يُمثل النظام القضائي في أي دولة ركنًا مهمًا في نظامها السياسي؛ ومؤشرًا صادقًا على ديمقراطيتها والعدالة التي تقدمها لمواطنيها. لكن النظم القضائية في العالم، حتى المستقر والعادل منها، لم يكُن وليد لحظة، ولم ينشأ منعزلاً عن الظروف والصراعات السياسية. نقدم لك هنا 3 تجارب لإصلاح النظام القضائي في كل من الأرجنتين بعد انقلاب عسكري دموي، واليابان بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، وتركيا بعد انتخاب حزب العدالة والتنمية عقب سيطرة المؤسسة العسكرية على السياسة التركية لفترات طويلة.

اقرأ أيضًا: حكم العسكر والتحول الديمقراطي: 3 تجارب لإصلاح الجيش

الأرجنتين: إصلاحات ديمقراطية أم صفقات سياسية

قضت الأرجنتين أغلب القرن العشرين تحت حكم عسكري ديكتاتوري، تعاقبت فيه 6 انقلابات عسكرية، انتهى آخرها وأكثرها دموية في عام 1983 بعد 7 سنوات من القمع. وبين هذه الفترة المظلمة في تاريخ الأرجنتين، وبين الحكم على رئيسها العسكري الأسبق و5 من قيادات الجيش بالسجن 25 عامًا بتهمة التورط في قضايا تعذيب، واحتجاز غير قانوني، وانتهاكات لحقوق الإنسان، نروي قصة إصلاح القضاء في الأرجنتين بعد الحكم العسكري.

خلال فترة «الحرب القذرة» في الأرجنتين بين عامي 1976 و1983، لم يستطع النظام القضائي حماية عشرات الآلاف من المواطنين والنشطاء من ضحايا القتل، والتعذيب، والاحتجاز غير القانوني، والاختفاء القسري، والاختطاف، أو مساءلة قادة الأجهزة الأمنية عن تلك الجرائم. كان القضاء الأرجنتيني، سواء على مستوى المحاكم العادية أو العليا، خاضعًا للسلطة السياسية، خاصةً بعدما عزل الجيش عقب الانقلاب كثيرًا من القضاة، وعيَّن مكانهم قضاة «يشتركون مع قادة الجيش في رؤيتهم».

يشبه النظام القضائي الأرجنتيني  نظام القضاء في الولايات المتحدة الأمريكية؛ وتلعب المحكمة العليا دورًا كبيرًا في تفسير الدستور وتحديد مدى موافقة القوانين له. ومع تحوُّل الأرجنتين إلى الديمقراطية في عام 1973، قدَّم قضاة المحكمة العليا الخمسة استقالتهم قبل تنصيب الرئيس«راؤول ألفونسين» بأيام قليلة؛ ليفسحوا الطريق لخطة طموحة لإصلاح القضاء.

وفي سابقة قضائية، وقف 9 من قادة المجالس العسكرية التي حكمت الأرجنتين أمام محكمة مدنية بعد أشهر قليلة من انتخاب الرئيس؛ حكمت على 6 منهم بالسجن لمدد تتراوح بين 4 سنوات و25 سنة.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

اعتمدت خطة إصلاح القضاء على تعزيز دور المحكمة العليا (والتفسيرات الليبرالية للدستور)، وتعديل قانون العقوبات، وتغيير إجراءات التقاضي ونظام المحاكمات بتحويل إصدار الأحكام إلى هيئة المُحلفين بدلًا من القاضي؛ وعيَّن «ألفونسين» الكثير من القضاة المعروفين بانحيازهم إلى حريات المواطنين في الدوائر التي تنظر قضايا العهد السابق.

لكن الكثير من هذه الإصلاحات لم يُنفذ خلال فترة الرئيس «ألفونسين»، الذي دخل في صراع مع المحكمة العليا على القوانين التي تقرها حكومته؛ فجاء 47% من قراراتها معارضًا للحكومة؛ ثم انتهت الصحوة القضائية بإقرار قانونين – تحت ضغط الجيش- في عامي 1986 و1987 يقضيان بإيقاف التحقيق في الجرائم المرتكبة في فترة الديكتاتورية، والعفو الشامل عن قادة الجيش وضباطه المتهمين، ورفع المسؤولية القانونية عن منفذي الأوامر من صغار الضباط.

لكن الرئيس الثاني «كارلوس منعم» أعاد القضاء إلى سيطرة السلطة التنفيذية بعد أن غيَّر تشكيل المحكمة العليا، وعيَّن قضاة موالين له، وعقد صفقة مع حزب المعارضة لتعديل الدستور ليسمح له بالترشح لفترة ثانية.

وشهد عام 1994 مراجعة شاملة للدستور أدت إلى عدة نقاط إيجابية:

– أصبح تعيين قضاة المحكمة العليا بترشيح من الرئيس وأغلبية الثلثين من أعضاء البرلمان.

– تأسيس مجلس القضاء الوطني المستقل ليكون مسؤولاً عن تعيين القضاة، وعزلهم، والتدريب والإدارة واختبارات التقدم للمناصب القضائية، وتحديد الميزانية المخصصة للمؤسسات القضائية.

– تخفيف سيطرة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية.

لكن لم يبدأ الإصلاح الحقيقي للقضاء إلا بين عامي 1997 و 1999 بعد مماطلة الرئيس في تنفيذ بنود الدستور واتفاقه مع حزب المعارضة. تدنَّت شعبية «كارلوس منعم» بنهاية فترته الثانية، وخسر حزبه الانتخابات التشريعية، وتزامن ذلك مع تدنِّي ثقة الشعب في المحاكم والنظام القضائي لأقل من 20%؛ فبدأت وتيرة الإصلاح تتسارع بتنفيذ الدستور والعمل على استقلال القضاء عن سلطة الرئيس والحكومة تحت ضغط الصراعات السياسية والأزمات الاقتصادية.

اقرأ أيضًا: كيف أبعدوا الجيش عن السياسة؟

اليابان: القضاء بعد الحرب وتحت الاحتلال

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

خرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية مهزومة ومُدمرة تمامًا، وعلى أرضها قوات الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي احتلت أراضيها لمدة 7 أعوام بين 1945 و1951 للإشراف على إعادة بناء اليابان بعد الحرب.

وبالتزامن مع إعادة بناء الاقتصاد، والبنية التحتية، والتعليم، تم إقرار الدستور الياباني في عام 1946 تحت رعاية أمريكية. مثَّل الدستور تحوُّلاً كاملاً في النظام السياسي الياباني بالنص على أن السيادة للشعب لا للإمبراطور، وإلغاء الجيش الياباني، ومنع الاشتراك في أي حرب قادمة، وتحويل اليابان إلى دولة برلمانية يكون منصب الإمبراطور فيها شرفيًّا، وبحقوق سياسية متساوية للرجال والنساء.

شهد النظام القضائي كذلك نصوصًا دستورية أكدت استقلاله:

«يحظر إنشاء أي محكمة استثنائية، أو إعطاء أي كيان منفصل أو وكالة من السلطة التنفيذية على سلطة قضائية نهائية.

يتمتع كل القضاة باستقلال تام لاستفتاء ضمائرهم، وهم مسئولون فقط أمام هذا المرسوم الدستوري والقوانين». (المادة 76)

لكن النظام القضائي في اليابان قبل الحرب لم يبشر بإصلاحات كبيرة. لم يعترف دستور 1889 باستقلال السلطة القضائية، بل كانت تابعة للسلطة التشريعية؛ ولم يكُن للقضاء الحق في الفصل في دستورية القوانين وقرارات الحكومة؛ وكانت المحاكم الإدارية لا الهيئات القضائية المستقلة هي المسؤولة عن كافة المنازعات الإدارية والحكومية.

صاحب انتقال اليابان إلى الديمقراطية والنظام السياسي والقضائي الغربي إصلاحًا شاملاً للسلطة القضائية؛ فاستقرت أوضاعها على التالي:

– إلغاء كافة المحاكم الخاصة والاستثنائية.

– ضمان استقلال القضاة في قراراتهم وأمورهم الإدارية والتنظيمية وإدارة المحاكم.

– فرض سلطة القضاء على كافة القوانين والقواعد المنظمة لعمل الحكومة.

– إنشاء محكمة عليا مكونة من 15 قاضيًا تفصل في دستورية القوانين وقرارات الحكومة؛ ويتمتع أعضاؤها بوضع خاص يصل بهم إلى مكانة وراتب مساويين لرئيس الوزراء.

– تقسيم نظام القضاء إلى 5 أنواع حسب القضية المطروحة أمامه، وإشراك المجتمعات المحلية في إصدار الأحكام في قضايا الأسرة والتعويضات وبعض الجُنح.

لكن هذه الإصلاحات لم تكن كافية مع تطور المجتمع الياباني ونظرته إلى نظام القضاء. منذ عام 1990، أصدرت عدة جهات من بينها اتحاد نقابات المحامين في اليابان مقترحات وأوراق بحثية لإصلاح قضائي ثانٍ في اليابان يضمن كفاءة، وعدالة، وسرعة الإجراءات القضائية وتوفيرها للمواطنين.

ومنذ عام 2000 إلى 2009، قرر «مجلس إصلاح نظام العدالة» في اليابان:

– زيادة عدد القضاة والمحامين بعد أن وصلت اليابان إلى أحد أقل معدلات القضاة والمحامين بالنسبة إلى عدد المواطنين في الدول المتقدمة (بين 7 و13 قاضِ لكل مليون نسمة).

– إدخال التكنولوجيا والإنترنت في إجراءات ترتيب المحاكمات ومواعيدها، وسماع الشهود والمرافعات، والحصول على الخدمات القضائية والاستشارات عبر مركز أقامته الحكومة يُسمى «مركز الدعم القضائي في اليابان».

– إدخال نظام «القضاة المساعدين» الذي يشترك بمقتضاه 6 مدنيين ليسوا بالضرورة من المحامين أو القضاة مع الهيئة المكونة من 3 قضاة محترفين في إدارة جلسات القضايا الخطيرة وإصدار الأحكام فيها.

– زيادة عدد المحامين المؤهلين من 17 ألفًا في عام 1991 إلى 31 ألفًا في 2009، ويُتوقَّع أن يصل العدد إلى 50 ألفًا في عام 2018.

– افتتاح 74 مدرسة عليا للقانون.

– تطوير إجراءات الادعاء والمرافعات وجعلها أكثر شفافية.

ما يزال المحامون والقضاة في اليابان ينظرون إلى نظامهم القضائي بعين الفحص والتطوير، لكنه نظامٌ يشهد له القانونيون في الديمقراطيات الغربية والدول الصناعية الكبرى بكفاءة وعدالة تفوق الكثير من الدول المتقدمة.

تركيا: إلغاء الوصاية أم استبدالها بأخرى؟

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

كان النظام القضائي في تركيا، ومحكمتها الدستورية، ميدانًا للصراع السياسي منذ إقرار دستور البلاد تحت الحكم العسكري، ودور المحكمة الدستورية الوصائي على مؤسسات الدولة والمبادئ العلمانية لها بالاشتراك مع المؤسسة العسكرية.

لكن، مثل العديد من المؤسسات الأخرى، شهدت المؤسسة القضائية تغييرات جذرية بعد صعود حزب العدالة والتنمية التركي إلى السلطة، وبدء إجراءات ضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي في عام 1999. تتطلَّب هذه الإجراءات تغييرات شاملة في بنية مؤسسات الدولة لتتوافق مع معايير الاتحاد الأوروبي؛ ويجب أن يتمتع فيها القضاء بالاستقلال والحياد، ويتبنى عدة تغييرات مثل إلغاء عقوبة الإعدام، وهو ما نفذته تركيا في عام 2003.

وأصبح ميدان الصراع المحتدم بين حكومة حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان وعبد الله جول، وبين قضاة المحكمة الدستورية والمعارضة في تركيا هو حزم «الإصلاحات القضائية» التي تطرحها الحكومة بين آنٍ وآخر، ولا تلقى ترحيبًا بين القضاة والمعارضة.

جاءت أبرز الإصلاحات القضائية مع تعديل الدستور في عام 2010؛ والذي تضمَّن:

– تغيير بنية المحكمة الدستورية العليا لتصبح أكثر تعددية بزيادة أعضائها وتعيين البرلمان بعض القضاة فيها، وتقليص سلطاتها في حظر الأحزاب السياسية.

– زيادة أعضاء المجلس الأعلى للقضاة والمدعين من 7 إلى 22، وإلغاء احتكار محكمة الاستئناف العليا ومجلس الدولة لتعييناته.

– تمكين المواطنين العاديين من تقديم الدعاوى إلى المحكمة الدستورية العليا مباشرة.

– إلغاء المحاكمات العسكرية للمدنيين واقتصارها على العسكريين.

– رفع الحصانة عن قادة الانقلاب العسكري في 1980.

اقرأ: القضاء العسكري يتمدد في مصر وينكمش في العالم

أعلنت الحكومة التركية عدة أهداف أساسية للإصلاحات الاقتصادية، كان أهمها هو تقليص متوسط المدة التي يستغرقها الفصل في القضايا، وتأكيد حقوق الإنسان والحقوق الشخصية للمواطنين. لكن محكمة حقوق الإنسان الأوروبية حكمت ضد تركيا 2573 مرةً بين عامي 1995 و2010 (أعلى رقم بين الدول الأعضاء في «مجلس أوروبا») لأسباب تتلخص في عدم الالتزام بإجراءات المحاكمة العادلة، والحق في الحرية والأمن، وطول مدة المحاكمات.

أصدرت تركيا 4 حزم للإصلاحات القضائية منذ مارس 2011 وحتى أبريل 2013. أول حزمة كانت تعديل 33 بندًا لتسريع الإجراءات القضائية؛ والثانية شملت 44 بندًا لتغيير بنية وصلاحيات وزارة العدل، لكن المحكمة الدستورية العليا قضت بعدم دستورية الكثير منها؛ والثالثة شملت 107 تعديل لقوانين الإفلاس والدين، والقوانين الجنائية، والقضايا الإدارية، وقوانين حرية الرأي والتعبير والصحافة. أما الحزمة الرابعة فكانت بعنوان «تعديل القوانين الخاصة بحقوق الإنسان وحرية التعبير» وحظت بتأييد الاتحاد الأوروبي.

لكن، ومنذ الإصلاحات القضائية الأولى، أثارت بعض القوانين والتعديلات غضب المعارضة وكذلك القضاة القدامى في المحكمة الدستورية العليا؛ وقالوا إن حزب العدالة والتنمية يحاول فرض سيطرته على القضاء، واستبدال وصاية السلطة التنفيذية على القضاء بالوصاية العسكرية.

كانت آخر حلقات هذا الصراع في بداية عام 2014 مع طرح الحكومة التركية لتعديلات قانونية جديدة تعزز سيطرة السلطة التنفيذية على القضاء عن طريق رقابة وزارة العدل عليه وتعيين قضاة المحاكم العليا، وفقًا لمنتقديها. انتقد رئيس المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاة هذا المشروع علانيةً، واعتبراه «غير دستوري» و«يهدف إلى إخفاء الفضائح المالية والسياسية التي تواجهها حكومة حزب العدالة والتنمية».

اقرأ: القضاء المصري: رموز للفخر وأخرى مثيرة للجدل

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد