصب الذي سمح له بتطوير قدرة خطابية قوية كانت طريقه لممارسة السياسة، وكتب بيرون في تلك السنوات مقالات عن تاريخ الحرب ونظرياتها، ونشر حولها عدة كتب مثل «الجبهة الشرقية للحرب العالمية عام 1914»، و«ملاحظات على التاريخ العسكري»، و«ملاحظات حول الحرب الروسية اليابانية عام 1905».

خوان بيرون بزيِّه العسكري. مصدر الصورة: ويكيبيديا

انضم بيرون إلى مؤامرة الجنرال خوسيه فيليكس أوريبورو عام 1930، للانقلاب على الحكم المدني برئاسة إيبوليتو إيريجوين، ثم انفصل عن هذه المجموعة، وبعد سنوات كتب يقول إنه كان صغير السن وإنه أخطأ في الانضمام إلى الانقلاب العسكري.

وفي عام 1943 كان بيرون أحد المشاركين في الانقلاب العسكري على حكم الرئيس رامون كاستييو، وقامت عقب ذلك ديكتاتورية عسكرية كان على رأسها أرتورو راوسون، الذي بدأ حكمه باضطهاد العمال والطلاب، وحظر النقابات، وإغلاق الكونجرس في البلاد، وحظر الأحزاب السياسية، وفرض الرقابة على الصحافة، ومواجهة مطالب العمال بالقمع، وفي كلِّ هذا كان بيرون إلى جانبه، ولكنه سعى لتنفيذ إستراتيجية أخرى، فأخذ يتقرب من العمال الذين كانوا يشكِّلون أغلبية سكان الأرجنتين.

في أكتوبر من عام 1943 عُين بيرون رئيسًا للإدارة الوطنية للعمل، ثم صارَ وزيرًا للعمل، فصارت لديه سلطات ومخصصات أكبر من ميزانية الدولة، وبدأ ببناء علاقات مع قادة النقابات للتعرف إلى مطالبهم، وتعاملَ معهم بلطف بالغ وتحدث معهم بلغة واضحة وصريحة تختلف عن لغة السياسيين التقليديين، وفي أقل من عامين نجحت وزارته في منح أجور أعلى وإجازات مدفوعة للعمال، ووفَّر الاستقرار الوظيفي ودمج مليوني شخص في نظام التقاعد، وأنشأت الوزارة محاكم عمالية لتوفر الحماية لعمال البلاد، واستطاع بيرون بذلك تأسيس تحالف مع العمال.

ركَّزت سياسات بيرون على تحسين ظروف العمال وقطاعات المجتمع المُهملة، وشجعت على تأميم القطاعات الأساسية للاقتصاد، وتصوَّرَ تحالفًا بين الطبقات في البلاد، وأن تكون العلاقة متناغمة بين الدولة وأصحاب الأعمال، وأن يتحقق توزيع عادل للثروة، ولكن بالطبع واجه بيرون معارضةً من الطبقات النافذة في البلاد والرافضة لتحمل تكاليف تحسين حياة العمال.

إيفيتا.. عشق بيرون، والأرجنتينيين أيضًا

في تلك الأثناء، وتحديدًا عام 1944، التقى بيرون بشابة بارعة الجمال هي إيفا دوارتي، ونشأت قصة حب بين الرجل الأربعيني والشابة التي لم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها، وهي قصة فارقة في حياة بيرون، «إيفيتا» كما أطلق عليها الأرجنتينيون، تصغيرًا لاسمها – إيفا – صارت عشق كثيرين من الأرجنتينيين أنفسهم، ولا يزال اسمها يتردد حتى اليوم أيضًا في حياتهم. 

منذ تلك اللحظة لم يفترقا، وصارت إيفيتا علمًا مميزًا في الرحلة السياسية لبيرون، رافقته في المراحل اللاحقة، وصار اسمها مقترنًا باسمه دائمًا. 

خوان بيرون وإيفيتا. مصدر الصورة

«في عام أو عشرة أعوام، لكننا سنفوز»

بعد شهور من هذا اللقاء عام 1944، وبعد انقلاب عسكري حكمَ إديلميرو خوليان فاريل، منصب الرئيس وعُين بيرون نائبًا له، وقدَّمت حكومة فاريل المزيد من الحريات السياسية فتشجعت المعارضة للقيام بمظاهرة ضخمة شارك فيها ربع مليون شخص، في ساحة سان مارتين بالعاصمة الأرجنتينية، لتطالب بتسليم الحكومة إلى المحكمة العليا وعودة الجيش إلى الثكنات.

وتصاعد التوتر حتى أكتوبر عام 1945، فألقى قطاع من الجيش القبض على بيرون، وطالبه بالاستقالة من جميع مناصبه، وجرى ترحيله إلى جزيرة مارتين غارسيا، كان ذلك بسبب إصلاحات العمل التي قام بإدخالها، وكانت القوة السياسية له قد أزعجت القيادات داخل الجيش، فقد شغل بيرون في تلك الفترة ثلاثة مناصب سياسية في الوقت نفسه، فكان نائب رئيس الدولة، ووزيرًا لشؤون الحرب، ووزيرًا للعمل والضمان الاجتماعي، كانت علاقته بإيفا دوارتي، عشيقته آنذاك قبل أن يتزوجا، أحد أسباب اتهامه أيضًا. وفضلًا عن أسلوبه في السياسة الخارجية الذي أبقى الأرجنتين على الحياد في صراع الهيمنة الدولية في الحرب الباردة؛ ما وضع البلاد محل ضغط مستمر من الولايات المتحدة.

وإزاء هذه الأحداث لجأ بيرون إلى القطاع الذي كان يدعمه دون شروط، الطبقة العاملة، وقد تجمعت في ساحة مايو التاريخية، ونجحت في الضغط على الحكومة الجديدة لإعادته من المنفى، وإدخاله المستشفى العسكري، وبناءً على طلبهم لرؤيته، خرج بيرون من شرفة البيت الوردي، مقر الرئيس الارجنتيني القريب من الميدان، ليلقي كلمة أمام خمسين ألف عامل، طلب فيها من العمال أن يثقوا بأنفسهم وأن يتذكروا أن «تحرر الطبقة العاملة سينبع من العامل نفسه»، وأضاف «سنفوز في عام واحد أو في غضون عشرة أعوام، لكننا سنفوز»، كان من المفترض – كما اتفق مع محتجزيه – أن يطلب بيرون من الجماهير المغادرة بعد تهدئتهم، لكنه في استعراض لقوته طلب منهم البقاء لخمسة عشر دقيقة أخرى.

في 17 أكتوبر من عام 1945 ترك مئات الآلاف من العمال أعمالهم وتوجهوا إلى ساحة مايو التاريخية (بلازا دي مايو)، في احتجاج سلمي للمطالبة بحرية بيرون، كان لدى الحركة العمالية تاريخ طويل من النضال منذ بداية القرن العشرين، وفي ذلك اليوم طالبت جماهير عماليَّة بالحرية للكولونيل الذي فاوضهم لسنوات لمنحهم حقوقهم.

وبحلول منتصف الليل أُطلق سراح بيرون، وطالبه المحتجون بالاستقالة من جميع مناصبه والترشح للرئاسة في انتخابات فبراير (شباط) عام 1946، وعُرف هذا اليوم باسم «يوم الولاء»، وهو يعد يوم ميلاد للحركة البيرونية التي لا تزال قائمة حتى اليوم.

بيرون في الرئاسة

تزوج بيرون من عشيقته إيفا دوارتي وانطلقت معه في الحملة الانتخابية التي فاز فيها بيرون بما يزيد على 50% من الأصوات، ليتولى منصب الرئاسة في يونيو (حزيران) 1946، ويبدأ عملية التحول السياسي والاقتصادي للبلاد، بتأميم التجارة الخارجية، وإنشاء شركات حكومية، وتأميم الخدمات العامة، وتحقيق توزيع أكثر إنصافًا للثروة في المجتمع الأرجنتيني، وعلى المستوى الدولي، حافظ بيرون على «الموقف الثالث» ونأى بنفسه عن كل من الرأسمالية والشيوعية، في إطار الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

Embed from Getty Images

إيفيتا تخطب في حشد من النساء

لم تكن أيام بيرون أيام حرية سياسية مطلقة، فقد فرض على الجانب الآخر رقابة على الصحافة، وأخضع النقابات العمالية للدولة، وضيَّق على المعارضين لسياساته من القطاعات ذات الدخل المرتفع، ورغم ذلك أُعيد انتخاب بيرون للمرة الثانية، في نوفمبر (تشرين الثاني) 1951، وحصد هذه المرة المزيد من الناخبين، آخذًا 62% من الأصوات.

يقول جون غرنفيل في كتابه «الموسوعة التاريخية لأحداث القرن العشرين»، إن السبب الوحيد لنجاح بيرون هو أنه أدخل جملة من التشريعات الاجتماعية ورفع الأجور وحدد لها حدًّا أدنى، وصرف المعونات، واستطاع بيرون عمليًّا تكوين قاعدة جديدة للحكم قوامها التحالف بين الجيش والجماهير العريضة من عمال المدن الذين كانوا يشكلون قطاعًا كبيرًا من سكان الأرجنتين، وفي رأي غرينفل لم يحصل هؤلاء في الحقيقة على أية سلطة، لقد عاشوا وهم السلطة فقط حين دعموا القائد الجذاب، وجزءٌ من جاذبيته جاء، بحسب غرنفيل، من «أسطورة إيفيتا»، زوجته.

