محمد حسن خليفة 29
محمد حسن خليفة 29

782

ولد فرانز كافكا في براغ سنة 1883، الابن الأكبر لهرمان كافكا من الأصول اليهودية؛ أبٌ مستبدّ صاحب بنية جسدية مهولة، وأمّ «ضعيفة» أمام الأب، تُدعى يولي لوفي من أسرة عريقة وثرية ذات مستوى ثقافي رفيع؛ في تناقض تام بين الأب والأم يفوق كُل تصور.

طفولة بائسة حوّلت فرانز الطفل الصغير إلى شخصيّة منزوية خجولة، لا تقيم أي علاقة مع العالم المحيط بها، إلَّا في أوقات معينة، محبٌّ للكُتُب يجد فيها الخلاص من كل ما تعترك به نفسه، الدنيا تتلخّص فى المكتبة بالنسبة إليه.

أوّل صداقة وثيقة عقدها كافكا كانت مع أوسكار بولاك في مدرسة ثانوية ألمانية ببراغ، بعد تخرجه في كليّة الحقوق أراد كافكا أن يتجه للكتابة التي ملكت عقله وقلبه، وكان هذا بالشيء المستحيل بالنسبة لوالده، مما أدّى إلى تحوّله لأداء وظائف لا ترقى لطموحاته العظيمة في الكتابة. وقد عانى كافكا في تلك المرحلة من عمله في مكتب محاماة ثم في شركة تأمين، ومن الفشل الكبير في إقامة علاقة نسائية تصمد لمدة من الزمن.

ماكس برود الوصي على الإرث

مع نهاية العام الأول من الدراسة سنة 1905، التقى كافكا بزميل دراسته في القانون ماكس برود، والذي سيصبح فيما بعد الصديق المقرّب وكاتم الأسرار، والوصيّ على الإرث الأدبيّ. ماكس برود والشاعر الضرير أوسكار باوم، والكاتب فيليكس فلتش، بجانب كافكا، هؤلاء الأربعة كانوا بمثابة جماعة يلتقون بانتظام ويقرؤون كتابات بعضهم البعض.

Embed from Getty Images

ومن بين هؤلاء الأربعة، خرج فاشل وحيد في الأدب، إنه الصديق المقرّب ماكس برود، إذ إنّ محاولاته في الكتابة كانت تقليدية جدًا، ولا ترقى للقراءة بجانب ما يعرضه كافكا والآخرون على الجماعة الأدبية الصغيرة.

منذ اللحظة الأولى التي قرأ فيها ماكس محاولات كافكا الكتابية، فهم جيدًا أن صديقه في المستقبل سوف يصبح ذا شأن في عالم الأدب، وكان عليه أن يبقى الصديق المقرب المخلص والتابع. وماكس هو تشيكي يهودي ولد سنة 1884، ما إن تذكره في موضع ما حتى تذكر كافكا على الفور.

سنة 1906، حصل كافكا على درجة الدكتوراة في الحقوق، وأمضى بعدها تدريبًا إجباريًّا فى المحاكم دون الحصول على أي راتب. بعدها بعامين عمل في شركة تأمين على حوادث العمال، مما ألهمه كثيرًا في الكتابة، حتى نشر لأول مرّة ثماني مقطوعات في مجلة. عملُ كافكا كان يقتصر على تقدير تعويضات العمال المصابين، ممّا جعل اليأس والكآبة يلاحقانه أينما كان، حتى في العمل.

كتب ماكس برود فيما بعد أن كافكا أعلمه ذات مرَّة دهشًا: «ما أشد تواضع هؤلاء الناس! إنهم يأتون ويتوسلون. بدلاً من اقتحام المؤسسة وتحطيم كل شيء، يأتون ويتوسلون!».

أحبها العقاد والرافعي وطه حسين.. مي زيادة أسطورة الأدب والحب في القرن العشرين

عالم كافكا الروائي.. مخيلة كابوسية

لا يمكن أن نتصور عالم كافكا الأدبي إلَّا كابوسًا لا ينتهي، حين نخجل من أجسادنا، داوفعنا الجنسية، ونشعر دائمًا أن من الأفضل أن نُقتل أو نغادر هذه الدنيا، أو نتحول إلى حشرة مزعجة ومثيرة للاشمئزاز يجب التخلص منها عن طريق الدعس، فتأكد أننا ندور في عالم كافكا.

ارتبطت غالبية حياة كافكا القصيرة بالإحباط والكآبة والبؤس، والذنب الذاتي دائمًا ما يحول الحياة إلى عقاب دائم، وهذا ما كان يشعر به كافكا في كثير من الأوقات، ليس فقط من الحياة الحقيقية بل وفي قصصه المكتوبة التي بشكل أو بآخر تعبر عنه.

كافكا استطاع بعبقرية نادرة أن يربط حياته الشخصية بأدبه المتخيل، وهذا يجعله يفسد حياته، حتى صارت كلمة «كافكاوية» كلمة تدلّ على الغموض. أدب كافكا لم يكن إلَّا وصفًا لرؤيته الخاصة لحالة مجتمع مشوّش يعيش في حالة ما وراء الواقع، وشعوره الدائم بالخطر الوشيك وبالتوتر والقلق حياله، وإحساسه الدائم بالاغتراب، بل في أحيان بالتيه.

في عدد كبير من قصص كافكا، سواء كانت الطويلة أو القصيرة منها، نجد البطل يتعرض للعقاب طوال الرواية ولا يوجد تفسير لهذا. لكن ما وصل إليه كافكا في الكتابة لم يكن وليد لحظة، بل كان نتاج قراءات متشعّبة ومتنوّعة في الكثير من المجالات والمدارس الفكريّة، فقد قرأ كلًا من سبينوزا وداروين ونيتشه، وعددًا كبيرًا من الشعراء الألمان مثل: غوته وكلايست، وغريلبرتسر، شتيفتر. لقد أحب كافكا الشاعر الألماني جوته كثيرًا، وبعدها قرأ ديستوفسكي وتولستوي وستندال، وبايرون وفلوبير وماس مان وهيرمان هيسه. ورؤيته للمجتمع ونظرته لنفسه كان لها أثر كبير على كتّاب كثيرين وعلى أجيال من الكتاب والقراء أيضًا، وعلى الأدب بشكل عام.

حين سُئل البروفيسور جيرمي أدلر المتخصص في أدب كافكا عن سر هذه الجاذبية في كافكا وأعماله، أجاب: كان قادرًا على جعل ما هو شخصي  يبدو كونيًا، مثلًا لو أراد أن يصف موظّفًا ما أو شخصًا تائهًا، كان بمقدوره أن يُشبع تلك الصورة بشخصه هو، بأسلوب يجعل أي شخص في العالم يرى نفسه فيها، وهذا هو سرّ جاذبيته وإقبال هذا العدد المهول من القراء عليه.

كافكا لديه تلك الشخصيات الخيالية في قصصه ورواياته القادرة على مرافقتك طوال العمر، وعدم التخلي عنك، في محنة أو فرحة، أكثرهم: الخنفساء «غريغور سامسا» في رواية التحول.

غابريال غارسيا ماركيز أحد رواد الواقعية السحرية، والتي كثيرًا ما تبدأ من عنده حين يتم تأريخها، أخذ من كافكا الشخصيات الخيالية وقام بتطويرها في كتاباته. وحين قرأ ماركيز رواية «التحوّل» لكافكا قال: «لقد بيّنت لي أنني يمكن أن أكتب بطريقة مختلفة».

ووفقًا لمفهوم ماركيز عن الواقعية السحرية، فهذا يعطينا الحق في أن ندعو كافكا بـ«مبشّر» هذا النوع من الأدب، وقد حقق هذا من خلال النمط البصري بالفعل، إذ كان عالي الوضوح والدقة إلى الحد الحيّ والملموس، والرؤية والوصف لديه كان أكثر ديمومة وقابلة للتكيف، وذلك بسبب أسلوبه المجرّد.

كافكا والأدب الصهيوني

الحركة الصهيونية قاتلت بسلاح الأدب قتالًا يوازي قتالها بالسلاح السياسي، وقد استخدمت الأدب الصهيوني من أجل مصلحتها وخدمتها على نطاق واسع، ليس فقط في حملاتها الدعائية، ولكن أيضًا لخدمة حملاتها السياسية والعسكرية.

ولا شكّ أنّ الصهيونية الأدبية سبقت ظهور الصهيونية السياسية، فـ«الأدب الصهيوني» هو مصطلح استخدم للتعبير عن الأدب الذي كُتب ليخدم حركة استعمار اليهود لفلسطين، سواء كان كاتبوه يهودًا أو كتّابًا متعاطفين عن طريق مباشر أو غير مباشر، أيضًا سواء كان مكتوبًا بلغة عبرية أو غير عبرية.

ينظر الإسرائيليون بشكل عام إلى كافكا وأدبه باعتباره ملكًا لهم، ومُخلصًا للصهيونية وأدبها، والسبب في ذيوع وانتشار هذا الادعاء بأن كافكا صهيوني هو وأدبه، يرجع إلى ماكس برود، صديقه المقرّب.

فماكس برود هو من سوّق كافكا على هذا النحو، وأراد أن يراه العالم هكذا، طمعًا في خدمة الحركة الصهيونية.

منذ سنوات قامت محكمة الأسرة في تل أبيب بإطلاق حكم يقضي بنقل إرث كافكا الأدبي وصديقه ماكس برود إلى المكتبة الوطنية الإسرائيلية، والسبب الذي أعلنته المحكمة هو أنها تودّ بفعلها هذا تحقيق أمنية برود بنشر كتابات كافكا في إسرائيل، ونقلها للعبرية لكل محبّيه هناك.

وترجع تفاصيل هذا القرار الإسرائيلي بشأن أعمال كافكا إلى إستر هوف، سكرتيرة ماكس برود التي ترك لها بعد وفاته في إسرائيل عام 1968 أعمالًا غير منشورة لفرانز كافكا، بجانب عدد كبير من الرسائل والمخطوطات، التي أودعت جُزءًا منها في بنوك سويسرا ورفضت أن يطلع عليها أحد.

وتعتبر إيفا هوف هي وريثة إستر هوف، وبالتالي وريثة لأعمال كافكا غير المنشورة التي احتفظت بها إستر، وتعيش إيفا حاليًّا في إسرائيل في شقة مع أعمال كافكا المجهولة وأوراقه ورسائله، ممّا دعى المحكمة أن تصدر قرارها بنقل هذه الأعمال والأوراق إلى المكتبة الوطنية الإسرائيلية، حفاظًا عليها وخوفًا من وقوعها في أيدٍ عابثة.

ويرى مراقبون أن هذا السبب ليس منطقيًّا، إذ أنه لو كانت هذه الأعمال تؤيّد الصهيونية كما تروّج الدعاية الاسرائيلية، وتؤكد على صهيونية كافكا وأدبه، فلماذا الحرص الشديد على إخفائها وعدم عرضها للجمهور؟

كيف تعزينا الفلسفة بشأن انكسارات قلوبنا؟ مؤاساة شوبنهاور للعشاق

القديس المزيّف

ما أطلقه ماكس برود وآخرون أن كافكا كان أحد المؤيّدين لمشروع الوطن اليهودي في فلسطين لا يبدو منطقيًا بالمرَّة، فكافكا عبارة عن شخصية منطوية على نفسها، خجولة، لا تبدي أي اهتمام نهائي بالشأن السياسي، وهذا ما أكّده الناقد السوري الدكتور عبده عبود، أحد المختصين في الأدب الألماني؛ إذ صرّح بأن كافكا لم يكن أديبًا سياسيًا بالمعنى المألوف للكلمة، ولم تكن له آراء سياسية يمكن اعتبارها مقياسًا لتقييم أدبه أو مفتاحًا لفهم ذلك الأدب.

وصحيح أن النازية نظرت إلى كافكا باعتباره فنانًا منحطًا لا توصي بقراءة أعماله، بل ذهبت حدّ حرق كتبه، لكن هذا لا يعني أنه صهيوني. السؤال الأهم هنا، لماذا فعل ماكس برود هذا القديس المزيف -حسب توصيف كونديرا- بصديقه المقرب والمؤتمن على أسراره كل هذا؟

الإجابة التي لا غلو فيها أن ماكس برود نفسه كان صهيونيًا، يدعم مشروع إقامة وطن لليهود في فلسطين، كما أنه كان أديبًا فاشلًا وبشهادة الكثير من أدباء جيله، حتى أنّه جرب فعل أشياء كثيرة ولم يفلح، فاتخذ من كافكا بوابة له للشهرة.

من ناحية، فما فعله ماكس برود بصديقه والمحاولة المستميتة بإلصاق هذا الادعاء بكافكا رفضه الكثير من الأدباء والباحثين، سواء في ألمانيا أو التشيك أو العالم بصفة أعم، ومن ناحية أخرى يصدق البعض هذا الادعاء. من أبرز أمثلة هؤلاء الكتاب المدافعين عن كافكا ورافضي هذا الادعاء، الكاتب التشيكي العالمي ميلان كونديرا، الذي جمع الكثير من الأدلة والبراهين على كذب هذا الادعاء الذي أطلقه ماكس برود، وأن كافكا لم يكن صهيونيًا وذلك في كتابه «خيانة الوصايا»، قام بفرد فصل كامل معنون بـ«تشويه كافكا».

عدم معرفة الكثير بكافكا وشهرته المحدودة جدًا في ذلك الوقت – إذ لم يكن يُقرأ حينها إلَّا من النخبة المثقفة في ألمانيا والتشيك- ساعد ماكس برود أن يكون هو المصدر الوحيد له، وأن يؤخذ كل شيء له علاقة بكافكا منه، وهذا ما ساعد بدوره أن يروّج ما يشاء، دون أن يعترضه أحد.

وصية كافكا

زعم ماكس برود أن كافكا أوصاه بحرق جميع كتبه، إلَّا أن الأخير رفض أن يحرق مؤلفات كافكا زاعمًا أن هذا يمنع وصول إبداع كافكا للعالم، ويؤثر فيه. يقول كونديرا معلقًا على موضوع وصيّة كافكا لماكس برود: هل كان كافكا عاجزًا عن حرق مؤلفاته بنفسه؟ كل الوثائق والرسائل والشهادات التي ظهرت أخيرًا تقول أن كافكا، وفي وصية خطيّة، طلب حرق بعض الأعمال التي لم يكن واثقًا منها، واستثنى من ذلك جميع الروايات الكبرى، لكن ماكس يردّد أنّه قال لكافكا وجهًا لوجه أنه لن ينفّذ هذه الوصية، وهذا الموقف دون شاهد عليه.

كونديرا وصف ماكس بالحقارة وبـ«القديس المزيف»، إذ إن ماكس عمل طوال حياته على إظهار كافكا باعتباره صهيونيًّا وقديسًا، وواصفًا نفسه بالصديق الوفي والقديس الذي رفض حرق أعماله طمعًا أن يقرأها العالم كله.

الكاتب العراقي علاء اللامي يقول في كتابه الذي يحمل عنوان «كافكا الآخر..أدب كافكا يدحض اتهامه بموالاة الصهيونية» والذي يقع في 176 صفحة: «ففلسطين لم تكن هدفًا لكافكا، قد يكون لها أهمية وموقع من نفسه لكنه لم يفكّر أن تكون وطنًا له، والموضوع لا يعدو أكثر من توظيف من قبل ماكس برود خدمة لمسيرة الحركة الصهيونية، ولأن أعمال كافكا كلها بين يدي برود، وكافكا في عالم الأموات كانت حرية التلاعب بالنصوص سهلة، وذات قيمة مادية كبيرة في كثير من الأحيان».

وقد انقسم الكتاب والباحثون العرب إلى معسكرين: معسكر يرى أن كافكا داعم للصهيونية وهم: كاظم سعد الدين، وسعدي يوسف، وسعيد الحكيم، وفيصل دراج، وأنور العتاني والدكتور محمد موعد؛ أما المعسكر الآخر المؤيد لكافكا كان من بينهم: د.بديعة أمين، والروائي واسينى الأعرج، والدكتور عبده عبود.

دي بوفوار وسارتر والقصة الأخيرة.. كل هذا الحب؟ كل هذه الأسرار؟