يستعد العلماء لنهاية رحلة شاقة ووعرة، بعدما قاموا بإرسال مركبة فضائية، لتقترب من كوكب المشتري، أكبر كوكب في النظام الشمسي، بدرجة غير مسبوقة وخطيرة. فمن المقرر أن يصل مسبار الفضاء «جونو»، إلى العملاق الغازي، كوكب المشتري، بعد أقل من أسبوع واحد، يوم 4 يوليو (تموز) القادم، بعد خمس سنوات من إطلاقه ومغادرته لكوكب الأرض، قاطعًا مسافة تصل إلى 2.25 مليار كيلومتر.

وسيدخل «جونو» مدارًا قطبيًا طويلًا، ليدور حول المشتري، في مدار يبعد 4600 كيلومتر من قمم السحب الخاصة بالكوكب. ولم يسبق لأي مسبار أو لمركبة فضائية أن اقترب لهذه الدرجة من المشتري، على الرغم من أن مسبارين سابقين كان قد جرى إرسالهما، لكنها تدمرا في الغلاف الجوي للكوكب العملاق.

مهمة صعبة

ولاستكمال مهمته المحفوفة بالمخاطر، سيواجه المسبار خطرًا كبيرًا، من خلال محاولة البقاء صالحًا للعمل أثناء عاصفة من الإشعاع الكهربي، الناتجة عن المجال المغناطيسي القوي للمشتري. وتعد هذه العاصفة واحدة من أقوى العواصف الموجودة في المجموعة الشمسية كلها، وتصنف على أنها أقوى وأقسى بيئة موجودة في المجموعة بالفعل، وتتكون من اضطراب عارم من الجسيمات ذات الطاقة العالية، المتحركة بسرعة تقارب سرعة الضوء. وللتعامل مع هذه الظروف الصعبة فإن «جونو» محمي بواسطة شبكة أسلاك مقاومة للإشعاع، بالإضافة إلى درع حساس.

كذلك، فإن جميع الحواسيب الأساسية والهامة المكونة لأساس المسبار، والتي هي بمثابة العقل الرئيس الخاص بالمركبة الفضائية، تقع بداخل جزء مدرع، مصنوع من التيتانيوم.

وقال الدكتور سكوت بولتون، الباحث الرئيسي الخاص بالمسبار جونو، من معهد أبحاث الجنوب الغربي، في سان أنطونيو الأمريكية: «نحن لا نبحث عن المتاعب، ونتطلع للبيانات التي سيجلبها المسبار لنا، المشكلة أنه في كوكب المشتري، وحتى تحصل على نوعية البيانات التي ترغب فيها وتبحث عنها، فعلى المسبار «جونو» أن يصل إلى منطقة قريبة من كوكب المشتري، تتميز بالعدائية، وهو ما يسبب العديد من المشاكل للمسبار».

ولمزيد من الضمانات، فقد جرت برمجة «جونو»، ليتبع مسارًا مداريًا طويلًا، يمكنه أن يتجنب أحزمة إشعاع المشتري قدر الإمكان. وبالرغم من هذه التدابير، فليس من المتوقع أن تستمر مهمة المركبة الفضائية، لفترة أطول بكثير من العمر المخطط لها، أي حوالي 20 شهرًا فقط.

جونو في طريقه للمشتري

مهمة جونو

وسوف يدرس «جونو» تكوين كوكب المشتري، ومجال الجاذبية والمغناطيسية، كما سيقوم بالبحث عن أدلة حول تشكيل الكوكب، ومصدر الرياح المستعرة، والبالغ سرعتها حوالي 618 كيلومترًا في الساعة. كما سيقدم لنا «جونو» صورًا ملونة مدهشة، عبر كاميرا «JunoCam»، والمحتوية على حقل واسع من الرؤية، والمهيأة لتوفير الصور البانورامية.

ولتوفير الطاقة الكهربائية للمسبار، فإن المركبة الفضائية تحمل ثلاثة ألواح شمسية ضخمة، كل منها يصل طوله إلى 8.8 متر، وعرضها 2.8 متر تقريبًا.

وكان الرقم القياسي السابق لأقرب مسبار فضائي، يصل إلى كوكب المشتري، مسجل باسم المسبار بيونير11، الذي جرى إطلاقه من قبل وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا»، واقترب من سطح الكوكب لمسافة 43 ألف كيلومتر، في عام 1974.

وهناك مركبة فضائية سابقة واحدة فقط، هي التي زارت كوكب المشتري وأقماره، في الفترة بين عامي 1995-2003، وتمكنت من الدوران حول الكوكب، وهي المركبة «غاليليو». وقطعت «غاليليو» مدارات واسعة، على مسافات تقدر بمئات الآلاف من الكيلومترات، وهو ما أبقى عليها خارج حدود أي خطر حقيقي من الإشعاعات، برغم من أنها تعرضت لعدد من الحالات التقنية الشاذة.

وأرسلت مركبة «غاليليو» مسبارًا صغيرًا، في رحلة ذات اتجاه واحد، خلال غيوم كوكب المشتري، وكانت نهايته التحطم على سطح الكوكب.

وقال هايدي بيكر، كبير باحثي رصد الإشعاع، في مختبر الدفع النفاث التابع لـ «ناسا»: «على مدار المهمة، فإن الإلكترونات، ذات أعلى مستوى من الطاقة، ستخترق منطقة القبو المحتوية على أهم حواسيب المسبار، وستخلق رذاذًا من الفوتونات الثانوية والجسيمات، عملية القصف المستمرة هذه ستؤدي لكسر الروابط الذرية، الموجودة في الإلكترونيات الخاصة بالمسبار».

