في كتابه الصادر عام 1916، «تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها»، الذي نُشر حديثًا باسم «تاريخ سينا والعرب»، يحكي المؤرخ السوري نعوم بك شقير عن تقاليد القضاء والحكم في سيناء المصرية، ليصف نظام القضاء الخاص بها، والمستقل عن الدولة المصرية في ذلك الوقت، وهو نفسه ما يعرف اليوم بـ«القضاء العرفي»، أو «الجلسات العرفية».

على الرغم من قوة ارتباط سيناء بمصر وأهميتها، ووقوعها تحت إدارة الدولة المصرية منذ العصور القديمة، إلا أن سكانها من البدو ما زالوا يحتكمون، على الأقل فيما بينهم، لمجموعة من الأحكام والقوانين العرفية التي تنظم حياتهم، ولفض خلافتهم، وهذا الأمر لا يطبق تطبيقًا عشوائيًا، بل له العديد من القواعد والأحكام التي تتوارثها الأجيال في المجتمع البدوي في سيناء، ويسير كل جيل على خطاها.

هذه القوانين تنتشر اليوم في مناطق مصرية أخرى يعيش فيها البدو، وأحيانًا تستخدم فئات أخرى من المصريين، في القرى والصعيد تحديدًا، الجلسات العرفية عوضًا عن طرق التقاضي التقليدية، لكنها ما زالت أكثر شيوعًا في سيناء.

أدوات الاختبار في الجلسات العرفية.. «النار والرؤيا والماء»

مثل أي قضاء آخر، يتضمن القضاء العرفي البدوي وظائف ثابتة متعارفًا على مهامها، فهناك «كبير العرب» الذي يلعب دور الوساطة في القضايا التي يصعب حسمها لعدم وجود الأدلة، ولا يتبقى لحلها سوى الصلح والتراضي، وهناك أيضًا «العقبي»، وهو المُعادل لقاضي الأحوال الشخصية في القضاء المصري، ومهمته تولي كل المشكلات التي تخص الطلاق والمهر والتعدي على العرض، أما «المنشد» فهو القاضي المختص بالأمور الشخصية مثل الشجار، والتعدي بالأيدي والتسبب في جروح للآخرين أو سبهم بالشتائم.

فيما يخص تحديد العقوبة التي تسبب فيها المتنازعون لبعضهم البعض؛ فلدى القضاء البدوي وظيفة تُدعى «القصاص» وهو القاضي المسئول عن تحديد حجم الجزاء؛ وفقًا لحجم الجروح وطولها، وعمقها، ومدى تأثيرها على القدرات الجسدية للمجروح، وهناك أيضًا «الزيادي» وهو القاضي المسئول عن قضايا سرقة الإبل وكل ما يتعلق بها.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
مؤتمر الحسنة.. عندما أرادت إسرائيل أن يكون 31 أكتوبر عيد استقلال سيناء عن مصر

وفي حالة اختلاف المتنازعين على اختيار شخص القاضي الحاكم بينهما؛ يلجأون في هذا الموقف للـ«ضريبي» وهو بمثابة قاض حكم، وهو من يختار القاضي الذي سيتولى النظر والحكم في الأمر.

وبحسب فرج أبو سليمان، أحد المنتمين لقبيلة الترابين بسيناء، فإنه في العادات القديمة للجلسات العرفية، كان هناك قاض آخر اسمه «المبشِّع»، وهو القاضي الذي يتولى القضايا التي لم يشهد عليها أحد، ويصعب وجود أدلة على المتهم، فيقوم المبشِّع باختبار المتهم بطريقة تُدعى «الاختبار بالنار والرؤيا والماء»، ويقتضي هذا الاختبار أن يلعق المتهم إناء نحاس ساخن ثلاث مرات سريعة؛ فإذا ظهرت على لسانه آثار حروق واضحة؛ فتثبت عليه التهمة.

أما الاختبار بالماء فكان عبارة عن وضع إناء نحاس بين المبشِّع والمتهم ويُهز الاناء حتى تهتز المياه بالداخل معه، وإذا استقرت الماء وتوقفت عن الهز تجاه المتهم فتثبت عليه التهمة، وإذا توقفت في جهة المبشِّع فيتم تبرئته، أما الرؤيا فكان يقوم بها المبشِّع بنفسه، عن طريق التركيز والتأمل في الضحية أو المجني عليه، ثم النوم على أمل أن يظهر له المتهم في المنام.

«لحاسة الختوم»

وذكر المؤرخ نعوم شقير مقابلته لمشبع في العام 1906، وكان اسمه الشيخ عامر عياد من قبيلة العيايدة، وورث تلك المهنة عن أبيه عياد وعمه عويم، وأكد المؤرخ أنه كان المبشِّع الوحيد في سيناء بهذا الوقت.

لا تتوقف الجلسات العرفية عند القضاة فقط، بل هناك من يُطلق عليهم آل الخبرة، منهم «المسوق»، وهو الخبير في أمور الإبل التجارية من بيع وشراء، وحينما تُثار قضية خاصة بالأراضي الزراعية فيأتي دور «أهل القطاعات» ويجب أن يتحلى صاحب تلك المكانة بخبرة كبيرة في الزرع والأراضي الزراعية، ولأن حياة البدو تعتمد في كثير من الأحيان على توافر النخل في بيئتها؛ فهناك وظيفة «أهل العرائش» وتكون مهمتهم الحكم في المشكلات التي تخص النخيل.

والأمر يختلف مع وظيفة «لحاسة الختوم» وهو الاسم القديم لمهنة «الشيخ الحكومي» الحالية – بحسب أبو سليمان – فهم يكونون شيوخًا معينين من قبل الحكومة ويتقاضون رواتبهم منها، ومهمتهم أن يكونوا حلقة الوصل بين القضاء المصري، والقبائل البدوية، بينما يكون دور «الحسباء أو نقالة العلوم» الحكم في القضايا المتعلقة بعادات العرب وفقًا للعهود المتفق عليها فيما بينهم، وقد جاء اللقب القديم لحاسة الختوم من أن هؤلاء الشيوخ كانوا يعطون أختامًا حكومية لاستخدامها في الوثائق الرسمية وفي مجتمع قديم كهذا انتشرت فيه الأمية؛ كانت ملكية الختم ذاتها من الأهمية بمكان حتى يستدل على وظيفة حاملها بها.

«ثلاثة مِختلفين»

حرص بدو سيناء على بناء سلك قضائي مُحكم، ولذلك وضعوا محاكم عرفية في سلكهم القضائي، وبدرجات مختلفة، فقضايا الجلسات العرفية كان يتولاها ثلاثة قضاة حسب نوع القضية وكان يشترط أن يكون هؤلاء القضاة من ثلاث قبائل مختلفة لضمان الحيادية والنزاهة ويطلق عليهم «ثلاثة مِختلفين» وما زال هذا العرف جاريًا حتى الآن كما صرح أبو سليمان لـ «ساسة بوست».

فإذا كانت القضية جريمة قتل، يقف المتهم في البداية أمام كبير العرب الأول والذي يكون بمثابة المحكمة الابتدائية في القضاء المتعارف عليه في مصر، وإن لم يُحسم الأمر؛ يمثُل المتهم فيما بعد أمام كبير العرب الثاني، والذي يقوم بدور محكمة الاستئناف، وإذا لم يستطع هو الآخر إنهاء القضية، يأتي دور كبير العرب الثالث ويكون حكمه نهائي ونافذ.

يكتفي القضاء البدوي بشاهد واحد لحسم القضية المنظورة أمام القاضي، ولذلك يشترط قانون الجلسات العرفية أن يكون الشاهد «التقي النقي اللي تدور على عيبه ما تلتقي»، وفقًا للوصف الذي ذكره المؤرخ نعوم شقير في كتابه، ولذلك يستثنى من الشهادة أي رجل أقدم على ذنب أو جُرم تحرمه أعرافهم وتقاليدهم، ومع ذلك قد يقبل القضاء البدوي شهادة اللص على اللص إذا أفاد هذا مجريات القضية، وتشهد المرأة البدوية أمام القضاء البدوي وتحتسب شهادتها كشهادة الرجل، وقبل الشهادة يجب يحصل الشاهد على أجرة من طالب الشهادة، والتي تعرف لديهم باسم «بالآكال».

يقف الشاهد أمام القضاء المصري قبل الشهادة ويضع يده على المصحف ويقول: «والله العظيم أقول الحق»، ولكن الأمر يكون أكثر تعقيدًا لدى الشهادة أمام القضاء البدوي في سيناء، فهناك أربعة أنواع – منها القديم ومنها ما هو سار حتى الآن بحسب أبو سليمان- لحلف اليمين في هذا السلك القضائي الصحرواي.

Embed from Getty Images

«وحياة هذا العود، والرب المعبود، ومن أحضره وأيبسه»

النوع الأول – قديم- يطلقون عليه «الخطة والدين» وهو ما يستخدم في الشهادة في الجلسات العرفية التي تخص الإبل وما شابهها، ويتم الحلفان عن طريق رسم دائرة بطرف السيف على الرمال ورسم صليب بداخلها، ثم يقف الشاهد في منتصف الصليب المرسوم بالدائرة، ويولي وجهه تجاه الكعبة، ويحلف بست كلمات تبدأ بلفظ الجلالة «الله» وتنتهي به، ثم يقول الشهادة.

وفي قضايا القصاص، يحلف الشاهد بما يسمى «الحلف بالعود» – سار – وفيه يمسك الشاهد عودًا من الزرع في يده ويقول: «وحياة هذا العود والرب المعبود ومن أحضره وأيبسه..» ثم يقول شهادته الماثل أمام القضاء بشأنها.

وفقًا لما ذكره المؤرخ نعوم بك شقير؛ فقديمًا كان من حق القاضي المعني بحسم القضية المنظورة أمامه، إصدار الحكم الذي يراه صائبًا لعقوبة المتهم، ولكن وفقًا للتشريعات الموضوعة على أيدي أجداد تلك القبائل البدوية في سيناء، وعقوبة القتل لديهم إذا لم تنته بأخذ الثأر مباشرة، فمصيرها يكون للتصالح، حينما تُدفع الديّة لأقارب القتيل والتي كانت تتكون من 40 جملًا وناقة، ما عدا في حالة انتماء الخصمين لنفس القبيلة، فيكون واجبًا على أهل القاتل تقديم فتاة بكر فوق الديّة المعتادة ويُطلق على تلك الفتاة في القانون «غرة».

مجتمع

منذ سنتين
البدون ليسوا في الكويت فقط.. ماذا تعرف عن البدون في بقية الدول العربية؟

أما في حالات المشاجرات التي ينتج عنها جروح؛ فيقدر القصاص المسئول عن الحكم في المسألة قدر الغرامة؛ بقدر طول الجرح، الذي يقيسه بأصابعه، ويأمر بعدها بدفع غرامة جمل مقابل كل جرح طوله أصبع واحد.

اهتمام القضاء البدوي بحقوق المرأة في الحياة الزوجية، هو اهتمام في صالح المرأة حسبما أوصت به الشريعة الإسلامية، فالمرأة التي يتزوج عليها زوجها البدوي امرأة أخرى؛ يشرط عليه القضاء أن ينصب خيمة منفصلة لكل زوجة، وأن توزع الأيام بين الزوجتين بالعدل.

وقديمًا؛ إذا تأخر الزوج في ليلة عن إحدى زوجاته في أيامها المعتادة؛ تأتي الزوجة بحبل وتعقد فيه عقدة عن كل ليلة يتغيب عنها، وإذا امتلأ الحبل بالكثير من العقد؛ تلجأ الزوجة لأهلها، والذين يأخذون الحبل بدورهم إلى القاضي؛ والذي عادة ما يحكم في تلك الحالة بتعويض؛ ناقة عن كل ليلة تخلى فيها عنها زوجها.

وقد أوضح أبو سليمان لـ«ساسة بوست» أن المجتمع البدوي له قيمه وعاداته وتقاليده الخاصة التي لا يعرف الكثير من المصريين شيئًا عنها، نتيجة للبعد الجغرافي، ولميل البدو إلى الحياة الهادئة المعزولة، ولكنهم وبكل تأكيد جزء أصيل لا يتجزأ ولا ينفصل عن المجتمع المصري ككل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد