في 9 نوفمبر الجاري منح وزير العدل المصري، المستشار أحمد الزند، 3 من أعضاء نقابة المهن الموسيقية، حق الضبطية القضائية، الذي قال نقيب الموسيقيين، هاني شاكر، إن نقابته انتظرت الحصول عليه لـ30 عامًا خلت. وبعد أقل من يومين، عاد أحمد الزند ليمنح حق الضبطية القضائية للعاملين بهيئة الرقابة المالية.

ورغم أن منح الضبطية القضائية محكوم بقانون الإجراءات الجنائية المصري الصادر عام 1950، إلّا أنّ الفترة اللاحقة على 3 يوليو 2013 شهدت توسعًا في منحه، ازداد أكثر فأكثر مع تولي أحمد الزند وزارة العدل في مايو من العام الجاري، إذ منح الزند الضبطية القضائية لعديد من الهيئات والنقابات، فضلًا عن منحه إياها لمساعد مدير موقف المرج للأقاليم في أغسطس الماضي.

ما المقصود بحق الضبطية القضائية؟

بالإضافة إلى من يتيح لهم قانون الإجراءات الجنائية امتلاك حق الضبطية القضائية بشكل دائم تجاه كافة أنواع الجرائم، ثمة عشرات الهيئات يُمنح العاملون بها أو بعضهم حق الضبطية القضائية تجاه جرائم بعينها تتعلق بطبيعة وظائفهم، من بينهم ما لا يقل عن 10 منحوا الحق في عهد وزير العدل الحالي، أحمد الزند.

وعلى وجه الخصوص، تنظم المادة 23 من قانون الإجراءات الجنائية منح حق الضبطية القضائية، بإعطائه لوزير العدل الذي يُتاح له منح الحق بالاتفاق مع الوزير المُختص بإدارة أو متابعة الجهة الممنوحة. كما تُنظّم المادتان 232 و233 من قانون العمل، سلطة الضبطية القضائية للعاملين الحاصلين عليها وتصرفهم إزاءها.

ويُطلق على الشخص الممنوح حق الضبطية القضائية، مأمور ضبطٍ قضائي. وهؤلاء كما أشرنا ينقسمون إلى الممنوحين حقًّا دائمًا بالضبطية القضائية تجاه كافة أنواع الجرائم كأفراد الشرطة وأعضاء النيابة العامة والعُمَد ومشايخ القرى والبلدات، والممنوحين بقرار من وزير العدل حقًا جُزئيًّا بالضبطية القضائية تجاه جرائم بعينها خاصة بطبيعة وظائفهم.

على سبيل المثال تنحصر الضبطية القضائية لأعضاء نقابة المهن الموسيقية على الجرائم المُخالفة للقانون رقم 8 لسنة 2003 بشأن إنشاء نقابات واتحاد نقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية، والذي يتضمّن فرض عقوبات على مُزاولي المهنة دون الحصول على عضوية النقابة أو تصريح منها، وفقًا لتفسير طارق مُرتضى المستشار الإعلامي لنقابة المهن الموسيقية.

صورة قديمة لهاني شاكر، نقيب المهن الموسيقية (المصدر: معازف)*

ويحق لمأمور الضبطية القضائية إجراء التحريات حول جريمة ما مُتعلقة بقوانين عمله أو وظيفته. كما يُعطى حق التصرف وفقًا لما يراه مُناسبًا في سبيل التحري، بانتحال الشخصيات أو اتخاذ مُرشدين ومخبرين سريين يعملون لصالحه، على ألا يُؤدي تصرفه إلى خلق جريمة أو التحريض عليها. وبالإضافة إلى أن قبول البلاغات والشكاوى جُزء من المهمة المنوط بها، كذلك تقع في دائرة مهامه استجواب المتهمين والشهود دون أن يكون له حق إحضارهم إليه جبرًا.

بالإضافة لذلك، يحق لمأمور الضبطية القضائية دخول أماكن العمل وتفتيشها، وأداء دوره حتى في غير أوقات عمله الرسمية. كما يحق له اتخاذ إجراء التحفظ على المتهم حتى استصدار أمر بالقبض عليه من النيابة العامة، أو تحرير محضر ضده حال الاشتباه، وإحالته للنيابة العامة.

من يقف وراء «إسهال» الضبطية القضائية؟

كما سبق وأشرنا، فوفقًا لقانون الإجراءات الجنائية، يملك وزير العدل حق منح الضبطية القضائية بالاتفاق مع الوزير المختص. ومنذ توليه وزارة العدل منح أحمد الزند حق الضبطية القضائية لنحو 10 هيئات في فترة تقل عن 6 أشهر. فإذا كانت عدد الهيئات التي لها حق الضبطية القضائية يفوق 50 هيئة، بينها نحو 25 هيئة وشخصية اعتبارية لها حق دائم حسب القانون، فإن من بين الهيئات الأخرى التي لها حق خاص بالضبطية القضائية منذ تفعيل القانون، ثمّة أكثر من 10 منحها الزند وحده هذا الحق.

المستشار أحمد الزند، وزير العدل المصري (المصدر: الجزيرة نت)**

وبالإضافة إلى الجهات التي حصلت بالفعل على هذا الحق، هناك جهات وشخصيات اعتبارية أخرى تطالب بالحصول عليه. ومع عدم وجود حاكم قانوني للأمر، فيُرجّح مزيد من التوسع في استخدامه بطريقة يرى البعض أنها قد تخلق تضاربًا بين النصوص القانونية والدستورية. ويُضرب مثل على ذلك، صفة الضبطية القضائية الممنوحة لكل من نقابتي المهن التمثيلية والمهن الموسيقية، والتي يُعتبر أنها تتضارب والمادة 67 من دستور 2014.

وفي الوقت الذي تُؤكد فيه المادة 67 على أن حرية الإبداع الفني والأدبي مكفولة من قبل الدولة التي تلتزم بدورها في حماية المبدعين وتوفير الوسائل اللازمة لتشجيعهم، وأنه لا يجوز رفع دعاوى قضائية لوقف عمل فني؛ تأتي تصريحات أعضاء النقابتين للتأكيد على أن منحهما الضبطية القضائية هو بمثابة “تفعيل للقانون” عبر منع ممارسي المهنة خارج الإطار النقابي، ما يُعد بوضوح تقييدًا لحرية الإبداع المنصوص عليها في المادة المذكورة من دستور 2014. أو يُمكن القول إنها كسُلطة ممنوحة لكلا النقابتين لتحديد من هو المبدع وما هو الإبداع وما هي حُريّته!

وفي هذا الصدد، يُمكنك الاطلاع من هناعلى عريضة دعوى ضد صفة الضبطية القضائية الممنوحة لنقابة المهن التمثيلية، مُفصّل فيها التضارب الحاصل بين الصفة الممنوحة بنص قانوني، وبين نصوص دستورية.

على جانب آخر، يُطرح تساؤل حول جدوى التوسع في منح حق الضبطية القضائية في ظل تفعيل كامل، بل مُتجاوز، لدور الشرطة المصرية التي يبلغ أعداد أفرادها المحتكين بالمواطن مُباشرةً مئات الآلاف، بميزانية تفوق ميزانيات مُعظم الأجهزة والوزارات الأخرى. وما يجعل من هذا التساؤل منطقيًّا، ليس الضبطية القضائية فقط، ولكن أيضًا مشروع “الشرطة المُجتمعية”.

وثمّة آراء تذهب إلى أنّ وزارة العدل تخلق لها مكانًا على الساحة الأمنية/ السياسية في مصر، عبر استخدام سلطة منح الضبطية القضائية وفقًا لتصورها المتجاوز أحيانًا –على ما يبدو- لنصوص دستورية. أو بصيغة أُخرى تصنع قواتها الأمنية الخاصة في القطاعات المُختلفة، والتي ينتهي دورها (أي مأموري الضبطية الأمنية) عند منظومة القضاء في النهاية عبر النيابة العامة.

اقرأ أيضًا: القصة الكاملة لـ”أسطورة” استقلال القضاء

لماذا قد تحتاج الداخلية للشرطة المجتمعية؟

في سبتمبر 2014، تقدمت وزارة الداخلية المصرية بمشروع تعديلات على قانون الشرطة رقم 109 لسنة 1971 بُغية إدخال نظام ما أسمته بـ”الشرطة المجتمعية”. وبحسب الداخلية، فإن النظام يستهدف استحداث فئة جديدة ضمن فئات هيئة الشرطة تحت مُسمى “معاون أمن” أو “معاون شرطة مجتمعية”، وذلك لتحقيق شراكة أمنية بين الشرطة والمجتمع، في سبيل “تحقيق الانضباط الأخلاقي”.

بعد أقل من شهر، وافق قسم التشريع بمجلس الدولة على مشروع التعديلات المقترحة من وزارة الداخلية، والذي تضمّن منح حق الضبطية القضائية لعضو الشرطة المجتمعية المزمع إنشاؤها. وينظم المشروع الذي وافق عليه مجلس الدولة شروط الالتحاق بالشرطة المجتمعية وقواعده، وسُبل تأهيل الملتحقين لأداء الأدوار المنوطة بهم.

وفي الوقت الذي تقدمت فيه وزارة الداخلية باقتراح مشروع الشرطة المجتمعية، كانت هناك اتهامات محلية ودولية مُوجهة لها بارتكاب جرائم قتل جماعي بحق المُتظاهرين في مصر، فضلًا عن وجود نحو 40 ألف معتقل آنذاك في السجون المصرية التابع معظمها لوزارة الداخلية المصرية.

 

ولهذا اعتبر البعض أنّ مشروع الشرطة المجتمعية بمثابة محاولة لتقنين “البلطجة”، والتوسع في استخدام المخبرين والمرشدين الأمنيين، في سبيل التكريس للسيطرة الأمنية على الشارع المصري، وهو أمرٌ لم يُنكره رجال الشرطة، كاللواء مدحت جمال، مساعد وزير الداخلية الأسبق، الذي اعتبر أنّ المشروع هامٌ في سبيل القضاء على “الجرائم الجديدة” مثل “التظاهر”.

من جهة أُخرى، يُلقي مشروع الشرطة المجتمعية، والتوسع في منح الضبطية القضائية عامةً؛ الضوء على أزمة الانقسام الحاد في المجتمع المصري منذ الثالث من يوليو 2013، إذ اعتبره البعض من بين الدعوات العملية المفتوحة للاقتتال الأهلي الذي تشهده مصر على كل حال منذ أكثر من عامين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد