اجتهدت دولة الاحتلال الإسرائيلي كثيرًا من أجل ترسيخ أقدامها في القارة الأفريقية، كانت وجهتها الأهم في أفريقيا “جنوب السودان”، حتى أنها في اليوم الثاني من رفع العلم الجنوبي في يونيو/ حزيران 2011 اعترفت بهذه الدولة.

الآن دولة الاحتلال تزود هذا الجنوب بالأسلحة – رغم حظر ذلك دوليًّا-، سمّت لها سفيرًا فيه، واعتمدت سفير للجنوب في القدس، وتقوم الآن ببناء قرية زراعية تعتمد على التكنولوجيا (الإسرائيلية)، وهي أيضًا تقترب أكثر من تحقيق حلمها بالسيطرة على مياه النيل، لذلك وأكثر كان على رئيس دولة جنوب السودان “سلفا كير” أن يعبر في زيارته لدولة الاحتلال عن امتنانه الكبير قائلًا: “لولا دولة أرض الميعاد ما قامت لنا قائمة”.

كيف سيطرت إسرائيل على جنوب السودان؟

 

يعتمد مبدأ “شد الأطراف” الذي سيطرت به دولة الاحتلال على جنوب السودان، على خلق حالة شلل لأي كيان مصنّف إسرائيليًّا في مراتب التهديد الإستراتيجي، ويترتب على ذلك خلق مصالح متمايزة بين مركز الخصم وأطرافه، ويساعد على تحقيق هذا المبدأ بشكل أسرع وجود تباينات دينية أو عرقية بين المركز والطرف.

لذلك وصلت دولة الاحتلال إلى الانفصاليين في جنوب السودان، كان ذلك عبر ثلاث مراحل، الأولى كانت بإقامة علاقات إسرائيلية مع السودان قبل انفصاله عن مصر، والدلائل على وجود تلك المرحلة عديدة، فبعد تأسيس دولة الاحتلال مباشرة أقيمت علاقات تجارية بين الطرفين.

وفي عام 1953، بدأت دولة الاحتلال مرحلتها الثانية، حيث دعمت معسكر استقلال السودان عن مصر، فالتقى الصادق المهدي ومحمد أحمد عمر بالسكرتير الأول للسفارة الإسرائيلية في لندن، موردخاي غازيت بعد أن ساعدت بريطانيا على ذلك، ووعدت دولة الاحتلال في هذا اللقاء بمساعدة حزب الأمة من أجل الحصول على الاستقلال، واستمرت هذه العلاقة مع حزب الأمة حتى حصول الانقلاب الذي وصل بموجبه الفريق إبراهيم عبود إلى الحكم.

ونجمت المرحلة الثالثة عن محاولة دولة الاحتلال التفاعل مع الانفصاليين السودانيين بعقد مقارنات تفيد بأن الجماعات الإثنية في السودان تتعرض لاضطهاد كما حدث مع اليهود عبر التاريخ. وبدأت بتقديم الدعم “الإنساني” للاجئين الفارين من الجنوب السوداني في إثيوبيا خصوصًا بعد عام 1958، إذ كان الكثير من الجنوبيين يفرون بأرواحهم نحو إثيوبيا.


ما هي مصالح دولة الاحتلال من انفصال الجنوب السوداني؟

“انفصال جنوب السودان يشكل مصلحة إسرائيلية بالدرجة الأولى؛ لأن كل الزعماء تبنوا خطًّا إستراتيجيًّا واحدًا في التعامل مع السودان يقضي بالعمل على تفجير أزمات مزمنة ومستعصية، وقد حان الوقت للتدخل في غرب السودان، وبالآلية والوسائل نفسها لتكرار ما حصل في جنوبه”، هذا ما قاله وزير الأمن الداخلي السابق «آفي ديختر».

لقد رأت دولة الاحتلال الإسرائيلي أن استقلال جنوب السودان فرصة ذهبية من أجل دفع مصالحها الأمنية والاقتصادية في المنطقة، لذا كانت أول من اعترف بدولة جنوب السودان، وسارعت لتستثمر أموالًا كثيرة في البنية التحتية المدنية والمساعدات العسكرية، مقتنعة أن القادم بعد انفصال جنوب السودان عن شمال سيكون لصالحها، لدرجة أن دولة الجنوب ستتحول إلى «قاعدة عسكرية» إسرائيلية في نهاية المطاف.

وتسعى دولة الاحتلال الآن لتحقيق أهداف إستراتيجية لنظرية الأمن القومي عن طريق العمل على تطويق الدول العربية وحرمانها من نفوذها في القارة، كما تريد دولة الاحتلال أن تحرم السودان بموارده ومساحته الشاسعة من أن يصبح دولة إقليمية قوية منافسة لمصر والعراق والسعودية، وهو ما يعني عدم السماح له بأن يصبح قوة مضافة إلى العالم العربي، وهو ما يتطلب العمل على إضعافه، وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة.

كيف غذت دولة الاحتلال جنوب السودان بالأسلحة؟

طائرات إسرائيلية تهبط يوميًّا في مطار ربكونا جنوب السودان، تقوم بإفراغ ما لديها من صواريخ ووسائل حربية وأسلحة، مسئولون إسرائيليون يقومون بتدريب وتسليح جيش جنوب السودان،
هذه الأمور غير الخفية تؤكد على تعاظم تزويد دولة الاحتلال لجنوب السودان بالأسلحة، الذي وصل لحد أن تدفع دولة الاحتلال مرتبات قادة وضباط الجيش، حيث قدرت مجلة (معرجون) العسكرية أن مجموع ما قدمته إسرائيل لجيش تحرير السودان 500 مليون دولار، قامت الولايات المتحدة بتغطية الجانب الأكبر منه.

يقول الرئيس السابق للاستخبارات الحربية الإسرائيلية أمان “عاموس يادلين” حرفيًّا: “لقد أنجزنا عملًا عظيمًا للغاية في السودان, نظمنا خط إيصال السلاح للقوى الانفصالية في جنوبه ودربنا العديد منها، وقمنا أكثر من مرة بأعمال لوجستية لمساعدتهم، وشكلنا لهم جهازًا أمنيًّا استخباراتيًّا”.

بدأت صفقات الأسلحة الإسرائيلية لجنوب السودان تتدفق في الستينيات عبر الأراضي الأوغندية، فأول صفقة كانت عام 1962م، ومعظمها من الأسلحة الروسية الخفيفة التي غنمتها دولة الاحتلال من مصر في عدوان 56, ثم في منتصف الستينيات حتى السبعينيات، استمر تدفق الأسلحة من خلال “جابي شفيق” وبعض هذه الأسلحة كانت روسية استولت عليها إسرائيل في حرب 1967.

وفى أواخر السبعينيات وطوال عقد الثمانينيات، استمر دعم التمرد المسلح بزعامة العقيد جون جارانج، وفي تلك الفترة ظهر النفط في جنوب السودان؛ مما عزز دعم الجهات الأجنبية للحركة الانفصالية, وهذا ما دفع دولة الاحتلال لدعم جارانج بأسلحة متقدمة وتدريب عشرة من طياريه على قيادة مقاتلات خفيفة للهجوم على المراكز الحكومية في الجنوب، بل إنها وفرت له صورًا عن مواقع القوات الحكومية التقطتها أقمارها الصناعية، وقام بعض خبرائها بوضع الخطط والقتال إلى جانب الانفصاليين من أجل احتلال ثلاث مدن في الجنوب عام 1990 وهي (مامبيو واندارا وطمبوه).
وفي أواخر عام 1990، ومع استمرار دعم الاحتلال العسكري لجنوب أفريقيا، أصبحت كينيا هي جسر الاتصال بين الطرفين بدلًا من إثيوبيا، فقبل أيام وصل وفد من جنوب السودان إلى تل أبيب لحضور معرض أمني وعسكري.

وما تزال دولة الاحتلال تسلح جنوب السودان في الوقت الذي فرضت فيه الدول الأوروبية والولايات المتحدة حظرًا على بيع أسلحة لجنوب السودان، وتظهر معطيات نشرتها وزارة الدفاع الإسرائيلية أن صادرات الأسلحة الإسرائيلية إلى أفريقيا سجلت ارتفاعًا كبيرًا في عام 2014، بلغت نسبته 40% قياسًا بالعام الذي سبقه، علمًا بأن صادرات الأسلحة الإسرائيلي إلى أفريقيا في عام 2013 سجلت رقمًا قياسيًّا. ووفقًا لهذه المعطيات فإن حجم صفقات الأسلحة بين إسرائيل ودول أفريقية بلغ 318 مليون دولار في العام الماضي، فيما كان حجم الصفقات 223 مليون دولار في عام 2013.
ووفقًا للتقرير، الذي أعده المحامي إيتي ماك وأستاذ اللسانيات في جامعة بئر السبع، البروفيسور عيدان لاندو، فإنه إسرائيل تخوض “حربًا سرية” في جنوب السودان، منذ ستينيات القرن الماضي، ودعمت نضال المتمردين بالتحرر من حكم الخرطوم. وهذا الدعم الإسرائيلي حسب لاندو لم ينبع من قيمها أو من تعاطفها الصادق مع نضال صادق وشرعي للتحرر، وإنما نبع بالأساس من مصالح إستراتيجية عديدة.

 

لماذا تريد دولة الاحتلال أن تتحول لفاعل أساسي في أزمة المياه في حوض النيل؟

 

بقيت دائمًا مياه النيل محل أطماع دولة الاحتلال، فالدولة العبرية ما زالت تحارب بكل تكتيكاتها من أجل الحصول على نسبة ولو قليلة من مياه النيل، لذا دأبت على تكثيف جهودها الدبلوماسية في القارة الأفريقية وخاصة في الجزء الشرقي منها لتأخذ من تلك العلاقات خطوات متسارعة ومنحى جديد نحو مد النفوذ الإسرائيلي إلى داخل منطقة حوض النيل.

مؤخرًا وقعت دولة الاحتلال اتفاقية مع دولة جنوب السودان سيتم بناء عليها تصدير الأسلحة إضافة إلى المساعدة في تنقية المياه، ونقلها لدولة الاحتلال، وتحلية مياه البحر، يقول خالد وليد محمود في مقاله “إسرائيل ومياه النيل في جنوب السودان” أن “إسرائيل تستغل ظروف دولة حديثة الاستقلال كجنوب السودان وتحاول تكريس نفوذها داخلها عن طريق اتفاقيات من هذا النوع تحمل مضمونًا سياسيًّا أكثر منه مضمون واقعي، والغرض من كل هذا أن تتحول إسرائيل لفاعل أساسي في أزمة المياه في حوض النيل، فضلًا عن الضغط على مصر من أجل السماح لمرور مياه النيل بإسرائيل”.
من جانبه، يقول رئيس برنامج دراسات السودان وحوض النيل بمركز الأهرام الإستراتيجي هانئ رسلان إن تلك الاتفاقية جزء من العلاقة الإستراتيجية بين إسرائيل وجنوب السودان، فقد امتدت العلاقات للتواجد في المجال الاقتصادي والآن تمتد إلى مجال المياه، وهذا يدل على تكريس نفوذ الدولة العبرية في جنوب السودان، وحرص دولة الاحتلال على أن تتحول إلى فاعل أساسي في أزمة المياه في حوض النيل باستخدام نفوذها في دول أساسية في هذا الحوض مثل إثيوبيا وأوغندا وجنوب السودان، ومن ثم الحصول على جزء من مياه النيل بموافقة دول المنابع.

المصادر

تحميل المزيد