بمرور الوقت، تتحول بعض الأفكار والممارسات البشرية، إلى شكلٍ من أشكال المقدس الذي لا يُمكن المساس به، وإن كان نتاجه الواقعي – في بعض الأحيان – شديد السوء على البشرية. ما يطرح بديهيًا تساؤلات عن مدى جدوى إعادة إنتاج تلك الأفكار أو الممارسات بصرف النظر عن السياقات التي تحكم بالضرورة تطبيقها وإعادة إنتاجها. بيد أنّ هذه التساؤلات، غالبًا ما تُقابل بالهجوم الشديد.

لذا فقد ذهبنا إلى تناول نموذج لما يُمكن أن يُسهم هذا “الجيد” في ذاته بصورة مُطلقة، في بلورته وصعوده المُدوّي، بما يحمله من نتائج ستُورّث البشرية نحو 40 مليون قتيل! إنّه نموذج أدولف هتلر وألمانيا النازية.

بعض من العفو مُفيد للجميع .. أو ما الذي قد تُؤدي إليه «عدالة» تحمل المسؤولية؟

تقوم فلسفة القانون على عدالة الالتزام وتحمّل المسؤولية، التي يُعبّر عنها ما يُعرف بنص القانون. لكن على مُستوى آخر، تُناقش فلسفة القانون أثر هذا النموذج العام على المواقف الفردية الأكثر تفصيلًا وتحديدًا ودقّة، ووفقًا للظروف والسياقات المُختلفة. هذه المُناقشة هي ما يُعبّر عنها مُصطلح “روح القانون“. على سبيل المثال، فثمّة حكاية شهيرة دائمًا ما يضرب بها المُؤرخون المُسلمون المثل على الوجه الآخر من عدالة الصحابي عمر بن الخطاب، وهي حكاية إيقاف تنفيذ حدّ السرقة في عام الرّمادة، وعندما سيق إليه 3 سرقوا، عفى عنهم، مُراعاة لظروف الوقت، وسياق فعلتهم.

ومن مُنطلق ما يُعرف بعدالة الالتزام وتحمّل المسؤولية، انبرت ألمانيا على رأس الترويكا الأوروبية، في الأزمة اليونانية الأخيرة، إلى تحميل اليونان مسؤولية أزمتها وحدها. كان ذلك صريحًا للغاية عندما صرّح وزير المالية الألماني فولفجانج شويبله قائلًا: “اليونان وحدها تتحمّل المسؤولية”.

وزير المالية الألماني فولفجانج شويبله

نعم هذا صحيح. فاليونان المُنغمسة لأخمص قدميها في فساد إداري ومالي، والمُعتمدة بشكل أساسي على الاقتراض، في مُقابل مُستوى دخلٍ فردي من بين الأعلى في أوروبا بل العالم، على الرغم من قلّة الموارد؛ هذه اليونان ينبغي عليها أن تتحمّل مسؤولية تبعات سياساتها الاقتصادية. لكنّ في المُقابل تحملّها مُنفردة هذه المسؤولية، مع الضغط الكبير، قد يُؤدي إلى ما لا تُحمد عُقباه. وهو الأمر الذي حذّر العديد مُنه، وفي خلفية ذاكرتهم ما حدث في ألمانيا عقب الحرب العالمية الأولى.

بعد الحرب العالمية الأُولى، حُمّلت الإمبراطورية الألمانية التي انهارت، مسؤولية كارثية الحرب وجميع ما نتج عنها، على اعتبار أنّها أوّل من بادر بالهجوم حين اتجهت قواتها نحو بلجيكا ولوكسمبورغ، ثُم فرنسا. ورغم التقدّم الألماني في الحرب، إلا أنّها في النهاية اضطرت للرضوخ للهدنة على إثر الثورة التي اندلعت على أراضيها، في نوفمبر 1918.

هذا الرضوخ المُسبب حكم على ألمانيا وحُلفائها في الحرب خسارتهم لها، وحكم على ألمانيا تحديدًا بتحمّل تبعات الحرب التي أشعلتها، وذلك فيما عُرف بمؤتمر باريس للسلام عام 1919، والذي نظّمته دُول الحلفاء، لتخرج منه بعدد من المُعاهدات التي تشكّلت وفقًا لوجهة نظر المُنتصر. من بين هذه المُعاهدات، واحدة لم يُدرك فداحة عاقبتها إلا بعد أن أزفت الآزفة؛ إنّها مُعاهدة فرساي.

وُقّعت مُعاهدة فِرساي بين دول الحُلفاء المُنتصرة، وبين الإمبراطورية الألمانية التي تُواجه خطر الانهيار على إثر الحرب من جهة، والاضطرابات الداخلية من جهة أُخرى. وقد شملت المُعاهدة عددًا من البنود التي تضمنت على رأسها اعتراف ألمانيا بمسؤولية الحرب، ومن ثمّ فرض مديونيات عليها كتعويضات عمّا تسببت الحرب به من أضرار. ليس ذلك فقط، بل وتنازلها عن بعض مُستعمراتها لصالح الأطراف الأُخرى، فضلًا عن تحجيم قُدراتها العسكرية على عدّة مُستويات.

وللوهلة الأُولى يبدو الأمر منطقيًا، فألمانيا التي أشعلت حربًا راح ضحيتها عشرات الملايين، عليها أن تتحمّل مسؤولية خطئها. هذا ما يُسمّى بعدالة الالتزام بتحمّل المسؤولية. لكنّ وجهًا آخر هو ما أسفرت عنه هذا التطبيق لهذه “العدالة” التي تجاهلت أيّ سياق أو ظرف، قد يدعو للتفكير ألف مرّة قبل الإقدام على تحميل طرف واحد كل المسؤولية.

هذا الأمر تحدّث فيه لاحقًا الكثيرون، وندبوا حظّهم، لكن في وقتها لم يُشر له إلا شخص واحد، يُدعى جون كينز، وهو اقتصادي إنجليزي، كان حاضرًا مُؤتمر باريس للسلام، كأحد ممثلي البعثة الاقتصادية البريطانية، لكنّه خرج من المُؤتمر مُغاضبًا بعد مُعاهدة فرساي، التي ألّف عن كارثيّتها من وجهة نظره، كتابًا أسماه “العواقب الاقتصادية للسلام”.

جون كينز (يمين)

رأى كينز بوضوح أنّ مُعاهدة فِرساي التي من المُفترض أنها تهدف للسلام، ستؤدي لكارثة مُحققة بسبب “العقوبات” الجمّة التي تفرضها على ألمانيا. لقد قال بوضوح، إنّ “ألمانيا اليائسة لن تُحافظ على السلام في أوروبا، وبالتأكيد لن تُساهم في الازدهار. نحن جميعًا في ذلك”.

اقرأ أيضًا: عن الرجل الذي أنقذ الاقتصاد العالمي مرّتين: الآن وقبل 80 عامًا

وبالفعل، هذا ما حدث. لقد ساهمت مُباشرةً، عدالة الالتزام وتحمّل المسؤولية، إلى خلق تُربة لفاشية سريعة النمو والصعود، بعد أن وقعت ألمانيا في دوّامة الفوضى التي بدأت من الاقتصادي وانتهت بالاجتماعي، وأخيرًا السياسي الذي أحكم عليه هتلر المُنتخب ديموقراطيًا. ولهذه حكاية أُخرى.

لقد تحمّلت ألمانيا كثيرًا من الأعباء الثقيلة عقب الحرب العالمية الأولى، وهذا أدّى إلى ظهور النازية فيها –أليكسيس تسيبراس، رئيس الوزراء اليوناني السابق

ديموقراطية الانتخابات ليست نهاية الأحزان!

كما ذكرنا، أدّت الحرب العالمية الأولى وتحميل مسؤوليتها لألمانيا، إلى حدوث أزمة اقتصادية شديدة ضربت الاقتصاد الألماني في مقتل. وعلى كافة المُستويات عانى الألمان، المعاناة الاقتصادية وأثرها الممتد إلى كافة نواحي الحياة. بعض التقارير عن تلك الفترة، تلقي الضوء على حجم التضخم المالي، فتحكي أن أناسًا جمعوا كلّ مُدخراتهم المالية ليتسنّى لهم شراء طابع بريدي لرسالة انتحار!

كانت هذه الحالة اليائسة – بتعبير كينز – حاضنة مُناسبة للأفكار القومية اليمينية، التي تُعزز من الانتماء المُتطرف للوطن والعرقية. وكان ممثل هذه الأفكار هو الحزب النازي، الذي تأسس عام 1920 على أنقاض حزب العُمّال الألماني. ومن بين هذه الحالة أيضًا ظهر أدولف هتلر، كعضو فعّال في الحزب، قبل أن يُصبح زعيمًا له.

خلال سنوات قليلة، استطاع الحزب تكوين قاعدة جماهيرية واسعة في أرجاء ألمانيا. وأصبحت له تجمعات في شتّى المُدن، جميعها مُتّصل بالقيادة المركزية. ويُشار إلى أنّ برامج الحزب الاقتصادية، كانت أيضًا مُساهمًا كبيرًا في انتشاره في بلد كان نحو 6 مليون من مواطنيه يُعانون البطالة. بالإضافة إلى ذلك، كان خطابه شديد العُنف تجاه دول الحُلفاء الذين أرهقوا بلاده باسم “العدالة”؛ مُحفّزًا فعالًا لانتشاره وذياع صيته.

وخلال عام واحد فقط من إنشاء الحزب النازي، وصل هتلر إلى كُرسيّ قيادة الحزب، لكنّ بوادر شخصيّته الفردية والمُتسلّطة برزت منذ أوّل يوم تولى فيه منصب القيادة، حتّى أنّ بعض أعضاء الحزب اتهموه حينها بتكريسه للسلطة والقوة الفردية، بينما استطاع هو تحييدهم على هامش الحزب، بنقلهم لمناصب شرفية!


ألمانيا، أو جمهورية فايمار كما سُمّيت عقب الحرب العالمية الأولى وحتى عام 1933، كانت مع كل ما عانته، نموذجًا للديموقراطية التشاركية، بعد أن استطاع الشعب إسقاط الحُكم الملكي، وإقامة الجمهورية البرلمانية، التي يتمتع فيها رئيس الوزراء (المُستشار) بالسلطة الفعلية وفقًا لممثلي حزبه في البرلمان، فيما يتمتع الرئيس بمنصب شرفي بسلطات تنسيقية محدودة. عبر هذه المُؤسسات، استطاع حزب هتلر النازي التمكين لمشروعه.

في انتخابات الرايخ (البرلمان الألماني) عام 1929، نجح الحزب النازي في حصاد 276 مقعدًا من أصل 387، ما عزز من وجوده داخل مُؤسسات الجمهورية. ثُم في عام 1932 حصد نحو 40% من إجمالي مقاعد الرايخ أهّلته لتشكيل ائتلافية.

نجح الحزب في خلق تحالفات مع أحزاب يمينية أُخرى في البرلمان، ومعهم شكّل الحكومة التي أصرّ هتلر على رئاستها، وقد كان بالفعل، لتبدأ صفحة جديدة من تاريخ ألمانيا، بل العالم أجمع.

لقد عقد الحزب النازي العزم على تقلّد زمام الحكم بشكلٍ قانوني -هتلر

هتلر نفسه كان يعلم أهمّية القانون للوصول إلى مُبتغاه. بالقانون وصل رسميًا لأعلى منصب سياسي في البلاد؛ المستشار أو رئيس الوزراء، ثُم بالقانون نفسه ضغط لاستصدار قرار من رئيس البلاد بحلّ الرايخ الألماني، الذي لم يُعقد منذ حله، وحتى سقوط نازية هتلر في نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد كان تأجيله لعقد البرلمان أقرب ما يكون للقانون، بسبب الظروف الطارئة للحرب التي خاضها هتلر! بالإضافة إلى السُلطة التنفيذية، باتت أيضًا السلطة التشريعية في يده باعتباره المستشار أو رئيس الجهاز التنفيذي.

بعد استحواذه على السلطة التشريعية، بات بإمكانه إصدار القرارات المُكرّسة لحكم الفرد، وجميعها ستكون مُقننة بحكم أنّها من المُشرّع دستوريًا. وبالفعل، بدأ بإصدار القوانين المُتعلّقة بمنع نقد أداء الحكومة، كذا بإغلاق أعداد كبيرة من الصحف والدوريات المطبوعة، بخاصة التابعة للشيوعيين.


أخيرًا انتهت سلسلة بسط النفوذ النازي على مؤسسات الدولة الألمانية، باستيلاء هتلر على منصب الرئيس أيضًا، بعد وفاة باول فون هيندنبورغ. بهذا أصبح هتلر حرفيًا كُل شيء في ألمانيا، التي أشعلت حربًا عالميةً ثانية يعرف القاصي والداني كارثيتها على البشرية.

والآن، في رأيك، أليست بعض الأشياء “الجيدة” قد تُؤدي في النهاية إلى ما لا يُحمد عقباه؟!

عرض التعليقات
تحميل المزيد