كاليننيجراد، مدينة روسية عسكرية، لكنّها تبعد من العاصمة الروسية موسكو ما يُقارب 20 ساعة بالقطار السريع. السر وراء المدة الطويلة تلك أنها تقع في قلب أوروبا. أقرب إلى برلين وبراج منها إلى موسكو. مدينة يتعاقب عليها الزمن لكنّها متجمدة في عصر الحرب الباردة. صورة ستالين ما تزال على حوائط أغلب بيوتها، وفي موانئها تجد غواصات روسية قديمة طافية. وفي قلب ترابها تجد الفيلسوف الألماني الشهير إيمانويل كَانت. الرجل الذي لم يكن يتخيّل أبدًا أنّه سيُدفن في الأراضي الروسية.

ما يربطها بالزمن الحديث والتكنولوجيا المتطورة هو نشر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صواريخ باليستية حديثة بها، يمكنّها أن تفتك بالعاصمة الألمانية برلين. كالينينجراد هي خنجر روسيا في خاصرة دول حلف شمال الأطلسي. ميناؤها هو الوحيد في أوروبا الذي لا تتجمد مياهه، ويظل صالحًا للعمل طوال العام. لكنّه أيضًا يضم قاعدتين جويتين، وعددًا كبيرًا من الصواريخ الباليستية.

هكذا يسعى بوتين إلى استعادة «الأمجاد» الروسية عبر البوابة الأفريقية

المدينة كان تُدعى قبل ذلك بـ«كينجسبيرج»، وتتبع بروسيا الشرقية. ظلت كذلك حتى نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة ألمانيا النازية من قبل الاتحاد السوفيتي. في تلك الحرب دُمرت المدينة تدميرًا شبه كامل وقُتل غالب سكانها وضمها الاتحاد السوفيتي. لذا فهي حاليًا تُدعى كالينينجراد نسبةً إلى الزعيم السياسي السوفيتي ميخائيل إيفانوفيتش كالينين. أبرز مساعدي ستالين، مرتكب العديد من المجازر.  ويُعد تمثال كالينين من أبرز معالم المدينة حاليًا. يسكنها 43 ألف مواطن، ينقسمون إلى جنسيات متعددة كالآتي: يمثل الروسيون 88%، بجانب أقلية من البيلاروسيين والأوكرانيين لا تتجاوز 15% مجتمعين.

لم يهتم الروس بإعادة بنائها أو إعمارها. بل أبقوا عليها كما هي مع بناء بعض المجمعات السكنية الشاهقة، والطرق الواسعة. تلك الطرق هي متنفس سكانها الوحيد، إذ لا يملكون مالًا يكفي لشراء تذكرة سفر للدول المجاورة لهم، مثل ليتوانيا وبولندا. ولا يرى أهلها عددًا كبيرًا من السياح، رغم عمارة المدينة القديمة، إذ يحتاج السياح لزيارتها الحصول على تأشيرة روسية كاملة. ما يعني صعوبات وعراقيل كبيرة في دخول البلاد، وصعوبات أكثر في التنقل داخلها، أو الحصول على رحلة سياحيّة مُرفهة داخلها.

لكن فجأةً تجمّلت المدينة وصارت صالحةً لاستضافة أربع مباريات ضمن بطولة كأس العالم الماضية 2018. تحديثات في شبكة الطرق والشوارع تكلفت مبالغ ضخمة، رفضت الجهات الروسية الإفصاح عن مقدارها. لكن البنى التحتية للمدينة لم يطلها التطوير، بل اقتصرت تلك التحسينات على المناطق المحيطة باستادات كرة القدم فحسب.

كالينينجراد.. المدينة الحائرة

تخضع المدينة وسكانها للدستور الروسي. يدين غالب أهلها بالولاء لشخص بوتين، لكن لا تخلو من المعارضة لسياسات بوتين. لكن حتى هؤلاء يرون أنفسهم روسًا يعارضون رئيسًا روسيًّا ولا شأن لأوروبا بهم. المفاجأة أن معارضة بوتين لا تعني بالضرورة رفض سياساته القمعية أو العدائية مع الغرب، بل يريدونه أن يكون أقوى. فبعض السكان وقادة الأحزاب يريدون أن ينشر بوتين ثلاثة أضعاف الصواريخ الموجودة حاليًا في كالينينجراد؛ ليرتدع الغرب عن مجرد التفكير في الاقتراب منها.

أما المعارضة الحقيقية الرافضة لبوتين وسياساته، فحالها كحال كل مدينة تصلها يد بوتين. القمع والإرهاب للمعارضة، فمن يتجرأ من السياسيين أو السكان على رفض الحرب على أوكرانيا يُعتقل فورًا. عدم ظهور الصوت المعارض داخل المدينة يرجع إلى سوء الأحوال المعيشية، وانشغال معظم السكان بالبقاء على قيد الحياة.

سكان المدينة يعانون من صعوبة من الاتصال مع بقية الأراضي الروسية. كما يشتكون من التضييق الاقتصادي المفروض عليهم من دول شمال الأطلسي المجاورة لهم. خاصةً بعد العقوبات الغربية على روسيا. بجانب الحرب الاقتصادية تشهد حدود كالينينجراد حربًا للتصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وروسيا.

فالمدينة تتشارك الحدود مع بولندا، والولايات المتحدة زادت بشكل غير مسبوق وجودها العسكري في بولندا. كما تحدثت عن إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية متكاملة. إضافةً لنشر درع صاروخي على أراضي بولندا. روسيا من جهتها لم تصمت، أسطول بحري من أقوى الأساطيل الروسية يرسو في بحر البطليق الذي تطل عليه كالينينجراد. يتألف الأسطول من 60 آلية حربية متعددة المهام القتالية.

لم تكتف روسيا بالأسطول، بل نشرت عليها أعتى منظومات الدفاع الصاروخي التي تمتلكها روسيا. على رأسهم «إس400» للدفاع الجوي، ومنظومة «إسكندر» للدفاع أرض- أرض التي يبلغ مداها 480 كيلو مترًا. يُتوج ذلك كله تعزيزات عسكرية على هيئة دبابات ومقاتلات حربية وراجمات صواريخ. كما تتواتر الأقوال عن وصول أسلحة ذات قدرات نووية في بدايات عام 2019.

إضافةً إلى أن صواريخ إسكندر قادرة في الأصل على حمل رؤوس نووية. تحوم الطائرات الروسية «كي آ- 27» المضادة للغواصات حول ميناء المدينة باستمرار. ووضعت روسيا رادرات ساحيلة مرتبطة بصواريخ «كي- 300 بي» المضادة للسفن، أيضًا.

خطة «الناتو» لتدمير كالينينجراد

خط الدفاع الإضافي هو الدعاية. وهو الدفاع الذي تجيده روسيا بوتين بقوة؛ فقد أعلن بوتين أن المقاطعة محمية للغاية من أي محاولة للهجوم الأمريكي. وأضافت وزارة الدفاع الروسية أن كل طياريّ الناتو الذين يقتربون من المقاطعة يعلمون جيدًا قدرة منظومات الدفاع الجوي الروسي في كالينينجراد.

Embed from Getty Images

الرئيس بوتين خلال زيارة لكالينينجراد في أكتوبر (تشرين الأول) 2019

الجنرال جيف هاريجان، قائد القوات الجوية الأمريكية في أوروبا، أعلن في مؤتمر صحفي أن وزارة الدفاع الأمريكية لديها خطة لتدمير دفاعات كالينينجراد إذا اضطُرت لذلك. لم يُفصح عن كُنه الخطة، واصفًا إياها بالسرية للغاية. لكنّه استطرد قائلًا بأنها ستدور على عدة محاور، وتضرب عدة أهداف في وقت واحد، ما يضمن للقوات الأمريكية أن تخترق الدفاعات الروسية لتنفيذ ما تريده في كالينينجراد.

لكن لا يصعب استقراء كيف سيكون الهجوم الأمريكي من كلمة هاريجان: «عدة محاور»؛ إذ سيكون هجومًا إلكترونيًّا للتشويش على الرادارت، يتزامن معه هجوم بصواريخ كروز طويلة المدى من السفن والغواصات الأمريكية. ما يعطي أفضلية للمقاتلات الشبحية أن تخترق الدفاعات الروسية لإسقاط قاذفات الصواريخ وأنظمة التوجيه.

تلك الخطة حدث جانب منها في مارس (آذار) 2019. إذ نُفذ تدريب أمريكي على مهاجمة كالينينجراد بصواريخ الكروز. كان الإطلاق جزءًا من محاولة كبرى لنشر فرع الطيران الأمريكي خمس قاذفات من طراز «بي- 52» من قاعدة باركسديل الجوية في لويزيانا إلى المملكة المتحدة.

المعضلة في خطة هاريجان أو أي خطة أوروبية أو أمريكية لمهاجمة كالينينجراد ليس كيفية تدمير المدينة، بل ما بعد التدمير. فيمكن للناتو القضاء على دفاعات المدينة، لكن حينها ستصبح أوروبا بأكملها تحت مرمى النيران الروسية. فروسيا تمتلك من العناد والعتاد ما يمكِّنها من دخول كالينينجراد مرةً أخرى وإحكام السيطرة عليها، ثم معاقبة «الناتو». إذ إن روسيا تمتلك نفوذًا عسكريًّا في أوكرانيا، وجورجيا، وسوريا. وأيضًا الصين التي تناهض الولايات المتحدة تحاول مغازلة روسيا. كما ترتبط روسيا وتركيا بعلاقات أكثر دفئًا من العلاقات التركية الأمريكية.

حرب محسومة

الرأي العام الأمريكي يجنح حاليًا لإنهاء الحروب الحالية، وعودة الجندي الأمريكي إلى موطنه؛ لذا فمن غير المتوقع أن تخاطر الإدارة الأمريكية بإغضاب ناخبيها بإرسال أبنائهم إلى حرب جديدة مع قوة مخيفة مثل الدب الروسي. وهو الوتر الذي ضغطت عليه الناطقة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، في 20 سبتمبر (أيلول) 2019 ردًّا على تصريحات هاريجان.

احتفال بيوم البحرية الروسي في كالينينجراد

أحد مظاهر الاحتفال بيوم البحرية الروسي في كالينينجراد

إذ أعلنت أن روسيا تعد مجرد الحديث بهذا الشكل تهديدًا مباشرًا كالحرب. وقالت إنّه من الغباء التصريح بمثل ما قاله هاريجان. إذ إن الأشخاص الأذكياء ذوي البصيرة الذين يعبرون حقًّا عن مصالح الناخبيين الأمريكين وآرائهم لن يصرّحوا بما لا يوافق عليه الناخب.

تعتمد الإدارة الأوروبية في حديثها عن كالينينجراد كأنها مدينة أوروبية خطفها الروس؛ لذا فسوف يهلل أهلها للتحرير الغربي. لكن واقع المدينة يقول غير ذلك. جيل الشباب الناشئ في المدينة يطلق عليها «روسيا الصغرى»، ويتطلعون إلى الحياة في «روسيا الكبرى» دومًا.

لذا يمكن القول بأنه على الإدارة الغربية أن تكون شديدة الحرص في التعاطي مع الترسانة الروسية في كالينينجراد. إذ إنها ستشعل حربًا لحماية أمنها من تهديدات روسية لم تحدث، تحت شعارات تحرير شعب يراها عدوًّا. وروسيا تسوّق لترسانتها في كالينينجراد على أنها للدفاع لا للهجوم؛ لذا يمكنها الظفر بالتعاطف الدولي والتفويض الشعبي للدخول في حرب مفتوحة يحبها بوتين دائمًا؛ لأنها ستضمن له الفوز بالرئاسة مدى الحياة، وتمنح غطاءً قوميًّا لحملاته ضد المعارضة.

«قيصر» إلى الأبد.. ما «حيل» بوتين للبقاء في السلطة بعد انتهاء ولايته؟

المصادر

تحميل المزيد