ميرفت عوف 6
ميرفت عوف 6

955

صوب معبر العيس جنوبي حلب توجهت أنظار أم سورية تخفي وجهها بلحاف أسود، تنتظر مع جمع من الأمهات أن يصل – عبر نقطة التبادل تلك – أبناؤهن أحياءً بعد سنوات من الاعتقال في سجون النظام السوري؛ فقد قيل لها إن اتفاقًا مع النظام سيسمح بخروج مئات المعتقلين، لكنها كانت مع الغالبية التي خابت آمالها، فلم تجد فلذة كبدها بين من أطلق سراحهم، وقد كان هؤلاء موزعين بين معتقلين لم يمض على اعتقالهم سوى بضعة أشهر للتشتابه بين أسمائهم وبين أسماء سجناء جنائيين.

لم تدرك هذه الأم فحوى الشعارات التي رفعت وسط مدينة إدلب، عند جامع شعيب تحديدًا، تندد بموقف قادة «هيئة تحرير الشام» التي أبرمت هذا الاتفاق، كشعار «جولاني ولاك.. ما بدنا ياك»، و«يلعن روحك جولاني»، لكنها أدركت أنها سوف تستمر بالعيش بين خيارات مقتل ابنها تحت التعذيب، أو البقاء في «جحيم» سجون الأسد، هذا مشهد إنساني في توابع اتفاق إجلاء بلديتي الفوعة وكفريا الشيعيتين، وهو الاتفاق الذي يحمل الكثير من المشاهد السياسية والعسكرية التي يقرأها التقرير التالي.

سكان كفريا والفوعة إلى حضن النظام السوري

مع فجر التاسع عشر من يوليو (تموز) الحالي أصبحت بلدتا كفريا والفوعة الشيعيتان في الريف الشمالي الشرقي لإدلب، خاليتين من سكانهما، ومن جميع الجماعات المسلحة الموالية للنظام السوري، وذلك بناء على اتفاق بين «هيئة تحرير الشام»، التي تمسك زمام بأمور السياسة في إدلب، وبين الميليشيات الإيرانية، وبرعاية روسية وتركية.

معتقل يدعى محمد حسين سليمان أفرج عنه النظام بعد اعتقال خمسة شهور (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

هذا الاتفاق الذي تم خلال فترة قصيرة جدًا، اعتبر استكمالًا لاتفاق «المدن الأربع» المبرم سابقًا لإجلاء سكان كفريا والفوعة بإدلب مقابل إخلاء سكان مضايا والزبداني بريف دمشق، كما يدرج المحللون إنهاء ملف البلدتين في سياق مساعي اللاعبين الدوليين لحسم ملف الحل السياسي السوري.

وفي بنود الاتفاق أن يتم إخلاء سكان البلدتين مقابل الإفراج عن أكثر من 1500 مدني وسجين من مقاتلي المعارضة اعتقلهم النظام أو «حزب الله»، وبالتزامن مع وصول هؤلاء المعتقلين إلى إدلب نقلت نحو 100 حافلة السكان والمقاتلين من الفوعة وكفريا إلى مناطق النظام، حيث بدأ الترحيل بسيارات إسعاف تنقل المرضى إلى نقطة تفتيش حكومية تابعة للنظام السوري.

وتعود قضية البلدتين إلى وقت حصارهما في العام 2015، عندما تمكنت المعارضة السورية من دحر قوات النظام من إدلب، ثم قطعت الطريق الواصل للفوعة وكفريا، وكان النظام السوري قد تمكن من تحصين البلدتين بقوة، وجعلها نقطة تمركز لعدد كبير من الأسلحة والمقاتلين، وانضوى المقاتلون فيها ضمن ما يسمى بـ«لجان الدفاع الوطني» التابعة للنظام.

وبينما فشلت الهجمات التي خاضها النظام وحلفاؤه لفك الحصار عن البلدتين، كانت تظهر صور الجوع للمحاصرين وهم يقتاتون أوراق النباتات وبقايا الطعام المتعفن، وشبه ذلك بالتكتيك الذي استخدمه النظام وحلفاؤه في حصار مناطق المعارضة، كبلدتي مضايا والزبداني في ريف دمشق، إلا أن ما يميز حصار البلدتين أن حزب الله والإيرانيين تمكنوا من رمي أكياس الطعام للمحاصرين من خلال طائرات نفاثة؛ الأمر الذي لم يكن متاحًا للمناطق المعارضة.

الاتفاق بعيون الهيئة والمعارضة.. وزر أم مكسب؟

لم يكن هذا الاتفاق الأول لإجلاء بعض سكان الفوعة وكفريا؛ إذ خرجت أول دفعة من سكان البلدتين في أبريل (نيسان) 2017 عندما تم التوصل إلى «اتفاق المدن الأربع» وهي: كفريا والفوعة من جهة، ومضايا والزبداني من جهة أخرى.

لكن ما يؤخذ على هذا الاتفاق أنه اقتصر فقط على مشاركة «هيئة تحرير الشام»، بعيدًا من الفصائل العسكرية الأخرى للمعارضة السورية؛ لذلك أثار الاتفاق الكثير من الانتقادات بين المعارضين، ليس فقط لعدم جَدْواه العسكرية، أو لفشله في تحرير معتقلين قدامي، لكن أيضًا لفقدانه الشفافية، وغموضه أمام الحاضنة الشعبية.

يافطة تشير إلى اتجاه البلدتين في إدلب (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

وينقل موقع «المدن» اللبناني عن مصدر عسكري معارض قوله: إن «معارضين اتهموها (الهيئة) ببيع أهم ورقة متبقية للمعارضة في الشمال السوري مقابل المال، وأن كفريا والفوعة هي بنود من اتفاق أستانة»، حيث يأخذ أولئك المعارضون على الهيئة أنها تطبق مقررات أستانة، وهي التي حرّمت التعامل بها، وكفّرت من حضر المؤتمر، كما يعيب المنتقدون على الهيئة «أنها لم تستطع إلزام مليشيات النظام في البلدتين بتسليم سلاحهم، والذي أحرق بشكل كامل قبل يومين. كما أن عدد الأسرى الذين تحدثت عنهم الهيئة 1500، لم يكن وفق قوائم طلبتها المعارضة أصلًا، إنما قوائم اختارها النظام؛ ما يعني أن من بين المعتقلين المفترض تحريرهم، من تم اعتقالهم قبل فترة قصيرة لهذه الغاية»، حسب تقرير المدن.

ورفضت الهيئة هذه الانتقادات، ودافعت عن قرارها بأنه مكن من التخلص من عبءٍ ثقيلٍ كان من الممكن أن يتحول في أية لحظة لورقةٍ ضدَّهم، وأكدت  أن الاتفاق «يأتي استجابة للمطالب المتواصلة من الفعاليات المدنية، والمكونات العسكرية في مدينة إدلب وريفها، لحل الملف سلميًا أو عسكريًا»، وكذلك «الاتفاق عبارة عن خطة دفاعية لمحافظة إدلب، وإبعاد خطر كفريا والفوعة هو أول خطوة من الخطة العسكرية الدفاعية»، كما قال المسؤول الإعلامي في الهيئة، عماد الدين مجاهد.

من جانبه يؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي العميد أحمد رحال أنّ «اتفاق الفوعة وكفريا الأخير عبارة عن رسالة من نظام الأسد وإيران لأهالي البلدتين والميليشيات المتواجدة فيهما، وفحوى هذه الرسالة أننا لم نعد قادرين على فك الحصار عنكم عبر العمل العسكري؛ بسبب الاتفاق الروسي التركي والتفاهمات بينهما من خلال اجتماعات أستانة».

 ويتابع رحال القول لـ«أورينت نت»: «اتفاق الفوعة وكفريا سلاح ذو حدّين، الإيجابي منه هو استكمال الوصاية التركية لإدلب، ووقف أي عمل عسكري عليها، وبالتالي تكون إدلب (كانتون) المعارضة في سوريا تحت إشراف ووصاية تركية، حسب التفاهمات الدولية بين روسيا وتركيا».

إيران تحمل سكان الفوعة وكفريا إلى «المناطق الشيعية»

قبل الثورة السورية كان عدد سكان الفوعة وكفريا يقترب من 50 ألف نسمة، وفيما بعد تراجعت أعدادهم بسبب الصراع العسكري والحصار على البلدتين إلى أقل من 20 ألفًا من المدنيين والعسكرين، ومثل هؤلاء سند كبير للنظام منذ بداية الحراك الثوري في إدلب.

وقد نجح النظام في تحويل البلدتين إلى نقطة تجمع وانطلاق لمئات المقاتلين من الميليشيات الشيعية التي تساند قوات النظام في قتال المعارضة واستهداف المدنيين، فأصبحتا خزانًا للميليشيات الطائفية، ومركزًا لعملياتها، ورأس حربة في العمليات الأمنية والعسكرية التي جرت ضد بلدات المحافظة، ويعمل رجالها في ميليشيات أبرزها: ميليشيا حزب الله ، ولواء أبي الفضل العباس، والحرس الثوري الإيراني، وذلك ضمن مجموعات يبلغ تعداد كلٍّ منها 300 عنصر.

كما أن غالبية أهالي البلدتين تم تدريبهم، وحملوا السلاح في الفترة الأخيرة، ويوجد في بلدة الفوعة خمس مجموعات، وكفريا ثلاث مجموعات، ويشرف على تدريبهم ما يقرب من 500 مقاتل أجنبي من إيران، وأفغانستان، والعراق، ولبنان، ويمتلك هؤلاء أسلحة حديثة ومتطورة.

وبعد إجلاء هؤلاء يرجح أن يتم إعادة توطينهم في مناطق كان قد جرى تهجير أهلها السنة في سياق اتفاقيات طائفية سابقة أبرمتها إيران مع المعارضة؛ وهو ما يعني أن الاتفاق كان ضمن سياسة تكريس البعد الطائفي الذي ترعاه إيران في الأراضي السورية.

يقول الكاتب والمعارض السوريّ محمد دركوشي: «إنهاء ملف الفوعة وكفريا الشيعيّتين يأتي ضمن استراتيجية إيرانية تتجلّى بتهجير السنّة الرافضين لحكم آل الأسد إلى منطقة واحدة، وإبعادهم عن محيط العاصمة دمشق، ثم تشويه صورتهم ووصمهم بالإرهاب تمهيدًا لشنّ عملية عسكرية تودي بحياة الآلاف، وهذا ما فعلته وتفعله بالعراق».

خلال عملية الاجلاء (المصدر : فرانس برس)

ويتابع القول لـ«أورينت نت»: «هذه الإستراتيجية الإيرانية تصطدم في هذه المرحلة بالرؤية الروسية التي لا تُريد إغضاب الحليف التركي على المدى القريب بإقامة كانتون سنّي في الشمال السوري أشبه بقطاع غزّة الفلسطيني، لحين نضوج الحل السياسي، والذي سيكون وفق مصالح الدول المؤثرة بالشأن السوري، وليس وفق تطلّعات الشعب السوري الثائر»، وأضاف: «هذا الاتفاق سيجعل من إدلب غزة ثانية، بينما يتم تأجيل حسم المواجهة إلى أجل غير مسمى، وليس ببعيد، والذي غالبًا سيكون لمؤتمر أستانة القادم دوره الكبير في تقرير مصير إدلب، وتمرير ما يرغب فيه الروسي المُفوّض أمريكيًا وعربيًا».

إدلب وفقدان ورقة الضغط

«لو كان يعرف إرهابيو إدلب، وعلى رأسهم المحيسني، ما الذي ينتظرهم في قادم الأيام، لتمسكوا وتوسلوا بأهل الفوعة وكفريا كي يبقوا في منازلهم»، خرج بهذه التغريدة الإعلامي اللبناني الموالي للنظام السوري، حسين مرتضى، مهددًا كعادته بتبعيات عسكرية سلبية لاتفاق أهالي كفريا والفوعة.

ويقصد مرتضى على وجه التحديد – كما يرى المراقبون – احتمال هجوم النظام على معقل المعارضة (إدلب)، فما نجم عن اخلاء البلدتين الشيعيتين هو بمثابة سحب لورقة ضغط ثمينة كانت تمتلكها المعارضة، وكانت تحول دون شن عملية عسكرية على المحافظة حماية لتلك البلدتين، ويرى بعض المحللين أن النظام قد ينفذ تهديداته بالهجوم على إدلب بعد إتمام سيطرته وحلفائه على جنوب غربي سوريا إثر السيطرة على محافظة درعا الحدودية مع الأردن، وكذلك بعد إنهائه ملف شرق الفرات والوحدات الكردية.

على النقيض هناك من يرى أن أمر مهاجمة إدلب غير وراد بالرغم من أهمية التيقظ من وقوع ذلك، ويبرر هؤلاء ذلك بأن الأوضاع في المحافظة مختلفة، حيث يوجد بها قرابة 100 ألف مقاتل، وطرقات الإمداد فيها مفتوحة، وتنتشر فيها 12 نقطة مراقبة تركية في محيط الشمال السوري، كما يعتقد هؤلاء بأن خروج شيعة الفوعة وكفريا سيقلل من الضغط الإيراني على النظام الذي كان يحرض على شن هجوم على إدلب لتحرير هؤلاء المحاصرين أسوة بما حدث في معارك سابقة.

كذلك يُرى من بعض المحللين أنه بخروج مقاتلي البلدتين يكون النظام قد فقد كتلة مقاتلة عقائدية، كان سيستفيد منها في حال قرر الهجوم على إدلب، حيث قام هؤلاء قبل تنفيذ الاتفاق بإحراق كم من الأسلحة ومستودعات الذخائر التي كانت بحوزتهم حتى لا تترك للمعارضة، ويعتقد بعض المحللين أن الاتفاق جاء استكمالًا للجهود التركية الساعية لمنع أي هجوم على إدلب؛ فوجود الجيش التركي بإدلب يؤكد عدم اقتراب النظام منها أو قصفها؛ منعًا للصدام مع الجيش التركي.