لم يفتر في الجمعة الثانية لمسيرة العودة الكبرى الزخم الشعبي على الحدود في رفح وخان يونس والوسطى وغزة وجباليا، هذه الجمعة كانت مميزة بوسائلها الجديدة التي استُخدمت لإرسال رسائل من المحاصرين في قطاع غزة للاحتلال الإسرائيلي.

فقد حُرقت المئات من إطارات السيارات أو «الكوشوك» كما يعرف محليًا، ورسم الدخان الأسود مشهدًا أرعب الاحتلال الذي كثَّف قناصته من قتل المتظاهرين؛ إذ يؤكد هذا الإصرار الفلسطيني على استنزاف الاحتلال لآخر رمق، وذلك بعدما قاربت أن تكون الحقوق الفلسطينية وعلى رأسها «حق العودة» ضربًا من ضروب التاريخ الفاني، كما تؤكد هذه النشاطات على تفوُّق الإرادة الشعبية على المؤسسة الفلسطينية الرسمية التي قضت عشرات السنين في المفاوضات السلمية تحاول نزع تلك الحقوق.

«جمعة الكوشوك»

لم يلتفت سكّان قطاع غزة لجملةٍ من التهديدات الإسرائيلية التي هدفت إلى ترهيبهم من الإقدام على فعاليات الجمعة الثانية لمسيرة العودة الكبرى، فقد قاموا بإشعال الآلاف من إطارات السيارات قرب السياج الفاصل لقطاع غزة.

فعاليات مسيرة العودة (المصدر: وكالة اسوشيتد برس)

ومباشرة بعد أداة صلاة الجمعة بالأمس، تصاعد إحراق الاطارات وأصبح مشهد الدخان الأسود يفرض نفسه على الشريط الحدودي بين قطاع غزة ودولة الاحتلال، فشكّل إحراق هذه الإطارات التي تعرف باللهجة العامية الفلسطينية باسم «الكوشوك» عنوانًا للجمعة الثانية، بعد أن توصَّل مجموعة من النشطاء الفلسطينيين إلى استخدام الكوشوك وسيلة لحجب المتظاهرين عن قناصة الاحتلال المتمركزين خلف الكثبان الرميلية الحدودية، وهو قرار ينسجم مع ديمومة العمل السلمي لمسيرات العودة التي تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي بأهمية المشاركة السلمية لدي الفلسطينيين، وبالرغم من عدم وجود إجماع على استخدام هذه الوسيلة بسبب الضرر البيئي الذي ينجم عنها، إلا أنها استخدمت، فهي شكل قديم من أشكال المقاومة الشعبية، انتشر في الانتفاضة الأولى التي عرفت بـ«انتفاضة الحجارة» عام 1987، كما دعا النشطاء إلى تجنب ارتداء الملابس المميزة، وتجنب التصوير واستخدام الجوالات الحديثة بغية توفير الحماية لهم.

وحظي الفلسطينيون بعد ظهيرة الجمعة برياحٍ جنوبية شرقية، وهو ما جعل اتجاه الدخان المتصاعد من إشعال الإطارات يذهب نحو جيش الاحتلال ومستوطنات غلاف غزة، إذ باتت رؤية جيش الاحتلال شبه معدومة بسبب انبعاث الدخان الأسود، وقد أدَّى تمركز قناصة جيش الاحتلال على السواتر الترابية قرب السياج الفاصل لإصابة واستشهاد العديد من المتظاهرين، فاستشهد 10 فلسطينيين، فيما أصيب 1354، كما شهدت جمعة الكوشوك تعمُّدًا واضحًا من قبل جنود الاحتلال باستهداف الصحافيين والمسعفين؛ حيث أصيب سبعة مسعفين من الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف.

وأصيب عددٌ من الصحافيين بحالات اختناقٍ وبالرصاص الحي، وصبيحة هذا اليوم تلقَّى الصحافيون الفلسطينيون خبرًا مفجعًا باستشهاد الصحافي «ياسر مرتجى» متأثرًا بإصابته بالأمس برصاصة متفجرة في بطنه أثناء تصويره المتظاهرين قرب السياج الأمني شرقي خان يونس، وتناقل النشطاء الفلسطينيون منشورًا مرفقًا بصورة التقطت من الجو يحمل أمنية عادية لـ«مرتجي»، وذلك حين  كتب في 24 مارس (آذار) الماضي: «نفسي يجي اليوم اللي اخد هاي اللقطة، وأنا بالجو مش ع الأرض! اسمي ياسر مرتجى، عمري 30 سنة، ساكن في مدينة غزة، عمري ما سافرت!».

الشهيد المصور الصحافي، ياسر مرتجي (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي «مصطفي إبراهيم» على مشروعية إشعال الكوشوك لكونه يهدف إلى «تشكيل حاجز دخاني كثيف لحجب الرؤية على الاحتلال بغرض حماية المعتصمين من القتل الذي يمارسه الاحتلال»، ويضيف لـ«الأناضول»: «هذا عمل جماهيري شعبي ومبادرات شبابية، لم تخرج من إطار رسمي، فإشعال الكوشوك على طول حدود غزة لا يُخرج مسيرات العودة وكسر الحصار عن طابعها السلمي».

«ساسة بوست» على خطّ النّار: النساء تشارك بقوة

تجول «ساسة بوست» على الخط الحدود الشرقي لقطاع غزة مع الاحتلال، وفيما كان البعض يعتذر عن الحديث لاستشهاد أحد أقاربه ولرغبته في الذهاب إلى بيت العزاء، استوقفنا إحدى الفتيات كانت تبكى بشدة، فـ«صابرين» التي قدمت منذ الصباح للمشاركة في المسيرة، جاءها للتّوّ خبر إصابة خالها.

نائلة ريان تتحدث لـ«ساسة بوست»

تقول الفتاة: «أخذوه في الإسعاف، أخبروني أن قدمه فتت من الرصاصة المتفجرة التي أصابته، الوضع صعب للغاية في كل حين شهيد وإصابة»، وتضيف الفتاة التي تعود أصولها إلى قرية «إسدود» الواقعة داخل أراضي 48: «نحن نأتي كل يوم هنا ولنا خيمة ممتلئة بعائلتي القرم وكردي، وسنأتي كل يوم حين نطمئن على خالي».

انتقلنا لمكانٍ آخر، كانت تجلس فيه السيدة «نائلة ريان» ذات الاثنتين والأربعين عامًا من العمر، فهي  تأتي كل جمعة من أول النهار لآخره لتشارك في فعالية العودة، تقول السيدة: «أنا غزاوية الأصل (تقصد أنها ليست لاجئة)، لكنِّي أشارك لأن الوطن واحد، وآتي بأبنائي الثمانية كلهم للمشاركة وأدعو الله أن يحفظهم وينصرنا ونعود لأراضينا حين تحرر فلسطين»، وتضيف السيدة التي تؤكد عدم خوفها من الرصاص والغاز المسيل للدموع: «هذه الأرض ليس للاجئ أو مواطن، هذه أرض للجميع، نريد أن نحصل على حقوقنا، الوضع هنا في غزة مأسوي لا يحتمل».

فيما كانت «لمياء السرسك» التي قدمت من شارع الثلاثني بغزة ما تزال تعاني من طفحٍ جلديّ بعد استنشاقها الغاز الذي ألقاه جيش الاحتلال الجمعة الماضية، تقول لـ«ساسة بوست»: «عدت هذه الجمعة أيضًا، فقد جئت بعد إصرار أبنائي على المشاركة، وكي أشعرهم بالاطمئنان وأرعى أمورهم خلال هذا اليوم»، وتضيف السيدة التي جلست بجوار خيمة عائلتها «السرسك»: «جئنا هنا لأننا نريد وحدة وطنية، ونريد الحصول على حقوقنا، ونريد أن يتحسن الوضع».

طفلة تلهو جوار خيمة في مسيرة العودة (المصدر: ساسة بوست)

يقول الخبير العسكري «يوآف ليمور»: إنّ «مسيرات العودة التي يسيرها الفلسطينيون على حدود قطاع غزة تمكّنت من استدراج الجيش الإسرائيلي للمربع الذي يكره، وهو الإبقاء على نصف القوات الإسرائيلية في حالة تأهب عال على حدود غزة، وقلب حياة نصف الإسرائيليين المقيمين في محيط غزة إلى حياة منعدمة الأمن»، وتابع القول في صحيفة «إسرائيل اليوم» الإسرائيلية: «نجاح الفلسطينيين في استنفار الجيش الإسرائيلي للأسبوع الثاني على التوالي، رغم إخفاقهم في اجتياز السياج الفاصل عمليًا، إلا أن هذا النجاح عمق ورسخ فكرة العودة في الوعي والتفكير الفلسطيني من جديد، وليس هذا فحسب، بل إن أهل غزة تمكنوا خلال أسبوع واحد من إنجاز ما عجزت عنه المؤسسة الفلسطينية الرسمية خلال ثلاثة عقود مضت».

كما أكد «ليمور» على أنه «لا أحد في إسرائيل يعلم متى وكيف سينتهي هذا الصداع المزمن الذي عجزت عنه الآلة العسكرية الإسرائيلية، فالجيش لن يقبل بأن يبقى في حالة استنفار دائم لمواجهة هذه المظاهرات؛ فغزة ليست بلعين أو نعلين، والخطر الذي تصدره أكبر بكثير مما تصدره تلك المناطق؛ الأمر الذي يعني الدفع بالمزيد من القوات العسكرية على تخوم غزة، واستنزاف المزيد من الإعدادات التي كان من الممكن أن تكون معدة لجبهات أخرى؛ ما يضع الأمن القومي الإسرائيلي برمته في خطر».

«إسرائيل» تعظ بالقرآن والأحاديث النبوية

نجحت مسيرات العودة الكبرى في إعادة ترسيم الاستقطاب الإسرائيلي الداخلي من الصراع، وأظهرت حالة انعدام اليقين داخل الائتلاف الحاكم، ولذلك عكف المسئولون الإسرائيليون قبيل انطلاق جمعة الكوشوك بساعات على شن حملة تحريض وترهيب كبيرة ضد سكان قطاع غزة.

فقد هدّد وزير الأمن الإسرائيلي «أفيجدور ليبرمان» المتظاهرين بقوله: إنه «إذا كانت هناك استفزازات، فسيكون هناك رد فعل من أقسى نوع، كما حدث الأسبوع الماضي»، وأضاف للإذاعة الإسرائيلية العامة: «لا نعتزم تغيير قواعد الاشتباك، نحن لا نواجه تظاهرة، بل عملية إرهابية. عمليًّا كل الذين يشاركون فيها يتلقّون راتبًا من حماس أو (حركة) الجهاد الإسلامي»، فيما حملت تغريدات لمسئولين رسائل أخرى أثارت سخرية الفلسطينيين، فقد قام منسق عام شئون المناطق الفلسطينية في الحكومة الإسرائيلية «يوآف مردخاي» بنشر ما يحرِّض على مسيرة العودة، فكتب في تغريدة على صفحته في «فيسبوك»: «المخطط لإقامة حريق إطارات كبير بغزة من أجل صنع دخان أسود، والذي يريدون به حجب رؤية الجيش الإسرائيلي، لكنهم لن يتضرروا منه» ثم تابع القول مخاطبًا المتظاهرين: «كل من يقف قرب الإطارات المشتعلة ويستنشق دخانها المحترق – هذا الدخان الخطر والمسرطن، سيستنشقه الأطفال والنساء والشباب والبالغون في رئاتهم».

