يمر أمامه على صفحة «فيسبوك» إعلان لصفحة «المنسق» الإسرائيلية، فإذا ما قرر الذهاب إلى داخل الصفحة -وهي باللغة العربية- سيرى مقطع فيديو مصورًا بدقة عالية يتناول تجربة مريض من قطاع غزة أنقذت المستشفيات الإسرائيلية حياته بكل سرعة وإنسانية عالية.

ثم سيمر على إعلان يدعو الفلسطينيين للعمل في المستوطنات الإسرائيلية، ثم رابط لرفع ما يعرف بالمنع الأمني عن سكان قطاع غزة، وآخر لأغنية عبرية بعنوان «جمال عيونك» بنسخة عربية، كذلك سيرى منشورًا تحريضيًا ضد «حركة المقاومة الإسلامية (حماس)» التي «تزج» بالمتظاهرين على حدود قطاع غزة.

وحدهم الفلسطينيون وخاصة سكان قطاع غزة ربما هم من يدركون حجم القهر والألم الذي يتسبب به المنسق الإسرائيلي الدرزي كميل أبو ركن، فهو من يمنع مرضاهم من الخدج والرضع والشباب والشيوخ من الوصول إلى مستشفيات الضفة الغربية والقدس المحتلة، وهو الذي لا يتوانى عن اتخاذ أي قرار لا إنساني ضد الفلسطينيين تحت ذريعة «حفظ الأمن» الإسرائيلي.

الدرزي الذي يخدم إسرائيل منذ 40 عامًا

ولد كميل أبو ركن في العام 1959 لأسرة درزية فلسطينية تقطن قرية عسفيا الفلسطينية المحتلة (شمال فلسطين)، ثم بعد 58 عامًا أصبح هذا الفتي هو أكبر ضابط درزي في الجيش الإسرائيلي.

فقد قضى أبو ركن نحو 40 عامًا في «خدمة» الجيش الإسرائيلي، بدأها وهو في 18 من عمره حين التحق بالجيش الإسرائيلي في عام 1977، ثم واصل العمل في وحدة الاتصالات التابعة لهذا الجيش، وبعد خضوعه لدورة ضباط، عمل أبو ركن في مكتب الإدارة المدنية في الضفة الغربية، وتسلم منصب نائب الحاكم العسكري في مدينة جنين، ومن ثم أصبح نائبًا للحاكم العسكري في مدينة طولكرم، وحين تولت السلطة الفلسطينية حكم بعض الأراضي الفلسطينية في العام 1994 إثر اتفاق «غزة-أريحا»، تولى أبو ركن مسؤولية الدوريات المشتركة بين الجيش الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية في قطاع غزة.

وبالتزامن مع دراسته الأكاديمية التي نجم عنها حصوله على اللقب الأول في علوم الشرق الأوسط واللقب الثاني في العلاقات الدولية واصل أبو ركن تولي مناصب طغى عليها التعامل المباشر مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ففي العام 2002، وتحديدًا بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، عمل أبو ركن منسقًا لأنشطة الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، ثم انتقل في العام 2005 للعمل رئيسًا للإدارة المدنية في الضفة المحتلة حتى مطلع 2007 حين قرر إنهاء خدمته العسكرية.

لكن «خوف» أبو ركن على إسرائيل وقت اندلاع عدوان «الرصاص المسكوب» دفعه للتراجع عن قراره والعودة للعمل نائب منسق للعمليات الحكومية في الأراضي الفلسطينية، ثم في عام 2010، عُيّن رئيسًا لسلطة المعابر البرية بين إسرائيل وقطاع غزة معبر إيرز وكرم شالوم في وزارة الأمن الإسرائيلي، وهو المنصب الذي دفع وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان للإطراء عليه حين قال أنه «أحد الخبراء الرائدين في إسرائيل في المجال الفلسطيني. أنا معجب جدًا بمعرفته وخبرته في إدارة الشبكات الواسعة في منصبه الحالي رئيسًا لسلطة المعابر في وزارة 

رسالة المنسق لسكان غزة

مع اقتراب #يوم_الجمعة وفي ضوء التصعيد الذي شهده #قطاع_غزة في الأيام الأخيرة، يتوجه منسق أعمال الحكومة في المناطق، الميجر جنرال كميل أبو ركن، لسكان #غزة ويقول: "قد نفذ صبرنا وسنرد بصورة قاسية وبدون ضبط للنفس وتهاون"

Geplaatst door ‎المنسق‎ op Donderdag 15 november 2018

ولأن ليبرمان لا يعتقد بوجود شخصٍ «أحق منه بهذا المنصب المهم والحساس، لا سيما في هذه الفترة العصيبة» فقد عين أبو ركن رسميًا في مايو (أيار) 2018 في منصب منسق عمليات الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية خلفًا لليهودي اللواء يوآف مردخاي، وهي المكافأة التي حان وقتها بعد مسيرة حافلة من «الولاء لدولة إسرائيل».

يوصف أبو ركن بأنه مراوغٌ، على دربِ كل الشخصيات الإسرائيلية التي أطلقتها إسرائيل لإيصال رسائلها المتعددة للفلسطينيين والعرب، وتلميع صورة إسرائيل، فهو يعمل على كسر الحواجز النفسية والجغرافية مع الفلسطينيين والعرب، وإقناعهم بفكرة التعايش المشترك، والدفع نحو تطبيع الفلسطينيين نفسيًا مع إسرائيل ونشاطاتها.

كما أنه يمارس دورًا استخباراتيًا لتجنيد العملاء بعد الضغط على المحتاجين لتصريحات الاحتلال من الفلسطينيين، فالرجل الذي يتغلب على من سبقه في الفصاحة، يشارك الفلسطينيين الاحتفال بحلول شهر رمضان المبارك، فيكتب: «مع حلول شهر رمضان تزداد التنزيلات وتنتعش الحركة التّجارية، ما يوفر فرصة ذهبية لزيادة المبيعات»، أويدعو إلى «استفتاء المنسق» قبيل بدء الشهر الفضيل، فيتساءل ببراءة: «فما أهم قيمة رمضانية بنظرك؟».

أخطر من غزّة ولبنان.. هل تُحرق الضفة الغربية إسرائيل والسلطة الفلسطينية معًا؟

قاتل مرضى غزة يُجمّل «وجه إسرائيل»

قطاع غزة يشكل تهديدًا حقيقيًا وفوريًا على إسرائيل

كان ذلك هو التهديد الأول لمنسق أعمال الحكومة الإسرائيلية كميل أبو ركن، بعد توليه منصبه رسميًا في مايو (أيار) 2018. لكنه بالتأكيد ليس الأخير، إذ يواصل أبو ركن تهديد قطاع غزة، فقد قال في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 أن متظاهري حدود غزة، معرضون للرد بـ«صورة قاسية وبدون ضبط للنفس أو تهاون في حال اقترب أحدهم من الحدود … فقد أعذر من أنذر».

مصاب فلسطيني في مسيرات العودة – قطاع غزة

وامتثالًا لقناعة لدى أبو ركن بأن قطاع غزة يشكل خطرًا على دولته، فقد عكف المنسق الإسرائيلي منذ تسلمه منصبه على منع مرضى قطاع غزة من الخروج لتلقي العلاج في مستشفيات الضفة الغربية والقدس المحتلة، حتى شهدت فترة توليه هذا المنصب ارتفاعًا كبيرًا في حالات منع المرضى من العلاج بالخارج، من الأطفال الخدج ومرضى السرطان والقلب وغيرهم من الحالات الصعبة للغاية، فنحو 60% من حالات المرضى ترفض إسرائيل سفرها من القطاع تحت ذرائع متعددة.

وهو الأمر الذي دفع النشطاء الفلسطينيين خلال الأيام القليلة الماضية إلى إطلاق حملة إلكترونية غاضبة عبر وسمي #قاتل_مرضى_غزة و#المنسق_القاتل، وقد نقل عن الناشط الفلسطيني ومنسق الحملة في قطاع غزة صالح ساق الله أن «منسق الاحتلال أبو ركن يمعن في رفض منح مرضى غزة من الأطفال والرضع والخدج والنساء والرجال وكبار السن التصاريح اللازمة لعلاجهم بالخارج»، وأضاف ساق الله : «معاناة المرضى ازدادت منذ تولي أبو ركن مهامه بوصفه منسقًا لعمليات الاحتلال بالأراضي المحتلة والذي شدد الخناق عليهم ورفض أكثر من 70% من تصاريح العلاج لهم».

فحسب تقرير «المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان»، فقد عرقلت إسرائيل منذ بداية العام 2018 حتى سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، سفر 6.401 مريض فلسطيني حصلوا على تحويلات طبية للعلاج في المستشفيات الإسرائيلية أو في مستشفيات الضفة الغربية والقدس المحتلة.

وحسب التقرير الحقوقي المعنون بـ«ممنوعون من العلاج»، فإن أشكال العرقلة تأتي «بين رفض المريض أمنيًا، أو بدون إبداء أسباب، أو عدم الرد على طلب المريض بدعوى أنه تحت الدراسة، أو الطلب من المريض تغيير موعد العلاج، أو الطلب من المريض تقديم طلب جديد، أو طلب المريض لإجراء مقابلة أمنية، أو اعتبار طلب المريض غير مناسب، واعتبار حالة المريض «تجويد حياة» وليس «إنقاذ حياة)» بحسب التصنيف الإسرائيلي».

طفل مريض في مستشفى بغزة يخضع لغسيل كلى

ولم تكن تلك الحملة الأولى التي تستهدف أبو ركن، فقد أطلق نشطاء فلسطينيون في ديسمبر (كانون الأول) 2018، حملة لمقاطعة صفحة المنسق الإسرائيلي والتي تأتي على رأس الصفحات الإسرائيلية التي تهدف للتطبيع مع الفلسطينيين وتجميل صورة إسرائيل، وحذروا من أن التواجد على هذه الصفحة يعرض المتصفح لمخاطر أمنية واستخبارية.

فقد وصل عدد متابعي صفحة المنسّق على الفيسبوك لـ500 ألف متابع، من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة حتى يوم 30 ديسمبر (كانون الأول) 2018، ويرجع زيادة عدد متابعين إلى دافع حب الاستطلاع والتعرف على ما يدور من أخبار داخل المجتمع الإسرائيلي، إضافة إلى اضطرار مجموع من الفلسطينيين الاستغاثة بالشخصيات الإسرائيلية لحل مشاكل لهم تتعلق بالسفر أو الحصول على تسهيلات لتصاريح عمل.

ويذكر الضابط الإسرائيلي السابق بجهاز «الاستخبارات العسكرية (أمان)» يوني بن مناحيم، أن من أهم أهداف الصفحات الإسرائيلية كصفحة «المنسق» هو «جمع المعلومات الأمنية عن حركات المقاومة وقادتها، والتحريض ضد المقاتلين الفلسطينيين وعائلات الأسرى والشهداء والمبعدين، وفبركة أخبار غير صحيحة حول نشطاء الفصائل الفلسطينية لتحريض المواطنين ضدهم، وضرب روح الوحدة الوطنية الفلسطينية».

ويضيف على موقع «نيوز ون»: «إسرائيل تسعى حثيثًا بهذه المنظومة الإعلامية للوصول إلى الجيل الناشئ الفلسطيني بغزة، والتأثير عليه، في ظل امتلاكهم هواتف محمولة متطورة، ما يجعلهم قابلين للتأثر بهذه الدعاية الإسرائيلية».

وفي سبيل الاستغلال الأمثل من قبل الإسرائيليين لما يمكن تسميته بإدارة ـ«البروباغاندا إعلامية» لأبي ركن، أطلقت إسرائيل في 20 ديسمبر (كانون الأوّل) 2018 بث «راديو المنسّق» على الإنترنت، وهي تجربة جديدة لمحاكاة تجربة الإذاعة الإسرائيليّة باللغة العربيّة في السبعينيّات والثمانينيات التي حظيت بمتابعة آلاف الفلسطينيّين والعرب من الدول المجاورة، وتبث إذاعة المنسق الأغاني العربية القديمة لكبار المطربين مثل أم كلثوم وصباح فخري وعزيزة جلال وغيرهم.

إسرائيل تعظ بالقرآن والأحاديث.. «جمعة الكوشوك» تستكمل رحلة العودة للبلاد

خبير بـ«الحلبة الفلسطينية».. أبو ركن يحكم مناطق السلطة بالضفة الغربية

قبيل استقالته بأيام، حرص وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان على توديع ساحته السياسية تلك بلقاء اثنين من كبار المسؤولين في السلطة الفلسطينية، هما رئيس جهاز المخابرات العامة ماجد فرج، والوزير المسؤول عن التنسيق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، حسين الشيخ.

أفيغدور ليبرمان

ليبدو أن ليبرمان في رحلة خروجه من حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نوفمبر (تشرين الأول) 2018، والتي نجمت عن الخلاف السياسي بينهما، مصر على أن يضع أبو ركن في «المكان الصحيح»، حيث اصطحبه في لقائه مع عرابي التنسيق الإسرائيلي الفلسطيني (الشيخ وفرج)، كي يدرك أهمية «تركة» ليبرمان في التنسيق الأمني بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهو التنسيق الذي حولته السلطة الفلسطينية إلى أبعد الحدود حيث بات الاحتلال يبتز السلطة بالمال مقابل التعاون و ملاحقة المقاومين الفلسطينيين بعدما كان الأمر يقتصر في عهد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات على التعاون في عمل المعابر والأمور الحياتية.

وفيما يرى ليبرمان أن «كميل أبو ركن هو أحد الخبراء البارزين في دولة إسرائيل بالحلبة الفلسطينية»، يراه المراقبون الفلسطينيون أنه هو من يحكم حقيقةً مناطق السلطة الفلسطينية وأنها تحت إدارته، ولإدراك أبو ركن أهمية التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، يخوض «المنسق» الآن صراعًا للالتفاف على القرار الأمريكي القاضي بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية، والذي طبق فعليًا نهاية يناير (كانون الثاني) 2019 على اعتبار أنه يُهدِّد التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل، وهو القرار الناجم عن «قانون مكافحة الإرهاب» الأمريكي الذي حرم السلطة الفلسطينية من تلقي المساعدات الأمريكية.

ويعمل أبو ركن مع العديد من الإسرائيليين على إدخال ثغرة في القانون الأمريكي تحول دون تلقى التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية ضربة قاتلة تضر بالأمن الإسرائيلي، ولذلك فقد أثار تخوفاته في لقائه مع منسق الأمن الأمريكي لدى إسرائيل والسلطة الفلسطينية، اللفتنانت جنرال إريك وندت، وهو يعمل الآن على إيجاد حل يقضي باستمرار تقديم المساعدات، كأن يقوم الكونجرس الأمريكي بتعديل القانون للسماح للرئيس أو وزير الخارجية بالتنازل عن وقف المساعدات لأسباب تتعلق بالأمن القومي الإسرائيلي.

جنود إسرائيليون يعتقلون متظاهرين فلسطينيين في قرية بيتا بالضفة الغربية

يشار إلى أن التنسيق الأمني قد وصل بين عامي 2009 و2014، إلى أعلى مستوياته، مما يعني أن «أي تُهديدٍ لتلك الميزانية سيُسبِّب عدة مشكلات»، كما قال السفير الأمريكي الأسبق لإسرائيل دانيال شابيرو، مضيفًا أن التمويل الأمني الأمريكي هو بمثابة «الضمانة التي تكفل استمرار التنسيق الأمني الذي نجح في إحباط الهجمات الإرهابية».

وبرغم إعلان كل من السلطة الفلسطينية وإسرائيل التوقف عن التنسيق الأمني أكثر من مرة خلال أزمة تلو الأخرى، كما حدث إبان العدوان المتكرر على قطاع غزة وخلال اشتباكات في المسجد الأقصى المبارك، إلا أن التنسيق الأمني مستمر على أرض الواقع، لعدة اعتبارات أهمها أن كلا الطرفين يعتبران حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عدوًا مشتركًا، حيث يؤدي التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في قمع المقاومة في الضفة الغربية والقدس، ففيما تعتقل إسرائيل الفلسطينيين، تقوم السلطة بعد إطلاق سراحهم باعتقالهم، كما تنقل معلومات حصلت عليها من ناشطين فلسطينيين إلى المحققين الإسرائيليين.

ويأخذ التنسيق الأمني عدة أشكال من بينها تسيير دوريات عسكرية فلسطينية وإسرائيلية مشتركة لملاحقة سلاح المقاومة واعتقال منفذي العمليات الفدائية، ويقول ضابط إسرائيلي سابق في «جهاز الاستخبارات العسكرية (أمان)» أن «التنسيق الأمني مع السلطة قد نجح ساعة الامتحان».

ويتابع في مقاله على «المعهد المقدسي للشؤون العامة والدولة»: «السلطة الفلسطينية تفهم جيدًا أن التعاون مع إسرائيل يجب أن يستمر، وقد توصل الجانبان إلى تفاهمات حول استمرار عمليات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية؛ من أجل إلقاء القبض على المسلحين المسؤولين عن تنفيذ الهجمات العسكرية الأخيرة في منطقة رام الله، بحيث أثبت التنسيق الأمني بينهما نفسه في لحظة الاختبار الحقيقية».

عباس يخنق غزة: لإزالة حماس أم للسيطرة عليها

المصادر

تحميل المزيد