وعلى غير العادة في المهمات الفضائية الروبوتية، فإن «جونو» ينقل ثلاث شخصيات من شخصيات «ليغو»، والتي تصور العالم الفلكي الشهير الإيطالي غاليليو غاليلي، والإله الروماني جوبيتر، وزوجته الإلهة جونو. وقد صنعت شركة «ليغو» هذه الشخصيات من الألومنيوم، بدلًا من البلاستيك المعتاد، حتى يتمكنوا من الصمود في وجه الظروف القاسية للرحلة.

ويوجد على متن المركبة أيضًا، لوحة تذكارية مخصصة للعالم غاليليو، والمقدمة من قبل وكالة الفضاء الإيطالية. ويبلغ قطرها 7.1 سنتيمتر، وتظهر صورة لغاليليو، ونصًا كتابيًا كتبه في يناير (كانون الثاني) لعام 1610، خلال مراقبته لرابع أكبر أقمار كوكب المشتري، والذي أطلق عليه اسم غاليليو، في وقت لاحق.

يذكر أن «جونو» أطلق الى الفضاء بواسطة صاروخ أطلس الخامس، من قاعدة كيب كانافيرال، في فلوريدا الأمريكية، في 5 أغسطس (آب) لعام 2011. وتعتبر هذه المهمة واحدة من أكثر مهمات وكالة الفضاء الأمريكية طموحًا، إذ تهدف لاكتشاف أسرار أكبر كواكب المجموعة الشمسية، ويشار إلى أن هذه المهمة كلفت مبلغ 1.1 مليار دولار أمريكي.

وتعتبر مركبة «جونو» أسرع مركبة فضائية على الإطلاق، وتبلغ سرعتها في الفضاء حوالي 240 ألف كيلومتر في الساعة. ومن المفترض أن تقوم بدراسة نواة كوكب المشتري وغلافه الجوي، بالإضافة إلى المجال الكهرومغناطيسي القوي للكوكب، وظاهرة الشفق الخاصة به.

وتهدف الرحلة إجمالًا إلى محاولة اكتشاف كيفية نشأة النظام الشمسي، والتوغل داخل بعض من أسرار المجموعة، أسرار لا تزال تمثل ألغازًا بلا حلول، حتى يومنا هذا.

كوكب المشتري ونطاقات التفاعلات الموجودة في غلافه

المشتري

تعود عملية رصد المشتري إلى القرنين السابع أو الثامن قبل الميلاد، لعلماء الفلك البابليين، وذكر باحثون صينيون أن الفلكي الصيني، غان دي، قد اكتشف أحد أقمار المشتري بالعين المجردة. ومنذ عام 1973، زار المشتري العديد من المركبات الفضائية، أهمها المسبار «بيونير 10»، فهو أول مسبار يقترب لمسافة كافية من سطح الكوكب.

وأطلق عليه الرومان اسم «جوبيتر»، نسبة لإله السماء والبرق لديهم، وأطلق عليه العرب اسم المشتري، لأنه يستشري في سيره، أي يلج ويمضي ويجد بلا فتور ولا انكسار.

وكوكب المشتري هو الكوكب الخامس بعدًا عن الشمس، وأكبر كوكب في النظام الشمسي، وهو كوكب عملاق تبلغ كتلته واحد من الألف من كتلة الشمس، كما تصل كتلته إلى مرتين ونصف كتلة جميع الكواكب الأخرى في النظام الشمسي مجتمعة.

والمشتري هو عملاق غازي، جنبًا إلى جنب مع كوكب زحل، فيما يعد كوكبي وأورانوس ونبتون من عمالقة الجليد. ويتكون المشتري بشكل رئيسي من الهيدروجين، بالإضافة إلى أن ربع كتلته تتكون من الهيليوم، وذلك على الرغم من أن عدد ذرات الهيليوم لا تصل إلى سوى 10% فقط، من إجمالي جميع الذرات المكونة للكوكب.

وقد يكون لهذا الكوكب نواة داخلية صلبة من العناصر الأثقل، ولكن مثله مثل الكواكب العملاقة الأخرى، فإن المشتري يفتقر إلى سطح صلب واضح المعالم. ونتيجة لدورانه السريع، فإن شكل هذا الكوكب أصبح كرويًّا مفلطحًا، له انتفاخ طفيف وملحوظ حول خط الاستواء.

ويمكن ملاحظة أن الغلاف الجوي الخارجي يتمايز إلى عدة نطاقات، في خطوط العرض المختلفة، مما يؤدي إلى الاضطرابات والعواصف، على طول الحدود التفاعلية بينها. وواحدة من النتائج البارزة لهذه التفاعلات هو البقعة الحمراء الكبرى، والتي تمثل عاصفة عملاقة، ومن المعروف أنها كانت موجودة منذ القرن السابع عشر على الأقل، عندما كان ينظر إلى الكوكب لأول مرة عن طريق المنظار.

ولدى كوكب المشتري 67 قمرًا على الأقل، بما في ذلك أربعة أقمار غاليليو الكبيرة، التي اكتشفها غاليليو غاليلي في عام 1610، وجانيميد هو أكبر الأقمار، وقطره أكبر من كوكب عطارد.


عرض التعليقات
تحميل المزيد