ذات صباح، أفاق جاريجور سامسا من أحلامٍ مزعجة، ليجد نفسه قد تحوّل في فراشه إلي حشرة رهيبة.

في أحد الأيام، بينما كان غابرييل جارسيا ماركيز صغيرًا، قرأ افتتاحية «المسْخ». بعدها أغلق «غابو» الكتاب فزِعًا وصرخ: يا إلهي! هل حدثَ هذا فعلاً!

مَنْ يصدّق أنَّ أكثرَ كاتبٍ سوداويّةً في التّاريخ حدّ نسْبِ كلِّ الكتابات السّوداويّة إلي مذهبٍ من اشتقاق اسمه «يا لكَ من كافكاويّ قاتم!» أن يكون يومًا ما.. عاشقًا.

بوصفها أحد مصادر الإلهام وأسباب البقاء؛ لعبت المرأة دورًا في حياة كافكا – رغم استحالة رابطةٍ طبيعيّة والتي لم تنتهي إلا بفسخ خطوباته مرّتين – أدي إلي ظهور ذلك جليًّا في كتاباته ويوميّاته، علي الرّغم أن كافكا تخلّص من تسعين بالمئة من كتاباته في حياته، وطلب من صديقه ماكس برود أن يتخلّص منها بعد موته، إلا أن برود نشر يوميّاته في مجلدٍ ضخم (ترجم للعربيّة عن هيئة أبوظبي للثقافة والتراث في 2010) وكذلك رسائله إلي عشيقتيه الشّهيرتين.

كانت لكافكا حياةً جنسيّة فعَّالة، وطبقًا لصديقه «برود»؛ كافكا كان معذّبًا برغباته الجنسيّة؛ وكاتب سيرته رينير سيتاش صرّح أن حياته كانت عامرةً بعلاقات نسائيّة غير بريئة، وكذلك مليئة بالخوف من الإخفاقات الجنسيّة. تردد علي بيوت الدّعارة وكان له اهتمامًا كبيرًا بالبورنوغرافيا، بالإضافة لعلاقاتٍ حميمة مع نساءٍ عديداتٍ في حياته.

1

خطابات كافكا

في الثالث عشر من أغسطس من العام 1914، التقي كافكا بفيليس بيير، وهي قريبة لبْرْودْ، والتي كانت تعمل في شركة ديكتافون (شركة أسسها جرهام بيل). بعد أسبوعٍ من لقاءها كتب كافكا في يوميّاته:

«الآنسة ف. ب. عندما حللتُ عند برود في الثالث عشر من أغسطس، كانت هي تجلس إلي المنضدة. لم أكن أعير اهتمامًا إلى من كانت هي. لكن بالأحرى أعتقد أنها كانت لتوّها محظوظة.»

تبادل كافكا مع فيليس رسائل عديدة جمعت في مجلد كبير:

«مُقْدِمٌ أنا الآن علي أن أسألكِ معروفًا قد يبدو مجنونًا إلي حدٍ مّا والذي يجب أن أعتبره كذلك ؛ حيثُ أنا الشّخص الذي سيستلم الخِطاب. وهو أيضًا أعظم اختبارٍ حتي أكثرُ الأشخاص دماثةً يمكن أن يُوضَع فيه. حسنًا، هذا هو:

اًكتُبي لي مرّةً أسبوعيًّا فقط؛ لكي يصلِ خِطابُكِ يوم الأحد. لأني لا استطيع الصمود حيال خِطاباتكِ اليوميّة؛ لستُ قادرًا علي تحمُّلِهم. علي سبيل المثال : أُجِيبُ علي خطابٍ واحدٍ منكِ، ومِنْ ثمَّ أرقدُ في السرير في هدوءٍ بيّن، لكن قلبي يتخبّطُ داخل جسدي كُلِّه، وهْو واعٍ فقط بكِ. مُتعلِّقٌ أنا بكِ ؛ لا يوجد – حقيقةً – طريقٌ أُخري لشرحِ هذا، ليس ذلك قويًّا بما فيه الكِفاية. لكن، لهذا السبب الدقيق ؛ لا أريد أن أعلم ما ترتدينه ؛ ذلك يربِكُني كثيرًا لدرجة ألا أستطيع أن أتعامل في الحياة. وهذا هو السبب أني لا أريد أن أعلمَ أنَّكِ مغرمةٌ بي. وإنْ فعلتُ، كيف أستطيع – ويا لي من أحمق- أن أذهب وأجلس بمكتبي أوهنا بالمنزل بدلا من التوثّب علي القطار بعينينين مغلقتين – فاتحًا إيّاهما فقط، عندما أكونُ معكِ؟»

في العام 1917 كان توقيتُ ظهور السّل هوما أنهي العَلاقة التي استمرت خمس سنواتٍ ،لاحقًا أشار كافكا لسببٍ فيسيولوجيّ كذريعة عن السبب النفسيّ حيث قال:

أوه، يوجد سببٌ مؤسِفٌ ؛ مؤسف لعدمِ فعلِ ذلك س؛ سأختصر : صحّتي جيّدةٌ فقط ما يكفي لنفسي وحدها، ليست علي ما يُرامُ كِفايةً من أجل الزّواج. ناهيكِ عن الأبوّة ! حتي الآن عندما أقرأ خطابكِ؛ أشعر أني أستطيع أن أتغاضي عن ذلك، حتي ربّما عمّا لا يمكن إغفاله.

يستأنف دعوته التي يبدو أنه يوجّهها إلي نفسه لا إليها:

إنْ كنتُ أرسلتُ بالبريد خطابَ يوم السّبت؛ أُناشِدُكِ ألا تكتبي لي مجدّدًّا وأن أقطع أنا وعدًا مماثلاً. يا إلهي !ما الذي منعني من إرسال هذه الرّسالة.؟ كلُّ شيءٍ سيكونُ علي ما يُرام. ولكن، هل من حلٍّ سلميّ ممكنٍ الآن؟ هل سيكون ذا جدوي إن كاتَبَ أحدُنا الآخر مرّةً واحدً فقط أُسْبوعيّا؟

لا، لو كان لِمُعاناتي أن تُشْفى بمثْلِ تلكَ الوسائل ؛ فلن تكون جادّة. وبالفعل ؛ أتوقّع أني لن أكونَ قادرًا علي تحمّلِ رسائلِ الأحد. لذا ؛ لتعويضِ فرصة يوم الأحد الضّائعة؛ أُناشِدُكِ بما تبقّي لديكِ من قوّة من أجلي في نهاية هذا الخطاب.

ويختتم بنَفسٍ كافكاويّ :

إنْ كُنّا نقدّرُ حيواتنا؛ دعينا نهجرها تمامًا … مُكبّلٌ أنا بنفسي إلي الأبد؛ هذا هو أنا، وهذا ما يجب عليّ أن أحيا به.

2

فرانز كافكا

يبدو ذلك مفهوما بالطّبع لرجلٍ زاوج المتعة بالألم – خاصّة في تصريحه الشهير:

«لابد للكتاب أن يكون كالمعول للبحر المتجمّد بدواخلنا».

إنْ مرّ يومٌ دون ذِكرٍ من فيليس؛ كان يصرخ بها لإحباطها إيّاه، ثم يعود ويعتذر متذرّعًا في خطابه التّالي أن جعلها تشعرُ بالذّنب، كان دومًا يشكو من مرضه، صداعه، أرقِه وعصبيّته، ثم تتحوّل نبرته إلي نبرة المُحقِّقّ ليسألها عن العمل أوعن أشياء شخصيّة: «ماذا حدث بالضبط في بيتكِ يوم الأحد؟»، «ماذا ترتدين وأنتِ في المكتب؟».

عزيزتي فـــ

في خطابِكِ الأخير ( لكم مضي من الزمن وأنا جالسٌ بلا حراك مُنكبًّا فوق هذا الكلام متمنّيًا لوكنتِ هنا) هناك عبارةٌ واضحةٌ كفايةً بالنسبة لي من جميع الزّوايا. لم يحدث ذلك منذُ وقتٍ طويل – تتعلّق بالمخاوف التي تشعرين بها إزاء مقاسمتكِ الحياة معي. أنتِ لا تظُنين – أو لربما تتسائلين وحسب، أوربما فقط تريدين أن تسمعي آرائيَ عنها ؛ أنه لدي ستجدين الدّعم الحيويّ الذي بلا شكٍ تحتاجينه. لا شيءَ صراحةً أستطيع قوله حيالَ ذلك. من الممكن أيضًا أن أكون مرهقا الآن فقط. أُضطُررتُ أن أنتظر برقيَاتكِ حتي الخامسة مساءً. لماذا ؟ أضف إلي ذلك – خلافًا لوعدكِ – أضطُررتُ أن أنتظر طوال أربعٍ وعشرين ساعةً من أجل خطابكِ. لماذا ؟ وبعيدًا عن تَعَبي؛ سعيدٌ أنا للغاية بخصوص خطابكِ.

الوقتُ هو المساءُ متأخّرًا. لن أكون قادرًا أن أكتب معظم أحداث اليوم الهامّة. الإفادات الدقيقة التي تريدينها عني عزيزتي فــــ لستُ أستطيعُ إعطائكِ إيّاها. باستطاعتي أن أعطيكِها علي كل حال، فقط عند المشي بمحاذاةٍ خلفكِ في تايرجارْتين (مُتنزّهٌ عامٌ بألمانيا ) أنتِ علي وشكِ التّواري، وأنا علي وشك الجثوم بنفسي، فقط عندما أُذلَّ كجرو هكذا، أستطيعُ أن أفعل ذلك.عندما تطرحين هذا السؤال الآن أستطيعُ فقط أن أقول : أُحِبُّكِ فـــ، بأقصي حدود قواي، بهذا الصدد يمكنكِ أن تثقي بي تمامًا. لكن بالنسبة للباقي يا فـــــ، لا أعلم نفسي تمامًا. مفاجآتٌ وإحباطاتٌ عن نفسي تتبع إحداها الأخري بتسلسلٍ لانهايةَ له , ما أتمنّاه هوأن هذي المفاجآت والإحباطات أن تكون لي وحدي، سأستخدمُ كلَّ قوايَ لكي أراها لا شيء، إلا السّار؛ بل الأكثر سرورًا من المفاجآت عن طبيعتي التي ستستحوذ عليكِ، أضمنُ لكِ ذلك ؛ لكن، ما لا أستطيع ضمانه هو أن أنجح دومًا في ذلك.

كيف أضمنُ لكِ ذلك في ضوء الإرتباكِ المحيِّر في خطاباتي التي قد استلمتِها مني طوال هذا الوقت ؟لم نمكث معًا كثيرًا – وهذا صحيح – لكن ؛ حتي لوكنّا قد بقينا معًا بالقدر الكافي لكنتُ سأطلبُ إليكِ – بسبب تلك الـ «كنتُ سـ»؛ لذا قد صارت مستحيلة علي الفِعل – أن تُطلِقي حكْمَكِ عليّ من خلال خطاباتي وليس بخبرتكِ الشخصيّة. القوي الكامنة داخل رسائلي؛ كامنةٌ بالمثل فيّ.

علاوةً علي ذلك؛ أؤمن أن عدم نضوجي؛ تلك التقلّبات في طبيعتي التي ربما سارّةٌ، ربّما غيرُ سارّة، لا تحتاج أن تكون بأيّ حالٍ من الأحوال مصيريّة من أجل سعادتكِ المستقبليّة معي ؛ لستِ في حاجةٍ أن تتعرضي مباشرة لآثارها. لستِ اعتماديّةً علي الآخرين يا ف، لربُما تطمحين أو ربُما أنتِ بالتأكيد تنزعين أن تكوني إعتماديّة ؛ لكن أنتِ قليلاً ما ستستسلمين لذلك النوع من الرّغبة إلي أجلٍ غيرِ مسمّي. لن تستطيعي فِعلَ ذلك.

لدي تساؤلكِ الأخير. مع ذلك؛ إذا ما كان ممكنًا لي أن آخُذُكِ كما لو أنَّ شيئًا لم يكن؛ يمكنني أن أقول أن ذلك ليس مستحيلاً. لكن ما هو ممكنٌ لي – في الحقيقة هو ضروريّ – هو أن آخذكِ مهما حدث، وأن أتشبّث بكِ حدَّ الهذيان.

تحيّاتي،

المُخلِص

3

ميلينا

في عام 1920 التقي بميلينا ﭼـيسينسكا وبدآ علاقة دامت فترة، تبادلا رسائل عديدة، جُمِّعت في كتابه «رسائل إلي ميلينا» ( تُرجِمَ للعربية عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المِصريّة عام 1997)

كافكا مُشتاقًا

«أحيانًا يكون لديّ شعورٌ أننا في غرفة واحدة لها بابان متقابلان وكلٌ منَّا ممسكٌ بمقبض الباب. أحدنا ينقر (برمشة عين)، والآخر بالفعل خلف بابه. والآن، أول واحد قد فعل، إلا أن يصرّح في الحال بكلمة، فإن الثاني يغلق الباب خلفه ولن يعود يُستطاعُ أن يُري.

لا أستطيعُ التَّفكير في أي شيء لأكتبَ عنه؛ أنا فقط أتجوّل بين السطور، تحت نور عينيكِ، في إتساع فمكِ كمَثَلِ يومٍ سارٍّ، يبقي جميلاً وسارًا حتي لو أن الرأس مرهقة ومتعَبَة».

كافكا المُعذَّب

«أنا قّذِرٌ يا ميلينا، قذارةً لا نهايةَ لها ؛ هذا هو السّبب في أني أثير مثل هذه الضّجة عن الطّهارة. لا أحد يستطيع أن يشدو بالطّهارة كما في أعماق الجحيم. إنه التغنّي الذي ظنناه شدو الملائكة.

أتعلمين عزيزتي؟ عندما تكونين مع آخرين، من الممكن أن تنحدري تمامًا لمستويً أو اثنين، ولوتصيرين معي؛ ستقذفين بنفسكِ إلي الهاويَة.»

في تِبْيانٍ للأسباب التي قد عاش

الكتابة مكافأة عذبة رائعة، لكن مكافأة على ماذا؟ في الليل كان واضحًا لي أنها مكافأة على خدمة الشيطان. ربما توجد كتابة أخرى أيضًا، لكنني لا أعرف سوى هذه.

كانت الكِتابة – ومِن ثمّ النساء التي عشقهنّ- هي أحد أسباب وجوهر الوجود الذي قد عاش من أجله ؛ لولا ذلك لكان أنهي حياته بالانتحار لليأس من المرض، الدور الذي يلقي الضوء علي قدرة طاقة الحب علي وهب أسباب الحياة – مهما تصنّع رافضها السمو عنها – فالطبيعة البشرية لا يمكن التلاعب بها، وأخيرًا، رأينا السّواداويُّ كافكا.. عاشقًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد