تعيد الانتهاكات الجارية بحق مدينة القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة من قبل الاحتلال الإسرائيلي ما جرى عامي 1948 و1967 حينما بدأت السيطرة الإسرائيلية على معظم أجزاء فلسطين، وسط أجواء من الخراب والدمار.

أبرز ما أفرزته السيطرة هو حالة التهويد والتشرد والنزوح لمئات الآلاف من الفلسطينيين، وجلب المزيد من المستوطنين من الداخل والخارج للإقامة فيها، فضلا عن مصادرة الأراضي وبناء مستوطنات فوقها.

يرصد التقرير التالي أبرز ما تعرضت له المقدسات الفلسطينية، وطريقة احتلالها وتهويدها، إلى جانب التطرق إلى أهم معالمها التي انتهكت بفعل السياسات الإسرائيلية المتواصلة حتى يومنا هذا.

أولا: بداية تهويد المقدسات الفلسطينية

 

يسعى الإسرائيليون منذ أن بسطوا سيطرتهم في فلسطين إلى تحويل الهوية الإسلامية للبلدة القديمة في القدس تحديدًا إلى هوية يهودية، وإلى إنشاء مدينة يهودية مقدسة موازية وتشترك معها في المركز ذاته، وهو ما يعرف بمشروع “القدس أولًا”.

وتمتد هذه المدينة أسفل المسجد الأقصى وفي ضاحية سلوان وأجزاء من الحي الإسلامي وحارة الشرف “الحي اليهودي” في البلدة القديمة، وترتبط بمجموعةٍ من الحدائق والمنتزهات والمتاحف والمواقع الأثرية المقامة فوق الأرض في محيط البلدة القديمة.

وتنشط أعمال الحفريات والبحث عن الآثار، خصوصًا عند المسجد الأقصى والبلدة القديمة في القدس، والحفريات الإسرائيلية لم تكن يومًا موجهة لمعرفة الحقيقة بقدر ما كانت تسعى لإثبات الادعاءات اليهودية، ولمحاولة إيجاد أدلة على روايات التوراة المحرفة والروايات التاريخية الإسرائيلية.

يشير رئيس مركز الزيتونة للدراسة والاستشارات “محسن صالح”، في كتابه “معاناة القدس والمقدسات تحت الاحتلال الإسرائيلي”؛ إلى اعترف الكاتب الإسرائيلي “داني رابينوفيتش” في مقال نشره صيف 1998 أنَّه عمل سنة 1968 متطوعًا في حفريات حائط المبكى، مما أسفرت عنه الحفريات مبان أموية، وأنه حين عاد إلى الموقع في بداية السبعينيات لم يجد لهذه المباني أي أثر، حيث أزيلت من المنطقة بكاملها.

وأظهرت هذه الحفريات آثارًا إسلامية وبيزنطية ورومانية ويبوسية، وتشكلت مدينة من الأنفاق التي قد تصل في بعض الأحيان إلى عمق أربعين مترًا تحت الأرض، وهو ما يشكل خطورة على أساسات المسجد الأقصى.

وتم تنفيذ حفريات في البلدة القديمة وفي سلوان في الفترة 2000-2008 وتركزت في حي المسلمين في البلدة القديمة بجوار حمام العين وباب السلسلة وشارع الواد وباب الغوانمة. وشملت الحفريات جميع قرية سلوان التاريخية التي كانت تشكل مدينة يبوس قبل خمسة آلاف سنة، وتم اكتشاف آثار القناة اليبوسية الصخرية التي كانت تنقل المياه إلى سكان يبوس.

وبالتالي، فإن العديد من المشاريع الإسرائيلية لتهويد المقدسات، قد تم تنفيذها منذ سنوات طويلة، ومؤخرًا أيضًا بإشراف صناع القرار في إسرائيل، حتى وصلت اليوم إلى مراتب عليا، عبر استخدام وسائل تقنية عالية، وتكتيم إعلامي واسع، وعدم إفصاح الإسرائيليين عنها.

ثانيًا: أحياء مقدسية تم الاستيلاء عليها إسرائيليًّا

  • الشطر الغربي للقدس: حيث احتلت العصابات الصهيونية عام 1948، وطردت 60 ألفًا من سكانه العرب.
  • حي الطالبية: ويعد هذا الحي من أرقى أحياء القدس، والمحتل منذ عام 1948.
  • حي القطمون: ويقع غربي مدينة القدس.
  • حي الشيخ بدر: وهو جزء من قرية لفتا، وتم إزالة غالبية مباني حي الشيخ بدر القديمة، وإنشاء مبانٍ للحكومة والجامعة العبرية والكنيست وبنك إسرائيل على أراضيه.
  • الحي الثوري: احتل الصهاينة الحي الثوري والذي يسمى أيضًا حي أبو ثور في 1948.
  • حي المصرارة: إذ غيّر الاحتلال الإسرائيلي اسم هذا الحي إلى “مورشاه”.

ثالثًا: إجراءات إسرائيلية بحق المقدسات والكنائس

Panoramic view showing tour groups lined-up and waiting to enter the Islamic holy site Masjid Qubbat As-Sakhrah or The Dome of Rock, Jerusalem, Israel. (Photo by: Independent Picture Service/UIG via Getty Images)

*هدم البيوت وتهجير السكان

منذ بداية سياسة الاستيطان اليهودي في القدس تمكنت بإقامة أحياء جديدة خارج أسوارها لإسكان المهاجرين اليهود فيها، عمل الاحتلال لفلسطين عام 1948 وما تبعها إلى تغيير في عدد السكان وتهجيرهم وهدم بيوتهم، مما سبب لمدينة القدس “الشرقية” عام 1967 تغيرا جذريا على السكان والمباني.

ومن أهم هذه الأعمال مخططات قوات الاحتلال اليوم هدم حي المغاربة والشرف وتهجير سكانه وبناء مبان جديدة إسرائيلية وإسكان اليهود بدل الفلسطينيين بالإضافة إلى مصادرة أو شراء مبان سكنية داخل الحي الإسلامي بطرق ملتوية.

*تغيير معالم المدينة وإقامة مستوطنات

وهذا تحقق من خلال التوسع في إقامة المستوطنات وضم قرى فلسطينية مثل بيت حنينا، صور باهر، العيسوية، كفر عقب، وهذه لم تكن مشمولة في القدس لكن الحكومة الإسرائيلية عملت على خططها في التوسع العمراني داخل القدس.

وعملت على بناء المستوطنات أيضًا خارج القدس، شملت مستوطنات مثل “معاليه أدوميم، بسغات زئيف، أفير يعقوب، غوش عتسيون”، حيث ربطتها مع طرق مواصلات مريحة لتزيد من تماسك هذا العمران، فضلا عن استبدال أسماء الشوارع والأزقة والمعالم التاريخية بأسماء عبرية.

*التنقيبات الأثرية

باشر الإسرائيليون الحفر بصورة غير قانونية بعد الاحتلال عام 1967 في المنطقة الجنوبية والغربية المحاذية للحرم الشريف، ليكشفوا خلاف ما توقعوه عن سلسلة من القصور الأموية بالإضافة إلى مخلفات أثرية بيزنطية وحيث لم تكن هذه التنقيبات مخيبة لآمالهم.

وبدأ الإسرائيليون في عقد الثمانينيات بشكل سري بالتنقيب في منطقة الحرم نفسها وتتبع النفق الأرضي الواقع على امتداد السور الغربي لمنطقة الحرم، والممتد من حائط البراق إلى باب الغوانمة، والواقع في الزاوية الشمالية الغربية للحرم الشريف.

وأدت هذه الحفريات إلى تصدع المباني الواقعة فوقها والتي تعود إلى الفترات العربية الإسلامية كالمدرسة العثمانية.

*حفريات القصور الأموية

يجري الأثريون الإسرائيليون في منطقة جنوب المسجد الأقصى منذ بداية عام 1968 وحتى الآن حفريات واسعة على أمل العثور على آثار للمعبد، أي الهيكل الثاني المزعوم، بعد أن ادَّعوا أن المدرجات الأموية وكلا البابين الثنائي والثلاثي هما من بوابات “الهيكل المزعوم”.

لذلك أقاموا في الآونة الأخيرة خيمًا فوق القصور الأموية من أجل متابعة أعمال إعادة بناء بعض المعالم القديمة والتنقيب تحت الآثار البيزنطية والعربية الإسلامية؛ بحثًا عما هو أقدم لربطه بآثار توراتية، الأمر الذي فشل الأثريون القدامى في العثور عليه.

*مشروع سكة الحديد

يهدف مشروع بناء خط سكة الحديد (ترام القدس) إلى ربط القدس الغربية بالقدس الشرقية والمستوطنات المقامة في شرقي القدس وضواحيها، ويبدأ من مستوطنة “بسجات زئيف” ويمر من قلب شعفاط، ومن ثم جبل المشارف ثم إلى المنطقة المحاذية للسور الشمالي للقدس القديمة. وهناك تخطيط بأن يكون جزء منه في الجهتين الغربية والشرقية بمحاذاة السور من الناحيتين الغربية والشرقية للقدس القديمة، ويبلغ طول مساره نحو 14 كم، ويخترق حوالي 6 كم من أراضي الضفة الغربية.

يترك هذا المشروع آثارًا سلبية مباشرة على القدس وما حولها، إذ يشوه المشهد العام لطابع المدينة ويسبب تصديعًا لأسوارها والمعالم المجاورة الأخرى، بالإضافة إلى تدمير آثار قديمة من بينها مخلفات من الفترات العربية الإسلامية خاصة بمحاذاة السور من الناحية الشمالية الغربية.

*إعادة بناء وترميم الكنائس

وهو من أبرز المشاريع لتهويد مدينة القدس القديمة تدعيما للمزاعم الإسرائيلية فيها، حيث أنهت سلطات الاحتلال بناء وترميم كنيس يهودي باسم “هحوربا” ويعرف بـــ”كنيس الخراب” الذي أقامته على أرض وقفية وعلى حساب جزء من المسجد العمري المحاذي للكنيس.

ويهدف بناء هذا الكنيس العالي، والذي تعتليه قبة كبيرة؛ إلى محاولة استنبات أبنية يهودية في القدس وبهدف منافسة كنيسة القيامة والمعلم الإسلامي البارز المتمثل بقبة الصخرة المشرفة.

وهناك كنيس يهودي آخر أقيم على وقف إسلامي يدعى “حمام العين”، ولا يبعد هذا الكنيس سوى خمسين مترًا عن المسجد الأقصى في قلب الحي الإسلامي، ويقوم بزيارة هذا الكنيس يوميا المئات من المستوطنين والسياح.

رابعًا: تدنس المسجد الأقصى

حيث كانت زيارة زعيم حزب الليكود الإسرائيلي “أرئيل شارون” إلى حرم المسجد الأقصى في 28/9/2000، الشرارة التي فجرت انتفاضة الأقصى الثانية، حتى بدأت ساحات الأقصى في صراع دائم من حيث الاقتحام والمواجهة مع المستوطنين الإسرائيليين.

وفي يناير من عام 2006 تم الكشف عن كنيس يهودي أسفل المسجد الأقصى ومكون من طابقين للرجال والنساء، حيث تقام فيه الصلوات الإسرائيلية، فضلا عن إقامة سبع غرف أسفل المسجد الأقصى.

وفي مطلع عام 2008 كشفت مؤسسة الأقصى عن قيام السلطات الإسرائيلية بحفر نفق جديد ملاصق للجدار الغربي للأقصى، وتعميق الحفريات وتوجيهها نحو باب السلسلة، كل ذلك نتج عنه تشققات واسعة في بيوت المقدسيين الواقعة تحت هذه الأنفاق.

خامسًا: جدار الفصل العنصري

حيث سعى هذا المخطط إلى استبعاد أكثر من 60 ألفًا من أبناء القدس عن مدينتهم، وتمزيق علاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية، وتقليص نسبة السكان الفلسطينيين من المدينة المقدسة إلى 22%، حيث تزيد نسبتهم الآن إلى 35%، وهي نسبة قرر صناع القرار الإسرائيلي الوصول إليها عام 1973.

الجدار الذي تم بناؤه بعد اتساع رقعة الهاجس الأمني والخوف الإسرائيلي من السكان الأصليين، أي الفلسطينيين؛ يهدف إلى المضي قدمًا في تحقيق أهداف برنامجه من حيث التهويد ومصادرة الأراضي، وإحاطتها بالمستوطنات، بهدف العزل التام عن كل شيء.

ويشار إلى أن الحكومة الإسرائيلية قد صادرت على بنائه نيسان 2002، فيما بدأ العمل به فعليا بعد شهرين فقط، إذ يمتد مسار الجدار في القدس نحو “167” كيلومترًا، ومع إقامة الجدار العازل حول القدس، والذي تسعى لتثبيته كحدود نهائية في التسوية مع الفلسطينيين.

وبالتالي تضاف “163” كم2 من أراضي شرقي القدس التي تقع عليها الكتل الاستيطانية اليهودية الكبرى، وتصبح حينها مساحة الأرض التي تضمها القدس خلف الجدار “289” كم2.

المصادر

عرض التعليقات