فيما حضر كالعادة الناطق باسم الجيش الإسرائيلي «أفيخاي أدرعي» هذه المرة مستشهدًا بأحاديث نبوية تحذِّر من الإضرار بالبيئة، فكتب على «تويتر»: «لقد حث النبي محمد على الحفاظ على البيئة، في الحديث (ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) وذلك للحفاظ على صحّة المخلوقات، فبأي حق تلوثون هذه البيئة التي أوصاكم بالحفاظ عليها رسول الله، هل غسلت حماس أدمغتكم إلى هذه الدرجة»، أما المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي «عوفير جندلمان» فقد وصل به الأمر لوصف المتظاهرين بـ«الخوارج»، فكتب في تغريدة على حسابه الرسمي: «حماس ستحاول خلال #جمعة_الكوشوك حرق الجدار الأمني من خلال إشعال الآلاف من إطارات السيارات قربه، هذا سيحرق جميع الحقول والمزروعات الفلسطينية المتواجدة قرب الجدار، وسيتسبب في أزمة بيئية خطيرة جدًا لسكان القطاع جميعًا لمدة طويلة، ألم يقل القرآن: وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ؟ خوارج».

كما ذكر موقع «إسرائيل بالعربية» أن حماس تعمل على حرق الجدار الأمني مع إسرائيل من خلال إشعال الآلاف من إطارات السيارات، مقتبسًا آيات قرآنية من سورتي «البقرة»، و«الأنفال»، وأضاف: «هذا سيحرق حقولًا ومزروعات فلسطينية قرب الجدار وسيتسبب في أزمة بيئية خطيرة جدًا لسكّان القطاع جميعًا، لكنّ حماس لا تكترث للفلسطينيين إطلاقًا، ولا تبالي إذا تسبب ذلك في وفاة الأطفال والشيوخ والمرضى».

الفكاهة حاضرة مع «الكوشوك»

استخدمت قوات الاحتلال خراطيم المياه في محاولة منها لإطفاء الدخان المتصاعد من اشعال الإطارات على الحدود، وكذلك أحضرت مراوح عملاقة لتشتيت الدخان عن مواقع القناصة، كما عجَّلت قوات الاحتلال باتخاذ قرار بمنع دخول شاحنات تحمل إطارات سيارات لقطاع غزة حتى إشعارٍ آخر.

وفيما تعامل الفلسطينيون باستهزاء مع خطوات الاحتلال لردع متظاهري «جمعة الكوشوك»، خلقوا أيضًا لأنفسهم جوًا من المرح والسخرية ردًا على قيام النشطاء باختيار الكوشوك كوسيلة احتجاج سلمي، فظهر موكب لمجموع من عربات الكارو و«التك تك» والجرارات الزراعية تسير على غرار العروض العسكرية وهي تنقل مئات الإطارات من مختلف الأحجام، وسرعان ما تناقل النشطاء تسجيلات مصورة تظهر شبانًا ملثمين يطلقون على أنفسهم اسم «كتيبة الكوشوك»، ويعقب ناشط فلسطيني على هذا الفيديو بالقول بسخريةً: «تتكون من: سرية التكاتك والعربات التي من مهامها الدعم اللوجستي للإطارات لخيام العودة، وسرية التوليع، والتي من مهامها قلب الدنيا كتره (رائحة حرق الإطارات) وسرية الدعم والإسناد من مهامها أول ما العجل (الإطار) يطفي (ينطفيء) يدعموه بكمان عجل»، كما انتشرت أغنية فلسطينية بعنوان: «ولع الكوشوك»، تدعو المتظاهرين للمشاركة في تجمعات مسيرة العودة الكبرى.

فيما سجَّلت الكثير من التغريدات الفكاهية، فكتب الفلسطيني «أحمد رزق»: «الغزازوة راح يخرقوا طبقة الأوزون يوم الجمعة، ويقولوا للعالم: يا بنعيش عيشة فل يا بنموت احنا الكل»، فيما استهزأ «مروان» بقدرات الاحتلال، فكتب في تغريدة له على «تويتر»: «إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن قبل قليل فقدانه لعجل كوشوك سيارته من قبل وحدات الكوماندوز الكوشوكي الغزاوية».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد