هل يوليو (تموز) هو الشهر المفضل للعسكريين للقيام بانقلاباتهم حقًا ؟ قد يبدو التساؤل مثيرًا للسخرية بشكل ما، فالانقلابات تحدث في كل الأوقات، ومتى كانت ثغرات السلطة تتيحها، لكن العجيب أنه لن يكون سؤالًا هزليًا تمامًا؛ فالعديد من الانقلابات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط كانت من نصيب ذلك الشهر، لاسيما تلك التي كان لها دور هام في رسم مستقبل المنطقة، تستعرض السطور التالية أهم الانقلابات التي حدثت في شهر يوليو (تموز) في تلك المنطقة من العالم.

23 يوليو 1952: وجه الشرق الأوسط ترسمه بندقية ضابط طموح

بحلول منتصف القرن العشرين، كان النظام الملكي في مصر قد وصل إلى شيخوخته تمامًا، ركود اقتصادي تنعكس آثاره على المجتمع، مطالبات شعبية غاضبة بالاستقلال عن بريطانيا فيما كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت لتوها، وحركة جماهيرية غاضبة من المشروع الاستيطاني اليهودي الذي يوشك أن يبتلع فلسطين تمامًا.

كانت الأحزاب غاضبة، لكنها لم تكن راغبة في الثورة الشاملة، أو ظنت أنها غير قادرة عليها، وفي المقابل كانت صفوف الجيش تموج بالضباط الغاضبين، وكان الجيش لتوه قد تلقى هزيمة ثقيلة في حرب فلسطين 1948، أُلقي بالمسؤولية عن نتائجها على الملك فاروق، بسبب سوء التخطيط والتسليح والتنفيذ، وبدا واضحًا أن البلاد لا يمكن أن تستمر على ما هي عليه إلى الأبد.

في العام 1949 كان ثمة ضابط شاب طموح قد وضع خطته وشرع في تنفيذها، سمي تنظيمه «الضباط الأحرار»، وبدؤوا في توزيع المنشورات الممهورة باسم تنظيمهم، لم يتمكن الملك من فك شفرات التنظيم تمامًا، وبعد أن اختبروا قوتهم في انتخابات نادي الضباط، وفيما سرت شائعات عن قرب الأجهزة الأمنية التابعة للملك من اكتشاف تنظيم الضباط والفتك بهم، تقرر أن تكون ساعة الصفر هي ليلة الثالث والعشرين من يوليو (تموز) 1952.

وفيما كان فاروق يلهو في قصر المنتزه بالإسكندرية احتفالًا بتعيين وزير جديد للحربية، جاءته الأنباء أن الضباط الأحرار قد سيطروا على مقر قيادة الجيش، توالت الأحداث تباعًا، البيان الأول يذيعه الضابط أنور السادات، ويتحدث فيه عن محاربة الرشوة والفساد، ولا يشير إلى الملك، إعلان تشكيل وزارة جديدة، ثم مطالبة الملك بالتنحي، فقرار الأخير الانصياع لأوامر الضباط.

اتخذ الضباط الصغار من «اللواء محمد نجيب» ذي السمعة الجيدة في صفوف الجيش والشعب واجهة لحركتهم، وتدثروا بغطاء شعبي وفرته جماعة الإخوان المسلمين لاحقًا، لكن أحلام الديمقراطية لم تلبث أن تبخرت سريعًا، حلت الأحزاب، وأمّمت السلطة وسائل الإعلام، ومنعت كل أصناف المعارضة، ودبت الخلافات بين صفوف الضباط؛ لينتصر جناح ناصر على توجه نجيب الديمقراطي، تم البطش بجميع المعارضين، بما فيهم الإخوان المسلمون حلفاء الأمس، ظل عبد الناصر في سدة الحكم؛ حتى تلقى نظامه ضربة قاسية على يد الإسرائيليين، ولم تمهله الأقدار للانتقام؛ فأسلم الروح إلى بارئها في عام 1970، ولا زال النظام الحاكم في مصر يعتبر امتدادًا لـ«دولة يوليو» كما أطلق عليها.

يوليو 1958و1968 يشهدان أهم انقلابات العراق

في 14 يوليو (تموز) قاد الجيش العراقي برئاسة «عبد الكريم قاسم» انقلابًا على الملكية، وقتل الملك فيصل الثاني، وخاله عبد الإله، ورئيس الوزراء نوري السعيد، وأعلنت الجمهورية، التي احتفظ فيها عبد الكريم قاسم برئاسة الوزراء، حتى خسر السلطة بانقلاب آخر قاده حزب البعث العراقي؛ تولى على إثره عبد السلام عارف – ولم يكن بعثيًا – رئاسة البلاد.

بعد وفاة عبد السلام عارف حل محله أخوه عبد الرحمن عام 1966، قبل أن يقوم حزب البعث في 17 يوليو (تموز) 1968 – بالتعاون مع ضباط غير بعثيين – بانقلاب آخر جاء بأحمد حسن البكر إلى سدة الحكم؛ ليظل رئيسًا للبلاد حتى أجبر على الاستقالة؛ ليتولى نائبه صدام حسين كرسي الحكم في البلاد لمدة ربع قرن انتهت بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

19 يوليو 1971: «انقلاب الثلاثة أيام» في السودان

بحلول السابعة مساء من ذلك اليوم، كانت إذاعة أم درمان تعلن للشعب أن عليه أن ينتظر بيانًا هامًا من الرائد «هاشم عطا»، كان عطا عضوًا في مجلس قيادة الثورة التابع للرئيس النميري حين استولى هذا الأخير على السلطة بانقلاب عسكري قبل ذلك بعامين، لكن النميري ما لبث أن استبعد عطا من منصبه؛ بسبب «ميوله الشيوعية».

خطط عطا للإطاحة بإتقان، الذي بدا للجميع أنه سيكون انقلابًا شيوعيًا خالصًا، حتى ظن البعض أنه بتدبير من الاتحاد السوفيتي، لكن النميري تمكن من العودة إلى السلطة بعد ثلاثة أيام فقط، حين قاد «انقلابًا مضادًا» بدعم من مصر وليبيا وبمساعدة الموالين له من بعض وحدات الجيش، ويتم إعدام منفذي الانقلاب الأول.

3 يوليو 2013: الجيش «يسترد» السلطة في مصر

على مدى ستة عقود منذ الإطاحة بالملكية في مصر، كان يمكن اعتبار الجيش هو الحاكم الفعلي للبلاد، إذ إن رؤساء مصر الثلاثة في تلك الفترة «عبد الناصر والسادات ومبارك» كانوا قادمين من المؤسسة العسكرية التي اعتبرت «العمود الصلب» للدولة، وكان الجيش يمارس نفوذه من خلال هؤلاء الرؤساء، غير أن تلك المعادلة الراسخة قد بدت – ولوهلة قصيرة – على وشك أن تتغير.

مع مطلع الألفية، كان نجم «جمال مبارك» نجل الرئيس المصري يعلو بسرعة خرافية، بدا واضحًا أن الشاب الطموح المتشعب بالثقافة البريطانية يراوده حلم وراثة مقعد أبيه، عمد مبارك الابن إلى هندسة نخبته الخاصة – الذين نُظر إليهم كحكام المستقبل القريب – من رجال الأعمال والبرجوازية المحدثة المرتبطة به شخصيًا، وبمشروعه للتوريث، لكن عائقين أساسيين كانا يقفان في وجه طريقه للرئاسة: الغضب الشعبي المتزايد من فساد مبارك – الأب والابن – ونخبتهما، و«الفيتو الضمني» للجيش على تبوء شخص مدني منصب الرئيس، ولو كان نجل الرئيس ذاته.

مع اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، اندفع ملايين المصريين إلى الشوارع مطالبين بتنحي مبارك ، وهو المطلب الذي تحقق في النهاية بفعل «الحياد الإيجابي» للجيش الذي رأى في الهبة الشعبية فرصة نموذجية للتخلص من «صداع» التوريث دون التورط شخصيًا في انقلاب غير محسوب العواقب، لكن الجماهير في الشوارع، وهي التي لم تفارقها الحماسة بعد لم تكن ترضى وقتها أن تستبدل ديكتاتورية عقود طويلة بغير أن تذوق طعم الديمقراطية الذي بدا وجبة شهية مطلوبة في الذوق السياسي المصري.

جاءت الانتخابات البرلمانية بأغلبية من العدو اللدود لـ«دولة يوليو» في مصر: الإخوان المسلمون، وتولى القيادي الإخواني «محمد مرسي» منصب رئيس البلاد، لكن الرياح جرت سريعًا بما لا تشتهي سفن الحكام الجدد، وفي ظل فشل السلطة الجديدة في احتواء الأزمات الشعبية أو ضبط المجال السياسي الذي بدا سائلًا للغاية، أطلت دولة يوليو – والجيش في صلبها – مجددًا من مخبئها، وتحضرت للإطاحة بالإخوان، وإعادة معادلة الحكم في مصر إلى سيرتها الأولى قبل يناير، الجيش أولًا وثانيًا وأخيرًا.

قبل أسابيع قليلة من مرور عام واحد على استلام مرسي لمنصبه، ظهرت حملة شعبية حملت اسم «تمرد» تنادي بالإطاحة بحكم الإخوان الوليد، تبين لاحقًا أن تلك الحركة كانت مدعومة من جنرالات في المخابرات والجيش وممولة من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة، لاقت تلك الحملة تجاوبًا كبيرًا في دعوتها لمظاهرات شعبية يوم الثلاثين من يونيو، الذكرى الأولى لتنصيب مرسي، ولم تكد تشرق شمس الأول من يوليو حتى خرج بيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة يمهل الرئيس يومين «للاستجابة لمطالب الشعب»، وإلا ….

https://www.youtube.com/watch?v=gj93wlRwxy0

وفي يوم الثالث من يوليو، وفيما دبابات الجيش المصري تنتشر في الشوارع، وطائراته تحلق في الأجواء، أذاع وزير الدفاع المصري «عبد الفتاح السيسي» بيان الإطاحة بمرسي، الأمر الذي كان مقدمة للإطاحة بالإخوان تمامًا من الحكم والسياسة بأسرها، بل تصفية المجال السياسي بأكمله، لصالح التحالف الجديد/ القديم من الجيش والأمن و«الأجهزة السيادية».

اقرأ أيضًا: «واشنطن بوست»: الجيش المصري صنع «تمرد» وأشرف على التمويل الإماراتي للحركة

15 يوليو 2016: الزمن يحاول العودة للوراء في تركيا ويفشل

آخر ما كان يُمكن توقّعه في تركيا منتصف يوليو (تموز) 2016، هو أن تنتشر دبابات الجيش في الشوارع وعلى الجسور، وأن تحلّق طائراته في أجواء إسطنبول أو أنقرة، أو أن تخرج مذيعة التليفزيون الحكومي لتعلن أن الجيش قد سيطر على الحكم في البلاد؛ ليعيد البلاد إلى «مسارها الديمقراطي» الذي انحرف، كما تدعي البيانات الأولى للانقلابات دومًا، كان هذا السيناريو مستبعدًا في تركيا التي ظنت أنها قد تجاوزت أخيرًا حقبة الانقلابات إلى غير رجعة، لكنه حدث بحذافيره، وبدون أية إضافات تشويقية منّا، بدا للحظات أن الزمن قد يعود إلى الوراء، لولا أن ذلك المشهد لم يكن إلا شوط المباراة الأول.

سرعان ما دخلت مباراة الانقلاب شوطها الثاني، حيث تبدل  المشهد تمامًا، خرج الرئيس أردوغان يخاطب الشعب من تطبيقٍ مجهول على شاشة هاتف نقال مهزوزة نقلتها قناة معارضة، استجاب لدعوته آلاف الأتراك، وتفاعلت الأجهزة الأمنية الموالية له داخل الدولة، القوات الخاصة للشرطة، وجهاز الاستخبارات، على وجه التحديد، وهي التي استثمر فيها أردوغان لسنوات، كما أن فيالق عسكرية بالجيش قد رفضت الانضمام للمتمردين؛ وهو ما أكسب صف الحكومة نقطة تفوق إضافية.

بحلول الصباح، كان شبح  الانقلاب قد اختفى، ألقي القبض على آلاف العسكريين والأمنيين، ووجهت التهمة إلى «جماعة الخدمة» التابعة لرجل الدين التركي المقيم بأمريكا «فتح الله كولن»، ليبدأ مسلسل طويل لم تنته حلقاته إلى اليوم؛ إذ سعت الحكومة لتفكيك الجماعة والبطش بأعضائها ومنتسبيها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد