«القاضي باو».. الرجل الذي تحدّى الإمبراطور الصيني وطبّق القانون عليه

«من يسرق من نسلي ليس له مكانٌ في منزل العائلة، ولا يحقُّ له أن يُدفن في مدافن العائلة، فمن لا يؤمن بقيمي ومبادئي ليس من سلالتي» تلك كانت وصية القاضي باو تشينج، والذي توفي عام 1062. ولم تكن فحوى وصيته لأسرته غريبة على آذانهم، فقد عُرف عن هذا الرجل في الصين تمسكه بالعدالة لدرجة وضعته في مكانة القديسين لدى الناس في ذاك الوقت، وحتى تلك اللحظة؛ لا تزال تُعرض الأعمال الدرامية والمسرحية في الصين والتي تجسد قصة حياته.

ليس لمنافسة أمريكا فقط.. هكذا تكافح الصين لإنعاش قطاع التكنولوجيا

«القمر الساطع معلّق في السماء»

عاش القاضي باو في عهد الإمبراطور رينزونج شمال الصين، وخلال حياته المهنيّة تولى العديد من المناصب الحكومية حتى ترقّى للمنصب الذي صنع من اسمه أسطورة ما زالت تمجدها الأوبرا الصينية وتجسده فيها على كونه إلهًا وليس مجرد بشر؛ وهو منصب والي العاصمة – سونج- وقاضيها. تلك المهنة التي أثبت خلالها عدالته الأسطورية التي تحدّث عنها أدب وتاريخ الصين، والذي جسده بوجه أسود على جبهته هلال مضيء رمزًا لنقاء وسطوع نزاهته والتي وصفت في الأقوال المأثورة عنه بقول: «القمر الساطع معلق في السماء».

تجسيد شخصية القاضي باو في الصين

على الرغم من وفاته عام 1062، إلا أنه بحلول عام 1250 – أي بعد قرن ونصف من وفاته – تحوّلت الأساطير المتعلّقة بنزاهة القاضي إلى المواد الأساسية لمحترفي الأدب والشعر في الصين، والذين لم يشيدوا بعدالته فقط، بل أشادوا بحسِّه الأمنيّ القادر على كشف المجرم حتى لقّبه البعض الآن بـ«شارلوك هولمز» الصين في ذلك الوقت. 

ومن أشهر تلك الأدبيات القديمة عنه؛ ثماني أغنيات صينية حول تاريخه القضائي وأحكامه العادلة، ولكنّ القصيدة التي ترتبط بتاريخه ارتباطًا وثيقًا كتبها هو بعدما حدث معه في مقاطعة دوانتشو.

كان «القاضي باو» قد تولّى ولاية تلك المقاطعة – دوانتشو – أثناء مسيرته القضائية والسياسية، واشتهرت تلك المقاطعة بصناعة أحجار الحبر عالية الجودة، والتي يقدّم عدد معين منها إلى البلاط الإمبراطوري، وكان الحكام السابقون للمقاطعة يطالبون أصحاب المصانع بحصصٍ أكبر من التي يحتاجها البلاط الملكي لتدخل إلى بيوتهم الخاصة رشوة لهم حتى لا يعرقلوا أشغال أصحاب الأعمال.

 وهو الأمر الذي ألغاه باو بمجرد معرفته وأكد على صناع أحجار الحبر ألا يرسلوا سوى ما يحتاجه البلاط الملكي فقط، ورحل عن المقاطعة بعد فترة خدمته دون أن يملك حجر حبر واحد، وبعد أن كتب القصيدة التي يقول مطلعها: «إنّ جوهر الحكم هو أن يكون لك قلب نظيف، وأسلوب حياة مستقيم».

إعدام الأمير تشنج شيمي.. باو ضد الإمبراطور

وقف باو بصرامة أمام الكثير لتحقيق حكمه الذي يراه عادلًا، ولكن موقفه أمام الإمبراطور نفسه؛ هو ما استقرّ في نفس الشعب الصيني، وحفظته له الأجيال في واقعة شهيرة تُعرف باسم «إعدام الأمير تشنج شيمي». تشنج هو شاب طموح سعى إلى البلاط الملكي في الصين سعيًا حثيثًا، حتَّى ضمن مكانته تحت جناح الإمبراطور بالزواج من ابنته؛ وتحوم حوله علامات استفهام كثيرة بعد أن عُثر على مساعده وذراعه الأيمن منتحرًا. بتحريات القاضي باو وفطنته الاستثنائية في حلّ الجرائم، أدرك القصة المثيرة التي تكمن وراء تلك الجريمة، بعد أن كشف النقاب عن حقيقة تشنج التي لا يراها الجميع.

شاهد جزءًا من العمل الدرامي الصيني «Judge Bao»

 

فهذا الشاب الطموح، وقبل أن يستهدف ابنة الإمبراطور بالزواج كانت له أسرة من زوجةٍ وطفلتين في مقاطعةٍ صغيرة بعيدة عن العاصمة سونج، ولسببٍ ما، فالزوجة والأطفال انتقلوا إلى مدينة سونج وعلم تشنج بالأمر، وخشي على مكانته بجوار الإمبراطور وابنته بعد أن يعلموا كذبته؛ فأمر مساعده بقتل زوجته الأولى والطفلتين؛ الأمر الذي لم يقوَ الرجل على فعله فساعدهنّ على الهرب ثم قتل نفسه تجنبًا لعقاب الأمير. 

لو كان هناك قاضٍ آخر غير القاضي باو في هذا الموقف، لكان انتهى الأمر بالعفو الذي استصدرته ابنة الإمبراطور من أبيها لتحمي زوجها من قرار الإعدام الذي أصدره باو في حقه، ولكن مع باو الأمر مختلف، فوقوف ابنة الإمبراطور وزوجته أمامه في المحكمة، ومحاولات الإمبراطورة للضغط عليه لإطلاق سراح تشنج؛ لم تحرك له ساكنًا ولم يثنه كل ذلك عن أمر جنوده بمحاربة جنود الإمبراطورة وتنفيذ حكم الإعدام أمام عينيها قائلًا لها إنه على استعداد لتقديم رقبته بعد ذلك لتحقيق العدالة.

«كم من بشر ماتوا على أي حال لبناء الإمبراطورية».. إعدام تشاو يو

يأتي رجل من مدينة تشينجتشو ويخبر القاضي باو عن سلسلة غامضة من حالات الاختفاء للمواطنين بالمدينة، يسافر باو مباشرةً لهناك ويبحث في الأمر، وباستخدام أفضل جواسيسه يكشف عن هذا السر، فالأمير الصغير «تشاي يو»، والصديق العزيز المقرب للقاضي باو نفسه؛ متورط في تأسيس وإشغال منجم ذهب يستغل فيه المواطنين الأبرياء والذين يموتون يوميًا تحت وطأة العمل الشاق في المنجم؛ وهذا لأغراض سياسية ومالية تخصه وحده.

تمثال للقاضي باو في الصين

شعر القاضي باو بالغدر وواجه الأمير الصغير والذي لم ينكر أمر المنجم ولكنه أنكر كونه تهمة، وعندما ذكر باو الأبرياء الذين قتلوا على أرض منجم الذهب ليرضي جشعه، قال له: «وكم من بشرٍ ماتوا على أي حال لبناء الإمبراطورية» موضحًا من وجهة نظره أنه ليس هناك فرق بين الأمرين. في تلك اللحظة يدور حوار طويل بين باو والأمير الصغير، غرض باو فيه هو إقناع تشاو بأنه مذنب، هذا الحوار الذي جسدته الأوبرا الصينية مئات المرات، عندما يظهر فيه القاضي باو فصيحًا مدافعًا عن الحق لدرجة تدفع الأمير الصغير بالاعتراف بذنبه، ويعدمه باو في النهاية.

قضايا القاضي باو ومواقفه بجانب الحق والتي سردها الفن الصيني؛ كثيرة، ولكن تلكم القصتين اللتين ذكرناهما هما الأشهر، واختلفت الآراء حول لون بشرة باو، ولماذا تجسّد سوداء في أغلب أعمال الرسم والتمثيل، ولكن لم يثبت سواد بشرته إثباتًا حاسمًا، خاصة وأن الهيئة التي يظهر بها في الأعمال الدرامية تكاد تخرجه من الهيئة الإنسانية، مع ظهور الهلال أعلى جبينه.

الامبراطورية الصينيةالصينالقاضي باوالقضاء

المصادر