ستة وستون عامًا مرت على نكبة فلسطين، وسط توسع للمخططات الإسرائيلية التهويدية يومًا بعد يوم، وتفاقم أوضاع الفلسطينيين في الداخل والخارج سياسيًا واقتصاديًا وحتى اجتماعيًا، لاسيما اللاجئين منهم في الشتات، حيث سوريا ولبنان والأردن والعراق.

ومنذ قيام دولة “إسرائيل” وتسير حكوماتها المتعاقبة حتى الآن وفق مخطط ممنهج وشامل لتهويد مدينة القدس المحتلة، والقرى المجاورة لها، حيث تتركز على الاستيطان والتوسع في البلدات الفلسطينية، إلى جانب مصادرة الأراضي والمنازل ومنحها للمستوطنين، وزيادة أعداد المستوطنين والمتطرفين على حساب الأرض الفلسطينية وسكانها الأصليين.

جملة من المخططات التهويدية للأراضي الفلسطينية اتخذتها إسرائيل هدفًا لتحقيق ما تصبوا إليه منذ احتلالها وحتى الآن، وأبرزها:

أولًا: تهويد مدينة القدس

عملت إسرائيل على اتباع سياسة جديدة لتهويد مدينة القدس على غرار السنوات الماضية بجزأيها الشرقي والغربي بعد توسيع ما يسمى بحدود القدس شرقًا وشمالًا، عبر انضمام العشرات من المستوطنات الإسرائيلة إلى أحياء القدس.

وأدت السياسة التي اتبعتها إسرائيل إلى مضاعفة عدد المستوطنين، وقللت نسبة السكان الفلسطينيين، حيث بلغت نسبة المستوطنين في القدس الشرقية المحتلة حوالي 300.000 مستوطن.

ووفقًا لمعطيات مكتب الإحصاء لشهر ديسمبر من عام 2013 التي نشرها موقع المستوطنين، فقد بلغ عدد المستوطنين 375 ألف مستوطن في الضفة الغربية، وقد أضيف لعدد المستوطنين خلال العام المنصرم 15,400 مستوطن.

ولا تتوقف حدود هذه المستوطنات عند الشكل الذي أقيمت عليه، بل يجري توسيعها باستمرار وتوجيه المستوطنين إليها، حتى أن بلدية الاحتلال في القدس، والتي تهدم كل بيت عربي يتم بناؤه بدعوى البناء بدون ترخيص، تسمح للمستوطنين الصهاينة القيامَ ببناء عشوائي في أي مكان يستطيعون الاستيلاء عليه، ثم تتولى البلدية تنظيم الأبنية، وتحويلها إلى مستوطنة، وتتولى أيضا الدعوة إلى الاستثمار فيها وتوسيعها.

ثانيًا: التوسع الاستيطاني

نشأ الاستيطان الصهيوني في فلسطين قبل عا 1948 ، على عدة مراحل كان لكل مرحلة منها هدف مختلف عن المرحلة التي سبقتها، كما كان لكل مرحلة منها الطابع الخاص بها، والمميز لها ، ويمكن تقسيم الاستيطان بعد إعلان قيام الكيان الإسرائيلي في 15/51948/ إلى أربع مراحل وهي:

المرحلة الأولى

مرحلة الدولة العثمانية وتحديدًا منذ انعقاد مؤتمر لندن عام 1840 بعد هزيمة محمد علي، واستمرت حتى عام1882 ، وخلال هذه الفترة كانت البدايات الأولى للنشاط الاستيطاني اليهودي، إلا أن مشاريع هذه المرحلة لم تلقَ النجاح المطلوب بسبب عزوف اليهود أنفسهم عن الهجرة إلى فلسطين، والتوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية أو الانخراط في مجتمعاتهم.

المرحلة الثانية

مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين وحتى قيام دولة إسرائيل،  وفي هذه المرحلة بدأ الاستيطان الفعلي في فلسطين حيث تم تكثيف عمليات استملاك اليهود للأراضي الفلسطينية، وتدفق الهجرة اليهودية، حيث شهدت هذه المرحلة الموجات الثالثة والرابعة والخامسة من الهجرات اليهودية.

المرحلة الثالثة

وبدأت منذ إعلان قيام دولة إسرائيل وحتى عام1967، وفيها تمكن الكيان الصهيوني من الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية والاستمرار في مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات لاستقبال المهاجرين الجدد باستمرار.

المرحلة الرابعة

هي مرحلة التسوية السياسية وتوقيع اتفاق أوسلو عام1993 ، حيث نشطت حركة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية واستمرت أعمال تسمين المستوطنات وتوسيعها وصولًا إلى إقامة جدار الفصل العنصري الذي سيطر من خلاله الكيان الإسرائيلي على أكثر من ثلث مساحة الضفة الغربية.

ثالثًا: مخططات إسرائيلية جديدة

1-مخطط برافر

في 24 حزيران 2013 صادق الكنيست في القراءة على قانون برافر-بيغين العنصري بأغلبيّة 43 مؤيّد للقانون مقابل 40 معارض، حيث يهدد بتدمير عشرات القرى غير المعترف بها في النقب وتهجير عشرات آلاف المواطنين العرب البدو، ومصادرة نحو 800,000 دونمًا من أراضيهم.

وتسعى لجنة برافر إلى قوننة موضوع حساس جدًا، وهو ملكية الأراضي من خلال اقتراح القانون لتنظيم إسكان البدو في النقب (2012)، الذي أصبح في المراحل الأخيرة قبل طرحه على طاولة الكنيست،  وسيقرر القانون من يحق له تقديم ادعاء ملكية الأرض، وما هو الحد الأدنى من التعويض جراء مصادرة الأرض، كما ويتيح اقتلاع وتهجير عرب بدو من القرى غير المعترف بها إلى البلدات “الثابتة” التي أقيمت بشكل لا يلائم نمط حياتهم.

2-تحويل المساجد إلى معابد لليهود

وقام الجيش الإسرائيلي تحت حجج وهمية وغيرها بتحويل المساجد المقامة التي لم يستطع هدمها داخل الخط الأخضر، إلى معابد لليهود، وتشير الدراسات المتخصصة بأن الجيش الإسرائيلي حول (14) مسجدًا إلى معابد يهودية، و منع المسلمين من الصلاة في (19) مسجد، لتحول فيما بعد على يد الجيش الإسرائيلي إلى مرتع للقمار أو مطعم أو حظيرة خنازير، حيث هناك  (50) مسجدًا ومقامًا إما مغلقة أو مهملة أو مهددة بالهدم والإزالة من الوجود.

وبشكل عام لا تتعدى المساجد المذكورة عشرة في المائة من إجمالي مساجد فلسطين التي هدمت خلال الاحتلال الإسرائيلي (1948-2011)، وبعد احتلالها الضفة وقطاع غزة في عام 1967، لم تتوقف إسرائيل عن سياساتها لجهة هدم وتهويد الأماكن المقدسة عند العرب المسلمين وكذلك المقدسات بعينها.

رابعًا: تحقيق” يهودية الدولة”

حيث ظهر هذا المصطلح في أدبيات المؤتمر الإسرائيلي الأول الذي عقد عام 1897 في مدينة بازل، ويعتبر هرتسل هو المنظر الأول للفكرة في كتابه الشهير (الدولة اليهودية)، والذي يعتبر أول كتاب أدرج  فكرة الدولة اليهودية وأعطاها الزخم الأدبي والمعنوي، واعتبرها الحل العملي لمشكلة اليهود في العالم.

ومنذ ذلك الوقت أصبحت هذه الفكرة هي إحدى ركائز الفكر الإسرائيلي، وأخذ الخطاب السياسي الإسرائيلي يتمحور حولها، وبدأت تحتل مساحات واسعة في وسائل الإعلام وفي خطابات الساسة الصهاينة وفي المؤتمرات والمنتديات واللقاءات الدولية التي يعقدونها.

واتخذَ الكنيست الإسرائيلي عام 2003 قرارًا بضرورة تعميق فكرة يهودية الدولة وتعميمها على دول العالم ومحاولة انتزاع موقف فلسطيني فيما يتعلق بيهودية الدولة؛ حيث قدم مشروع القرار الأعضاء البرلمانيون لكتلة الليكود في الكنيست السابق؛ وتمَّ تشريعه بعد التصويت عليه، وقد تضمن القرار أيضًا إشارات إلى أن الضفة الغربية وقطاع غزة ليست مناطق محتلة، لا من الناحية التاريخية، ولا من ناحية القانون الدولي، ولا بموجب الاتفاقيات التي وقعتها إسرائيل.

اكتشفت إسرائيل فجأة أن تعميم شعار يهودية الدولة هو الشعار الأنجع لإنهاء حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم وتصفية وإزاحة الأساس القانوني لهذا الحق والحلم والأمل، خاصة وأنه بات المصطلح الذي يمثل جوهر ومضمون الغايات الأسمى والأهداف الكبرى لإسرائيل.

عرض التعليقات
تحميل المزيد