إيفيتا الأسطورة

كانت إيفيتا فاعلة في الحياة العامة، فقادت مبادرة تاريخية لتعديل الدستور وللمصادقة على حق المرأة في التصويت، وهو المطلب الذي ظلت الحملات تطالب به لعقود دون جدوى، كما جرى تغيير بعض النصوص الخاصة بالحقوق الاجتماعية للأطفال والمسنين. 

أنشأت إيفيتا مؤسسة لصرف المعونات لليتامى والفقراء، واستخدمت أموال الدولة لتمويل مؤسستها، وفي رأي عديد من الأرجنتينيين كانت هذه المعونات هدايا من حكومة تحاول البقاء في السلطة لوقت أطول لا أكثر، بما في ذلك إنجاز بيرون الأكبر: توفير نظام رعاية اجتماعي للفئات المهمشة.

كانت صور إيفيتا بالأبيض والأسود تبدو وكأنها رسم لمريم العذراء، وقد منحها الكونجرس الوطني الأرجنتيني لقب «الزعيمة الروحية للأمة» في مايو (أيار) 1952، وفي العام نفسه ماتت إيفيتا عن عمر 33 عامًا بسبب سرطان الرحم، فخيَّم حزن لا مثيل له على الجماهير استغله بيرون لدعم حكمه، وكان لإيفيتا شعبية جارفة إلى حد أن 3 ملايين أرجنتيني انتظروا 15 ساعة لرؤية جسدها المحنط. 

في شرفة القصر الرئاسي، إيفيتا في أيامها الأخيرة تبكي لاضطرارها للانسحاب من الترشح لمنصب نائب الرئيس. مصدر الصورة

وفي مكان آخر بعيدًا عن الجنازة، كان هناك من المعارضين من يكتبون في الشوارع «يعيش السرطان»، وفي محاولة من معارضيها لمحو أثرها، سُرقت جثة إيفيتا وأُخفيت لمدة 15 عامًا بعد وفاتها؛ ما أسهم في تحويلها إلى أسطورة بالفعل عند من أحبوها.

في المنفى.. غائبًا عن الأرجنتين وحاضرًا في سياستها

على أرض الواقع خفَّضت الخطة الاقتصادية التي وضعتها حكومة بيرون من مستويات المعيشة للأقليات البرجوازية والمعارضة اليمينية، وانزعج العسكر والكنيسة من الدعم الجماهيري الذي حظي به بيرون، وعلى مدى سنوات وإزاء تضييقه على المعارضة، تجمعت الفئات المعارضة منذ عام 1951، فزادت التوترات وحوادث الشغب، وبحلول عام 1954 أصبحت مؤامرة عسكرية لإطاحته خيارًا واردًا، وانقسم الجنرالات بين معارض أو مؤيد لبيرون ومحايد في انتظار ما سيحدث.

في 16 يونيو (حزيران) 1955 أسقطت الطائرات التابعة للقوات الجوية الأرجنتينية أكثر من مائة قنبلة على ساحة مايو التاريخية، والمناطق المحيطة بها بهدف قتل بيرون في مقر إقامته القريب، بالبيت الوردي، وتقويض قواعده، انفجرت القنابل في المارة والسيارات في مشهد بدا وكأن حربًا قامت في العاصمة الأرجنتينية، وحتى عام 2009 صدر تقرير الأرشيف الوطني للذاكرة ليؤكِّد أن عدد القتلى بلغ على الأقل 350 شخصًا، بجانب مئات الإصابات، ولم يتسن التأكد من الرقم الحقيقي نظرًا إلى وجود أشلاء متفحمة لم يمكن التعرف إليها.

في سبتمبر (أيلول) 1955 – بعد ثلاثة شهور فقط- أطاح انقلاب عسكري بيرون، ولم يقاوم الرجل واختار الرحيل، ليعيش في المنفى قرابة 18 عامًا عاش فيها بعيدًا عن الأرجنتين ومؤثرًا فيها، فقد بدأت سلسلة من الانقلابات هناك. 

في عام 1962 وبعد أربع سنوات فقط من حكم رئيس مدني مستقل، نفذ الجيش الأرجنتيني انقلابًا آخر، ثم انقلابًا تاليًا بعد عام واحد في عام 1963 على رئيس منتخب أيضًا، وتتابعت الانقلابات، خلال تلك السنوات كانت البيرونية لا تزال حاضرة في أذهان وقلوب الجماهير، وبعد أحداث متوترة متعاقبة عاد بيرون إلى الحكم عام 1973، بانتخابات حرة مباشرة، لكنه كان أكبر سنًّا ومصابًا بأمراض مزمنة، فلم يبق في الحكم إلا شهورًا قليلة، حتى وفاته عام 1974، لكنها لم تكن نهاية البيرونية. 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد