أمس الأربعاء الموافق 20 أكتوبر 2015، حقق حزب الأحرار الكندي فوزًا ساحقًا في الانتخابات البرلمانية، أهله لتشكيل الحكومة مُنفردًا. رُبما تعتقد عزيزي القارئ العربي أنها معلومةً ذات أهمية بالنسبة إليك. لكن دعني أؤكد لك أنّ منطقتك قد ساهمت بشكل كبير في صناعة نتيجة الانتخابات البرلمانية الكندية الأخيرة!

لنحو تسع سنوات قبعت السياسة الكندية تحت تصرف توجهات حزب المحافظين الكندي المتشددة سواء على المستوى الخارجي، أو داخليًا تجاه الأقليات وكذا فيما يخص الحقوق الاجتماعية. رسمت سياسات ستيفن هاربر رئيس حزب المُحافظين، خطًا مُغايرًا عما اعتادته كندا من كونها بلد الحقوق والحريات والتعددية
.. هذا داخليًا، وخارجيًا: بلد السلام وعدم الانحياز.

في موضوع سابق أشرنا إلى انحسار اليمين في أوروبا مُقابل صعود حققه اليسار على عدة جبهات، وذلك على خلفية الأزمة المالية ومُلحقاتها. وعلى خلفية نفس الأزمة وتعامل أحزاب اليمين الغربية معها، يخسر حزب المحافظين الكندي مقاعده في البرلمان وبالتالي الحكومة، بينما تتجه قبلة السياسة الكندية إلى اليسار قليلًا مع فوز حزب الأحرار الليبرالي بـ184 مقعدًا من أصل 308.

وحين نقول إن السياسة الكندية مع الحكومة الجديدة ستتجه نحو اليسار قليلًا، فإننا ننطلق من جُملة الوعود الانتخابية التي أطلقها جاستن ترودو، زعيم حزب الأحرار الفائز ورئيس الوزراء الكندري الجديد، إبان حملته الانتخابية. تلك الوعود، مع الخط السياسي الذي ينتهجه الحزب، يجعل مُنه اليسار المُنتظر على الأقل مُقارنة بالحقبة السابقة حيث حزب المُحافظين اليميني المتشدد.

ولادة جديدة للترودومينيا (ظاهرة جنون ترودو)

جاستن ترودو، رئيس الوزراء الكندي الجديد، ليس مُجرد شاب وسيم صغير السن (43 عامًا) حديث عهد بالسياسة بعد دخوله عالمها في 2008 كنائب في البرلمان. لكنّه الوريث الشرعي للترودومينيا، أو ظاهرة جنون ترودو أو الافتتان بترودو، نسبةً إلى بيير ترودو رئيس الوزراء الكندي الأسبق من 1968 وحتى 1984، ووالد جاستن ترودو.

بالنسبة لجيل كامل، ترودو الأب بمثابة الساحر الذي استطاع خلق كندا مُوحدة ومُتحررة ومُسالمة وقادرة على تقبل الآخر بقوة القانون. بدأ بيير ترودو حياته السياسية كيساري راديكالي قبل أن ينضم أخيرًا لحزب الأحرار الكندي.

بيير ترودو في خطاب له عقب فوزه بالانتخابات لأول مرة عام 1968


ويُعد حزب الأحرار أعرق الأحزاب الكندية وأقدمها على الساحة السياسية. وهو حزبٌ مُلتزم بالمبادئ الليبرالية في السياسات الخاصة بالحقوق والحريات فضلًا عن السياسات الخارجية. وللحزب نزوع يساري فيما يخص قضايا الرعاية الصحية ورعاية الطلبة وخطط المعاشات والسياسات الضريبية التصاعدية المُلتزمة بإعفاء محدودي الدخل. وأغلب الإنجازات التشريعية التي حققها الحزب في هذا المضمار يعود فضلها لترودو الأب، الذي ارتبط في أذهان كثير من الكنديين بالتواضع والتجول في الشوارع والأماكن العامة بين الناس لالتقاط الصور وتوقيع الأوتوغرافات.

أيضًا، يعود الفضل لبيير ترودو أن أنهى واحدة من حالات الانقسام في المجتمع الكندي بعد أن جعل الفرنسية والإنجليزية لغتين رسميتين للبلاد. كما أنّ البعض يُفضل إرجاع الفضل له في السماح القانوني بزواج المثليين انطلاقًا من الميثاق الكندي للحقوق والحريات الذي تبنى ترودو إصداره كنص دستوري حاكم عام 1982.

بالإضافة لذلك، كان لترودو يد فاعلة في جبهتين أخريين، إحداهما تتعلق بجهوده في وضع حد للانفصاليين بولاية كيبيك التي تعد أكبر ولايات كندا والمعقل الرئيسي للفرنسية لغةً وثقافة. اتخذ ترودو كافة الأساليب الممكنة، بداية بالمواجهة المُسلحة عام 1970 حين أمر قوات الجيش الاتحادي النزول في شوارع مدن الولاية لمواجهة عناصر جبهة تحرير كيبيك المُسلحة عقب اختطافهم دبلوماسيًا بريطانيًا واغتيالهم وزيرًا في الحكومة. ونهايةً بإعلان ثنائية اللغة الرسمية، وإعطاء ولاية كيبيك ميزات جعلت إدارتها قريبة من الحكم الذاتي.

الجبهة الثانية تتعلق بالسياسات الاقتصادية، التي –على ما يبدو – لم يستطع إخفاء تراثه الاشتراكي الناضح فيها، إذ آمن بأهمية وجود دور للدولة في إدارة الاقتصاد الوطني وحد نفوذ السوق الحر. لقد كان مثالًا للاحتذاء بأفكار الاقتصادي البريطاني جون كينز والتي لا شك أنها لعبت دورها في إنقاذ الاقتصاد العالمي.

جاستن ترودو رئيس الوزراء الكندي الجديد، هو نجل هذه الظاهرة السياسية. ورغم ابتعاده عن السياسة طوال فترات عُمره، لكنّ التراث العائلي لعب دوره البارز في صعود نجمه خلال وقت قصير، لتتحقق نبوءة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون!

نخب رئيس الحكومة الكندية في المُستقبل

وُلد جاستن ترودو في 25 ديسمبر عام 1971، وقبل أن يُكمل نصف عام تنبّأ الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بأن يُصبح جاستن رئيس الحكومة الكندية المُستقبلي مُقتفيًا أثر والده. وشرب نيكسون نخب ذلك مع والده بيير ترودو خلال حفل عشاء رسمي في كندا، فيما تمنى والده إن تحققت نبوءة نيكسون، أن يتحلى ابنه “بحنكة الرؤساء”.

مات ترودو الأب عام 2000، وكان ابنه آنذاك أبعد ما يكون عن السياسة، إذ انشغل لفترة في بدايات حياته العملية بالتدريس، ثم اتجه للأعمال الخيرية، بخاصة المتعلقة بالحفاظ على البيئة وحماية المناخ. ورغم انعزال والده عن عالم السياسة لنحو 16 عامًا قبل وفاته، إلا أن أضواء الإعلام لم تتجاهله وأسرته بما فيها جاستن الذي اعتاد ذلك منذ الصغر وخلال مسيرة حياته التي بدأ الانقلاب فيها مُصاحبًا لوفاة والده، حيث ألقى جاستن خطاب رثاء لفت الأنظار نحوه كنجلٍ مُؤهل لوراثة مشروع والده السياسي.

جاستن ترودو بصحبة زوجته الإعلامية الكندية صوفي جريجوار


من هنا بدأت نشاطات جاستن السياسية عبر حزب الأحرار الكندي قبل أن يُصبح نائبًا في البرلمان عام 2008 لينتهج خطًا مُدافعًا عمّا أرساه والده وخلفاؤه من زعماء الحزب الذين تقلدوا منصب رئاسة الوزراء. انتخب جاستن نائبًا في البرلمان لدورةٍ ثانية عام 2011، ووقتها بدأت تعلوا أصواتٌ مُطالبة بترشحه على زعامة حزبه، الأمر الذي اعتذر عنه عدة مرات، قبل أن يحسم قراره بخوض التجربة بنجاح عام 2013.

عامان فقط هما الفارق بين رئاسته حزب الأحرار الكندي وبين وصوله لسدة الحكم في بلاده، و7 أعوام هي خبرته الحقيقية في عالم السياسة، وهذه كانت من بين أوراق الضغط التي استغلها خصومه للهجوم عليه في كُل مرة، من ترشحه للبرلمان مرورًا بترشحه لزعامة الحزب نهاية بالانتخابات الأخيرة.

ورغم الخسارة الفادحة التي مُني بها حزبه في انتخابات 2011 وحصوله على 34 مقعدًا فقط جعلته في المركز الثالث بعد الحزب الديمقراطي الجديد اليساري، إلا أن جاستن كان قد ضمن كرسيه في البرلمان، ليقود منه حزبه لفوزٍ كاسح في الانتخابات الأخيرة، بعد زعامته للحزب في 2013.

النقاب واللاجئين والإصلاحات الضريبية على رأس أجندته السياسية

عقب إعلان فوزه مُباشرة، وفي مُؤتمر صحافي، أعلن رئيس الوزراء الكندي المُنتخب حديثًا جاستن ترودو، انسحاب بلاده من التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مُحققًا بذلك أول وعوده الانتخابية الخاصة بوضع حد للمغامرات العسكرية التي تورطت بلاده فيها على يد رئيس الوزراء السابق ستيفن هاربر.

ويتضافر انسحاب كندا من التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية مع وعد آخر قطعه ترودو على نفسه أمام ناخبيه، وهو الخاص باستقبال 25 ألف لاجئ سوري مع تخصيص ميزانية قدرها ربع مليار دولار لاستقبالهم وتوطينهم في البلاد. وعلى ما يبدو – انطلاقًا من هذين الوعدين – فإن ترودو قد يتخذ نهجًا مُغايرًا عن سابقه فيما يخص منطقة الشرق الأوسط، إذ كان ستيفن هاربر واحدًا من أشد الداعمين لإسرائيل وسياساتها، دبلوماسيًا واقتصاديًا في مُقابل وصفه حركات مقاومة كحماس والجهاد بالحركات الإرهابية، فضلًا عن تصديره خطاب شديد العُنف ضد الإسلام الذي ربطه عدة مرات بالإرهاب حول العالم دون تحديد أو تخصيص.

هاربر رئيس الوزراء السابق، والذي كان ولايزال عضوًا في جماعة التحالف المسيحي التبشيري الإنجيلية، اتخذ مواقف مُتطرفة ضد المُسلمين والعرب في كندا الذين يُمثلون نسبة قد تفوق 3% من جُملة السكان، بدايةً من تشهيره بواحدة من أكبر المنظمات الإسلامية في كندا وهي منظمة المجلس الوطني لمسلمي كندا، مرورًا بتصريحات ضد المسلمين والإسلام والمقدسات الإسلامية طالت بعضها المساجد باعتبارها “أوكارًا للإرهابيين” نهايةً بحظره ارتداء النساء المُسلمات للنقاب في الأماكن العامة.

“الكنديون بعثوا برسالة واضحة تُفيد أنّه قد حان وقت التغيير”، هكذا قال ترودو عقب إعلان فوز حزبه بالأغلبية. تصريح كهذا يستلزم تضمينه إجراءات سريعة تُصحح من سياسات سابقه تجاه المسلمين الذين على ما يبدو كان لهم دورٌ في فوزه بعد أن ضمن بوعوده نسبةً كبيرة من أصواتهم.

جاستن ترودو يلتقط الصور مع مُسلمين (المصدر: صفحته الرسمية على فيسبوك)


وكان من بين ما روّج له ترودو خلال حملته الانتخابية احترام “اختيارات المرأة في التصرف بجسدها” في إشارة لرفضه حظر النقاب الذي فرضه سابقه بل إنّه أكد بوضوح على أنّ “ارتداء النقاب لأسباب دينية هو حق أساسي للكنديين”. وتأكيدًا منه على مبدأي “حرية المعتقد والدين” و”حرية الفكر والإيمان والتعبير عن الرأي” اللذين نصّ عليهما ميثاق الحقوق والحريات الذي أسس لكندا تعددية، أعرب ترودو عن استيعابه الكامل لحقيقة أن “من بنى كندا هُم بشر من كافة أنحاء العالم، اعتنقوا كافة الأديان، وكانوا من ثقافات مُختلفة”.

وفيما يخص السياسات الاقتصادية، فإن المُؤشرات الأولية المُعتمدة على تصريحاته ووعوده الانتخابية، تُفيد بأنه قد ينتهج سياسات قريبة من سياسات والده المُنحازة نحو اقتصاد تلعب الدولة فيه دورًا أكبر. وكانت من جملة وعوده الانتخابية فرض إصلاحات ضريبة تتضمن زيادة الضرائب على الأعلى دخلًا خاصة الذين تزيد دخولهم عن 200 ألف دولار سنويًا، وخفضها على مُتوسطي الدخل ومحدوديه. بالإضافة إلى تخصيص ميزانية مُضاعفة لمشاريع البنية التحتية التي أكد اضطلاع الحكومة المباشر فيها.

المصادر

تحميل المزيد