بوتفليقة

بوتفليقة

لم يكن ينقص “النظام الجزائري” أو بالأحرى جنرالات الجيش المتحكمين في دواليب تسيير الشأن العام في الجزائر؛ غير إضافة “بعض التوابل” على وصفة ترشيح الرئيس الجزائري المريض (شفاه الله)، عبد العزيز بوتفليقة، لولاية رئاسية رابعة، وذلك بتسليط ضوء كاميرات التلفزيون الرسمي على الرجل وهو يجالس رئيس المجلس الدستوري الذي تسلم من الرئيس ملف ترشيحه لرئاسيات الجزائر التي ستجري يوم 17 أبريل المقبل، كما ينص على ذلك الفصل 74 من الدستور الجزائري، وهو نفس الفصل الذي ينص أيضًا على أن عدد الولايات الرئاسية غير محدد، وهو ما يصب في مصلحة الرئيس ومؤيديه للترشح من جديد رغم أنه يبلغ من العمر 77 سنة، ورغم أن حالته الصحية لا تسر حتى مؤيديه وبالأحرى معارضيه ومعارضي ترشحه لـ”عهدة رابعة”.

 

بوتفليقة عند نزوله من الطائرة

بوتفليقة

ويبدو أن “أصحاب” قرار إعادة ترشيح بوتفليقة للرئاسيات، بالرغم من حالته الصحية غير المطمئنة، أرادوا من خلال “الإخراج” التلفزيوني، لمساء يوم الإثنين (3 مارس)، أن يردوا على حشود الجماهير الجزائرية التي بدأت تكسر جدار الصمت وترفع شعار “ارحل”، ليس في وجه الرئيس بوتفليقة وحسب ولكن في وجه النظام السياسي الجزائري ككل، وهو ما قد يؤشر على بداية “ربيع جزائري” لم يستطع حتى الآن أن يسير على ما سار عليه “ربيع” عدة دول مجاورة استطاع أن يطيح بأنظمة سياسية عُمّرت لزمن طويل، كالنظامين التونسي والليبي.

 

رئيس بالمراسلة ..

قصاصات وكالات الأنباء العالمية سرعان ما نقلت ما بثه التلفزيون الجزائري، في نشرة أخبار الساعة السابعة (السادسة بتوقيت غرينتش)؛ حيث سلطت كاميرات وأضواء التلفزيون الرسمي على الرئيس بوتفليقة وهو يتحدث لأول مرة منذ آيار/مايو 2012، أثناء تقديم أوراق ترشحه لولاية رابعة لرئيس المجلس الدستوري بالبلاد، مراد مدلسي.

التلفزيون نقل بالصورة والصوت أيضًا ما دار بين المسئوليْن الجزائرييْن السامييْن (الرئيس ورئيس المجلس الدستوري)؛ حين خاطب الأول الثاني قائلاً: “جئت لأسلم عليك أولاً وفي نفس الوقت أقدم ملف ترشحي وفقًا للدستور ولقانون الانتخابات”.

بوتفليقة عند نزوله من الطائرة

بوتفليقة عند نزوله من الطائرة

الرئيس الذي لم يلق أي خطاب منذ آيار/مايو 2012، إلى الشعب واكتفى ببعث الرسائل عبر كبار المسئولين والوزراء، إلى درجة أن منتقديه لم يترددوا في وصفه بـ”الرئيس بالمراسلة”، فجأة يصبح قادرًا على مخاطبة شعبه عبر المجلس الدستوري، بل وحتى يذب إلى أوصال المشككين في “حالته” الصحية بعضٌ من اقتناع بأن رئيس البلاد أصبح يتحدث كباقي الناس، بعكس بعض الصور التي نقلها التلفزيون الرسمي، في مناسبات سابقة استقبل فيها الرئيس بعض الضيوف الأجانب وبدا فيها بالكاد يحرك يديه ويمسك بفنجان قهوة، قبل أن تكشف إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية “فبركة” التلفزيون الجزائري الرسمي لتلك الصور، لأجل ذلك ردّد الرئيس بعض ما ينص عليه القانون فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، بل وتحديدًا ما يخص مسألة العمر لدى المرشح للرئاسة، وكذا عما إذا كان الدستور يحدد عدد الولايات المخصصة لكل رئيس؛ بحيث أشار إلى أنه أقدم على المجيء إلى المجلس الدستوري لتقديم ترشيحه لأنه يتقدم للرئاسة – وفقًا للمادة 74 من الدستور التي تنص على أن عدد الولايات الرئاسية غير محدد – وكأن كل ما يقف أمام ترشيحه هو ما إذا كانت المسألة تتعلق بولاية رابعة من غيرها، دون أن يقدم طبعًا على الإقرار بما إذا كانت صحته على ما يرام أم أنه عاجز عن إدارة حتى مجلس محافظة صغيرة في أقصى مناطق الجزائر النائية، على حد تعبير أحد المعلقين.

من ينتفض ضد من؟

 

متظاهر ضد بوتفليقة

متظاهر ضد بوتفليقة

خروج الجزائريين إلى الشارع حاملين لافتات تحمل عبارة “ارحل” في وجه الرئيس والنظام الجزائريين، على حد سواء، قرأه المتتبعون من عدة أوجه وجوانب، لكنها قراءات لم تخرج عن اتجاهين اثنين: الاتجاه الأول رأى فيه أصحابه أن هذه التظاهرات التي طالت حتى الجزائريين المقيمين في بعض الدول الغربية كفرنسا وبريطانيا، تمثل “صحوة” الجزائريين الذين لم يواكبوا انتفاضات الربيع العربي التي انطلقت منذ أواخر سنة 2010 من تونس المجاورة، وربما كان ذلك بسبب القبضة المحكمة للسلطات الأمنية والعسكرية، وقد حان الوقت الآن مع ترشيح الرئيس بوتفليقة لولاية جديدة (رابعة) وهو الرجل المريض والعاجز، من أجل تكسير حاجز الخوف، على اعتبار أنها المناسبة السانحة التي قد تجمع الجزائريين بأعداد قادرة على “تغيير” الأوضاع.

وهناك اتجاه ثان يشكك في هذه التظاهرات، من أساسها، ويعتبرها من فعل “فاعل أو فاعلين”، بل إنها من صنع النظام الذي يريد التخلص من الرئيس المعتل، ولذلك فإنه يختلق مثل هكذا تظاهرات حتى يجد الدعم والغطاء الشعبيين؛ إنه النظام أو “الدولة العميقة” التي دأبت منذ الاستقلال على “صناعة” رؤساء الجزائر؛ هذا النظام الذي يبدو أنه – وفي إطار تنازع وصراع أجنحة السلطة – لم ينجح في إقناع بوتفليقة بعدم الترشح لولاية رابعة، ولذلك فقد بدأ “صناع” النظام في تأليب الشارع على الرئيس وكذلك الإعلام الذي انقلبت أطياف منه بدرجة 180 ضد الرئيس الذي كانت “تطبل” بالأمس القريب، وكل ذلك حتى يصبح الطريق سالكًا للقيام بانقلاب أو شبه انقلاب للإطاحة بالرئيس بوتفليقة وإزاحته عن الحكم، ثم المجيء بما يرتضيه هذا النظام، وكل ذلك تحت يافطة “إرادة الشعب” التي تم التمهيد لها بهكذا تظاهرات.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد