لم تمر سوى ساعات قليلة على الاتفاق بين المعارضة السورية وروسيا برعاية تركية، حتى انهار وقف إطلاق النار صباح يوم الأربعاء 14 ديسمبر (كانون الأول) 2016 في مدينة حلب، وتأجلت عملية إجلاء المدنيين والمقاتلين من المدينة، وسط اتهامات من قبل المعارضة السورية تجاه إيران والنظام السوري بإجهاض الاتفاق.

الأمر جاء على خلفية مطالب بإدراج مدينتي كفريا والفوعة ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، بحيث يتم إخراج مصابين وجرحى تابعين لإيران والنظام السوري من المدينتين المحاصرتين.

تفاصيل الانهيار أولًا

قبل التطرق للأسباب وكيفية انهيار الاتفاق، نعود سريعًا إلى المشهد خلال ساعات الصباح الأولى، إذ كان من المفترض تنفيذ الاتفاق القاضي بإخراج المعارضة المسلحة والمدنيين الراغبين من آخر المناطق التي تسيطر عليها المعارضة شرق حلب، والتي تقع تحت حصار شديد من قبل قوات النظام السوري، لهذا احتشد حوالي 100 ألف شخص من سكان شرق حلب، تمهيدًا لإجلائهم.

وصرح مصدر قريب من النظام السوري لوكالة الأنباء الفرنسية أن «الحكومة السورية علقت اتفاق الإجلاء لارتفاع عدد الراغبين بالمغادرة من ألفي مقاتل إلى عشرة آلاف شخص»، مضيفًا أن دمشق تطالب أيضًا بالحصول على قائمة بأسماء جميع الأشخاص المغادرين؛ للتأكد من عدم وجود رهائن أو سجناء.

واستأنف جيش النظام السوري معاركه وقصفه للأحياء المحاصرة في مدينة حلب، ليعلن بعدها الجيش الروسي أن مقاتلي المعارضة هم من خرقوا الهدنة. ونسبت وكالة إنترفاكس الروسية للأنباء إلى وزارة الدفاع قولها إن مقاتلي المعارضة في مدينة حلب استأنفوا القتال عند الفجر، مضيفة أن الحافلات المخصصة لإجلاء المدنيين من حلب تعرضت لإطلاق نار من قبل مسلحي المعارضة في حي صلاح الدين.

لكن المعارضة من جانبها، اتهمت قوات النظام وإيران بعرقلة أي خطوة تنفيذية للاتفاق. وقال ياسر اليوسف، عضو المكتب السياسي لكتائب نور الدين زنكي (أحد أبرز فصائل المعارضة في حلب) في تصريحاته لقناة الجزيرة، إن النظام السوري وما وصفها بالميليشيات الإيرانية عرقلت الاتفاق؛ لأنه لم يكن لديهم أي يد في الاتفاق، ولم تجرِ استشارتهم فيه، فالاتفاق تم بين المعارضة والروس مباشرة.

كفريا والفوعة

وأشارت بعض التقارير التي تناولتها وسائل الإعلام إلى أن السبب الرئيسي وراء انهيار الاتفاق هو إيران، التي تطالب بإخراج أشخاص من قرى تعتبرها شيعية، مقابل السماح بإتمام عملية الإجلاء. وقالت مصادر وصفت بالمقربة لموقع العربي الجديد، إن النظام السوري يشترط لتنفيذ الاتفاق في حلب إخلاء الجرحى من بلدتي كفريا والفوعة في ريف إدلب، مقابل السماح بإخلاء المدنيين والمسلحين من حلب.

ونقلت المصادر قول مصدر عسكري إن «أي اتفاق حول حلب يجب أن يحظى بموافقة جميع الأطراف»، في إشارة على ما يبدو لغضب النظام من عدم إشراكه بالمفاوضات، وأضاف أن «استمرار حصار المسلحين لمناطق كفريا والفوعة يتطلب أن تكون المفاوضات شاملة»، مشترطًا لإتمام الاتفاق أن يتم «إدخال مساعدات إنسانية إلى الفوعة وكفريا، وتسليم جثامين الشهداء والجرحى والأسرى عند المسلحين».

رسم توضيحي 1 كفريا والفوعة تعدان بوابة النظام الشمالية لمدينة إدلب

الظاهر الآن بوضوح هو تفوق قوات النظام السوري ميدانيًّا في حلب، وأن قوات المعارضة هي التي تقف في الجهة الأضعف، ربما يكون هذا الأمر هو ما دفع الإيرانيون والنظام إلى محاولة الاستفادة من الوضع في حلب لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب.

وتخضع مدينتا كفريا والفوعة لاتفاق يطلق عليه اسم «اتفاق كفريا والفوعة – مضايا والزبداني»، وهو المتعلق بوقف إطلاق النار بين النظام السوري، والمعارضة المسلحة على هذه المحاور. وأبرمت هذه الاتفاقية يوم 24 سبتمبر/ أيلول 2015، ونصت على وقف العمليات العسكرية في الزبداني التي تسيطر عليها قوات المعارضة، وتحاصرها قوات النظام من جهة، وكفريا والفوعة اللتان تسيطر عليهما قوات النظام، وتحاصرهما قوات المعارضة من جهة أخرى، وشملت الهدنة التي كانت الأولى من نوعها في سوريا، بلدة مضايا بريف دمشق، وبلداتٍ وقرى أخرى تحت سيطرة المعارضة السورية بريف إدلب.

فك الحصار

وتعد سيطرة قوات النظام السوري على مدينة حلب بالكامل خطوة مهمة جدًّا، ستمكنها من التقدم أكثر وأكثر في مناطق ريف حلب الجنوبي، التي تسعى للسيطرة عليها تدريجيًّا حتى يمكنها الوصول إلى مدينتي كفريا والفوعة، وفك الحصار الذي تفرضه قوات المعارضة عليهما منذ أكثر من عام.

وكانت قوات المعارضة بادرت إلى فرض حصار على المدينتين بعد أن شنت هجومًا واسعًا على مدينة إدلب، عاصمة المحافظة التي تحمل نفس الاسم، انتهى بالسيطرة على المدينة بالفعل. وبدأ الحصار بعد أربعة أيام فقط من سيطرة المعارضة على إدلب، وتحديدًا يوم 28 مارس (آذار) 2015.

وإذا استعدنا ما تناولته بعض وسائل الإعلام في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، ستظهر لنا الأمور بشكل أوضح. فقد نقلت وسائل إعلام أن قوات النظام السوري وحلفائه «يسعون من خلال فتح الجبهات في ريف حلب الجنوبي والشرقي إلى إحياء مسعاها الذي بدأت العمل على تحقيقه نهاية عام 2015 عبر مراحل، انطلاقًا من السيطرة الكاملة على ريف حلب الجنوبي، والوصول في النهاية إلى بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين في ريف إدلب، وفك حصارهما. وتعمل على هذه الخطة قوات من الحرس الثوري الإيراني، وحزب الله اللبناني والعراقي، وحركة النجباء، وعصائب أهل الحق العراقيان».

يتضح من هنا أهمية هاتين المدينتين الصغيرتين للقوات الشيعية المشاركة في القتال؛ لأن غالبية أهل المدينتين هم من الشيعة أيضًا، ولعل هذا هو ما يفسر إصرار إيران على الاستفادة من الموقف في حلب لتخفيف حدة الحصار على المدينتين.

الخريطة التالية توضح سيطرة قوات النظام والمعارضة في المنطقة بين حلب، وإدلب.

رسم توضيحي 2 اللون الأحمر يمثل المناطق التي تسيطر عليها قوات النظام السوري، واللون الأخضر يمثل مناطق سيطرة قوات المعارضة

إدلب.. ما بعد حلب

يظهر من الخريطة كيف أن منطقة الفوعة وكفريا تمثل جيبًا لقوات النظام داخل مناطق هيمنة المعارضة، وبالتالي فهناك أهمية لفك الحصار عن المدينتين انطلاقًا من حلب. الأهمية لا تكمن فقط أن المدينتين مواليتان للنظام وبهما سكان من الشيعة، لكنها تمثل شوكة قوية في ظهر المعارضة المتواجدة في إدلب.

وإذا تمكنت قوات النظام السوري من فتح الباب باتجاه هاتين المدينتين، فهذا يمكن أن يعني بداية حقيقية لمعركة ما بعد حلب، إدلب. قوات النظام السوري عمدت منذ فترة على عقد الاتفاقات مع المعارضة في ريف دمشق حمص وغيرها، من أجل خروج قوات المعارضة من بعض الجيوب المحاصرة باتجاه إدلب، التي أصبحت الآن هي المعقل الحقيقي لكافة قوات المعارضة تقريبًا.

التوقعات تشير هنا إلى إمكانية أن تمثل كفريا والفوعة مقدمة نحو إخلاء الطرق الرئيسية لقوات النظام باتجاه مدينة إدلب، التي إن سقطت فسيعني سقوطها شبه السقوط النهائي لقوات المعارضة السورية المسلحة.

وقالت وكالة أنباء الأناضول، نقلًا عن خبراء، إن الحديث عن سيطرة قوات النظام السوري على الأحياء الشرقية من مدينة حلب، يعني اتجاه الأنظار نحو الجارة إدلب، التي باتت أهم معاقل المعارضة بعد تراجعها في حلب. فخلال الشهور الأخيرة، عمدت قوات النظام السوري على تهجير مقاتلي المعارضة المسلحة مع عائلاتهم والمدنيين من مناطق كانت خاضعة لسيطرتهم في ريف دمشق (المعضمية، خان الشيح، داريا)، وحمص (حي الوعر، المدينة القديمة)، باتجاه إدلب (شمال)، في مسعى لتجميعهم في منفى اختياري واحد.

وقال الكاتب والمحلل السياسي المصري، سامح راشد، إن إستراتيجية النظام السوري وحلفائه تعتمد على التعامل الإستراتيجي مع المدن والمناطق الإستراتيجية في سوريا. مضيفًا أنه «بعد أن ثبت للنظام وحلفائه عدم قدرتهم على السيطرة على معظم مناطق سوريا رغم القصف، تغيرت إستراتيجيتهم إلى السيطرة التدريجية على ما يتاح من مناطق حسب أهميتها».

فيما ذهب المحلل السياسي التركي، بكير أتاجان، إلى أن النظام السوري وروسيا وإيران يريدون الاستيلاء على جميع المدن السورية، ليس من أجل استعادتها فقط، وإنما ليأخذوا ما يريدونه سياسيًّا عندما يجلسون على طاولة المفاوضات.

اعتبر أتاجان، في حديث مع الأناضول، أنهم «لذلك يبحثون عن المناطق المفيدة من سوريا، وهي المناطق الغربية والوسطى، ودمشق وحلب. الهدف من السعي إلى السيطرة على حلب حاليًا، وإدلب لاحقًا، هو أملهم في أن يمكنهم ذلك من الجلوس على الطاولة والتفاوض من مصدر قوة».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد