«الألم ضروري للوصول إلى الحقيقة التي ننشدها. ما حدث لجوليو لم يكن حادثًا فرديًّا كما تدعي الحكومة المصرية، بل هو حادث معتاد بالنسبة للمصريين. فهل كان جوليو حاملًا لمرضٍ معدٍ؟ هل أفكاره لم ترق للحكومة المصرية؟». كانت هذه بعضًا من الكلمات التي رثت بها والدة الباحث الإيطالي الشاب، جوليو ريجيني الذي قُتل في مصر، في قضية ما تزال قيض التحقيق، في الوقت الذي تصاعدت فيه مُعطياتها الدبلوماسية بين مصر وإيطاليا.

تستكمل والدة ريجيني، التي أطلقت هذه الكلمات لرثاء نجلها داخل البرلمان الإيطالي: «لقد مات جوليو متأثرًا بالتعذيب، ولم يكن جاسوسًا ولا في مهمة حربية، وإنما كان شابًا يُعدّ بحثًا، ويتطلع للمستقبل. رأيت على وجه جوليو آثار الشرور الموجودة في هذا العالم كله، إذ لم أستطع التعرف على وجهه المشوه، إلا من خلال طرف أنفه، فقد شُوّهت ملامحه بشكل يصعب معه التعرف عليه. لا يجب تعريف جوليو على أنه مواطن إيطالي، وإنما إنسان ينتمي إلى كل هذا العالم، لذا سأستمر في المطالبة بمعرفة حقيقة ما حدث لجوليو، ومحاسبة من فعل به ذلك».

الأدلة الجنائية تُكذّب الرواية الرسمية للداخلية

في الأسبوع الماضي، ظهرت أول رواية رسمية للنظام المصري، حيال أزمة مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، بعد فترة طويلة عمدت فيها الداخلية إلى تجاهل القضية، وحظر النشر فيها، والاكتفاء بمباحثات دبلوماسية مع الجانب الإيطالي.

جوليو ريجيني

الرواية الرسمية، بدأت مع إعلان وزارة الداخلية المصرية، توصلها إلى تشكيل عصابي بنطاق منطقة القاهرة الجديدة، تخصص في انتحال صفة ضباط شرطة، لاختطاف الأجانب وسرقتهم بالإكراه. الداخلية المصرية، قالت أيضًا، إنّها عثرت على مُتعلقات ريجيني في منزل شقيقة أحد أفراد العصابة.

في نهاية محور طه حسين بالتجمع الأول، جنوب القاهرة، تمركز كمين للشرطة المصرية، حوالي الساعة السابعة صباحًا، مُكوّن من عناصر أمنية مُرتدية ملابس مدنية، ويحملون الأسلحة الآلية على أكتافهم. في حوالي الساعة السابعة و45 دقيقة، بدأت أصوات تبادل إطلاق نيران تُسمع، بحسب ما يذكر أحد سكان المنطقة المُجاورة.

يضيف، أحد السُكان، الذي كان شاهدًا على مُلابسات هذه الحادثة، من خلال شباك زجاجي صغير، من منزله المُطل على وقائع الاشتباكات، أن الشرطة منعت كافة سكان المنطقة من الخروج من منازلهم، خلال الفترة الممتدة من الصباح للظهيرة. ونشرت قوات تابعة لها، تراصت بشكل أفقي مُمتد على طول الشارع، على كافة الفيلات في المنطقة خلال هذه الفترة الزمنية.

الحافلة البيضاء الصغيرة (مايكروباص)، التي كان يستقلها خمسة اتهمتهم الداخلية بعد الحادث بمقتل ريجيني، تطايرت أجزاء متعددة منه، مع إطلاق نيران الشرطة، وما تزال آثارها موجودة في الشارع. أسفرت نيران الشرطة أيضًا عن مقتل من كانوا يستقلون المايكروباص، بعد أن تحفظت عليهم قوات الشرطة من الصباح وحتى الظهيرة، وسط حراسة مُشددة ضُربت حول المنطقة، كما يذكر لـ«ساسة بوست»، مصدر من سُكان المنطقة، رفض الكشف عن هويته لأسباب أمنية.

مصدر آخر رسمي، يُشكك في رواية الداخلية، إذ إنّ «منتجع النخيل المجاور لمكان الحادثة، هو إحدى المناطق السكنية التابعة لوزارة الداخلية، التي تجاور بدورها أكاديمية الشرطة، التي يحيطها أبراج مراقبة عالية، تنتشر بامتداد محور طه حسين، ما يثير أسئلة عديدة حول تواجد العصابة في منطقة مثل هذه».

شهادة ساكن المنطقة، تُظهر هي الأخرى تناقضًا في رواية الداخلية، ففي حين يُؤكد الساكن، أن شخصًا سادسًا كان مُتواجدًا في مقعدٍ خلفي، يقول بيان الوزارة، إن قوات الشرطة، قتلت خمسة من المتهمين، فيما يظل السادس مجهول الهوية والمكان، ولم يظهر لوسائل الإعلام.

شكوك أُخرى مُثارة حول رواية الداخلية، التي قالت إن نطاق عمل العصابة هي منطقة شرق القاهرة، لكن كل الشواهد تُؤكد أن ريجيني اختفى بالقرب من منزله بمنطقة وسط البلد في قلب القاهرة، بعد خروجه من منزله بمنطقة الدقي، واتجاهه لمقابلة صديقه الباحث الإيطالي جيناروا، الذي يعيش في منطقة وسط البلد.

تزداد الشكوك مرة أخرى، بالرجوع إلى مُقتطفات من حديث وزير العدل المصري السابق، أحمد الزند، في آخر مقابلة تلفزيونية له، قبيل إقالته، إذ أكّد الزند على أنّ الطب الشرعي قدّم تقريرًا مُفصلًا عن الإصابات الموجودة في جثمان ريجيني، لكنه (أي الزند) لا يريد التحدث عن الأمر «حتى لا يستغله اللي بالي بالك»، على حد تعبيره.

«مش ممكن هنطلّع تقرير مُزوّر. وما هو موجود في الجثة لا بد أن يُذكر، ومفيش حاجة تُبرر الكذب والخطيئة على الإطلاق، وإنّهم بالوزارة مُستعدون لتحمّل الثمن السياسي عن التقرير» هذا ما قاله الزند، فيما بدا إشارةً إلى تورط جهازٍ أمني رسمي في مقتل الشاب الإيطالي. ووفقًا لمصطفى الفقي، الرجل المُقرّب من النظام المصري الحالي، فإن السبب الحقيقي وراء إقالة الزند من منصبه، هي تصريحاته الأخيرة هذه، وليس أمرًا آخر كما يُروّج البعض.

ماذا عن الرواية الإيطالية الرسمية؟

فريق المُحققين الإيطاليين، الذي أعلنت إيطاليا منذ بداية ظهور جثة ريجيني، توليه عملية التحقيق مع الجانب المصري، أعلن أنّ الشاهد الموثوق لديه، كان قد رأى ريجيني، موقوفًا من قِبَل ضباط شرطة، قرب منزله في القاهرة، ليلة اختفائه، في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير.

جوليو ريجيني

النتائج الأولية للتحقيقات الإيطالية، تقول أيضًا إن ريجيني، قد أُوقف خارج محطة مترو البحوث في الدقي، يوم 25 يناير (كانون الثاني)، والتي تبعد عن منزله بضع دقائق، حيث كان الشاب الإيطالي في طريقه لزيارة حسنين كشك، أحد أبرز المثقفين المُعارضين للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظامه، بالإضافة إلى صديقه الإيطالي جيناروا، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة البريطانية.

كذلك، تقول التحقيقات، إن ريجيني، كان قد لاحظ تصوير مُراقبٍ مجهول له، أثناء حضوره اجتماعًا للمعارضين السياسيين، في 11 ديسمبر (كانون الأوّل).

هل اعتبرته وزارة الداخلية جاسوسًا؟

جوليو ريجيني، البالغ من العمر 28 عامًا، كان يعمل باحثًا في مجال النقابات العمالية المستقلة، ويجيد العربيّة بطلاقة. وكانت مُعظم مُقابلاته مع ناشطين من الحركات العمالية، بجانب كتابته لمقالات تنتقد النظام الحالي للرئيس عبد الفتاح السيسي، في جريدة إيطالية، ذات توجهات يسارية.

يقول جان لاشابيل، الأستاذ المساعد في جامعة هارفارد الأمريكية، ضمن مُبادرة الشرق الأوسط للحكومة، والذي عمل لفترة باحثًا في مصر، إنّ «لدى قوات الأمن أفكارًا بارزة عن أسباب تعبئة الجماهير. لقد وضعت السلطات المصرية نظريتها الخاصة لتظاهرات 2011 الشعبية، إذ تعتقد السلطات المصرية في وجود متآمرين أجانب، هو المحرك الرئيسي لهذه الاحتجاجات».

أبحاث ريجيني أيضًا تُضاف إلى هذه المُعادلة المعقدة الموضوعة من قبل الأجهزة الأمنية المصرية. «لقد أُسيء فهم أبحاث ريجيني، على أنها تُحرّض لثورة جديدة، بخاصة وأنه كان قد توسع في نسج علاقات مع فاعلين محليين، كما حضر عددًا من اجتماعات نشطاء عماليين»، كل ذلك بحسب لاشابيل، رسم صورةً ذهنيةً عنه لدى الأجهزة الأمنية، أنه جاسوس!

جوليو ريجيني

تشييع جثمان ريجيني في إيطاليا

 

المسألة الأخرى، المرتبطة بهذه الصورة لريجيني عند السلطات المصرية، هي موقفه المُناهض لنظام السيسي، وهو ما يظهر في سلسلة المقالات التي كتبها في إحدى الصحف الإيطالية، مُنتقدًا فيها الأوضاع السياسية، وكذا أوضاع العمال والنقابات العمالية داخل مصر، بالإضافة إلى التسريبات عن حدّة حديثه مع الضابط الذي استوقفه، ورفضه الذهاب معه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد