عند الحديث عن الصراع العربي الإسرائيلي، يتعامل العرب بالكثير من الفخر مع تاريخ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973، الذي انتصر فيه الجيش المصري على إسرائيل،  لكن الكثيرين لا يعرفون عن يوم 21 مارس (آذار) 1968 الذي يمثل معركة الكرامة، تلك المعركة الذي انتصر فيها العرب على قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأردن، عندما تحالف الجيش الأردني مع الفدائيين الفلسطينيين واستخدموا السلاح الأبيض ليجبروا الغزاة على الانسحاب.

رغم كل شيء.. النكسة لم تكسر نفوس العرب

خيبة أمل كبيرة عاشها العرب عمومًا والمصريون والفلسطينيون خصوصًا عقب نكسة 1967، حينما انتصرت إسرائيل على مصر في حرب وجيزة لم تتعدَ الستة أيام، خيبة الأمل في الجيوش النظامية العربية، حركت فدائيين فلسطينيين للمقاومة المسلحة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي. حركات المقاومة أيضًا نالت عاطفًا ودعمًا ماديًا وبشريًا، فجذبت المتطوعين ونالت الدعم المالي، وتنافست فيما بينها لإظهار الأعمال البطولية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وجرّت أعمالها من الخارج الفلسطيني حكومات عربية لمواجهة إسرائيل.

ومن بين حركات المقاومة الفلسطينية المختلفة، برزت حركة «فتح» التي بدأت بشن هجمات على إسرائيل من خارج الحدود الإسرائيلية، ومع بداية عام 1968 صعّدت من عملياتها بشدة  ففي أقل من ثلاثة أشهر نفذّت 38 عملية ضد الإسرائيليين، وشهد 18 مارس من العام نفسه نقطة تحول عندما اصطدمت حافلة إسرائيلية بلغم تركه المقاتلون الفلسطينيون في جنوب البلاد. قُتل على إثره اثنان وأصيب آخرون من ركاب الحافلة.

وبدأت نية قوات الاحتلال الإسرائيلي اجتياح نهر الأردن واستعدادها لغزو الأردن وتحديدًا مدينة الكرامة، ومواجهة الفدائيين، ولكن تلك الاستعدادات لم تكن مجهولة للطرف العربي، سواء كانت من الجيش الأردني أو الفدائيين الفلسطينيين.

وفي 19 مارس 1968، وقبل يومين من المعركة المرتقبة، اجتمع الفريق مشهور حديثة، قائد الفرقة الأولى بالجيش الأردني مع ضباطه وجنوده وأعطاهم أوامره الأخيرة عن المعركة وتعاهد معهم على القرآن أنهم سيقاتلون حتى الموت ولن يمر العدو إلا فوق أجسادهم، بحسب ما أفاد كتاب «حرب الاستنزاف».

بعيون العدو.. ما الذي قاله وكتبه قادة إسرائيل عن حرب أكتوبر؟

إسرائيل تتقدم.. والفدائيون يتأهبون لتلقينها درسًا لا ينسى

وفي فجر يوم 21 مارس 1968 لاحظ الفدائيون والجيش الأردني تحركًا للجيش الإسرائيلي نحو الأردن، فقوات الاحتلال كانت منتشية بنكسة 67 ومغترة بالانتصار لدرجة أنها حتى لم تُخفِ عتادها الموجه ضد الأردن، لتبدأ غزوها بثلاثة ألوية مدرعة وثلاثة ألوية مُشاة مدعومة بكتيبة مظليين بالإضافة إلى أسراب من سلاح الجو ليبلغ تعداد الغزاة نحو 1500 جندي إسرائيلي.

ليواجه هؤلاء تقريبًا أمثالهم من جنود الجيش الأردني الذي استعد للمعركة من خلال الفرقة الأولى وسلاح المدفعية، يساندهم الفدائيون الفلسطينيون من جبهة «التحرير الفلسطينية» وحركة «فتح» و«الجبهة الشعبية الفلسطينية»، و«جيش التحرير الفلسطيني» ليبلغ تعدادهم نحو 1000 فدائي.

وتفاجأت مدرعات الاحتلال بصواريخ المدفعية التي أطلقها قائد الفرقة الأولى «دون انتظار الأوامر العُليا» وواجه جنود الاحتلال والمظليين مقاومة شديدة أيضًا من الفدائيين والمدنيين بالأسلحة الخفيفة والبيضاء، وكانت الروح القتالية عالية لدرجة كبيرة يحكي عنها عبد الرحمن سليمان، أحد المشاركين في المعركة من الفدائيين بقوله: «إن بعض المقاتلين العرب قفز على الدبابة ليلقي بداخلها القنبلة اليدوية».

فيما بقول فايز اللوزي، وهو عقيد متقاعد شارك في المعركة مع الجيش الأردني: «الكل شارك في المعركة حتى المزارعين والمدنيين في المنطقة بمعنويات عالية» لافتًا إلى أنه هو ورقيب أردني طالب بقصف الموقع الذي يترمركز فيه: «وبالفعل مدفعيتنا ضربونا في الموقع اللي أنا فيه لأن عدد اليهود كان أكبر من عددنا»

وفي الساعة العاشرة صباحًا أصدر الجيش الأردني بيانًأ ذكر فيه أن: «القتال ما زال على أشده بين قواتنا وقوات العدو على طول الجبهة، ويدور الآن بيننا وبينهم بالسلاح الأبيض، وخسائر العدو في المعدات والأرواح فادحة»، بدوره قال حديثة: «لأول مرة طلب العدو وقف إطلاق النار كان في الساعة 11.30، ولكننا أصررنا أن يستمر القتال حتى خروج العدو من ميدان المعركة وطرده نهائيًّا غرب النهر».

إسرائيل تخسر «الكرامة» بشهادة غير العرب

انتهت المعركة بإجبار جيش الاحتلال على الانسحاب من الأراضي الأردنية، بعد انتصار للجيش الأردني والفدائيين على قوات احتلال، الانتصار العربي أكدته أيضًا شهادات غير عربية؛ فقد أفادت وكالة «أسوشتدبرس» الأمريكية، بأن الإسرائيلين اعتبروا أنهم تعرضوا  لـ«هزيمة» كاملة نتيجة سوء التخطيط والتنظيم.

فيما أشار الكاتب البريطاني ديفيد هيرست في كتابه: «السلاح وغصن الزيتون: جذور الصراع في الشرق الأوسط» إلى قوة المقاومة والشهادة الإسرائيلية بذلك، عندما نقل اعتراف جنرال إسرائيلي بـ«التخبط الاستراتيجي الهائل الذي عاشته إسرائيل في معركة الكرامة نتيجة المقاومة غير المتوقعة من الجيش الأردني والفدائيين».

فيما قال حاييم بارليف، رئيس الأركان الإسرائيلي آنذاك أن :«إسرائيل فقدت في هجومها على الأردن (في معركة الكرامة) آليات عسكرية تُعادل ثلاثة أضعاف ما فقدته في حرب 1967، لقد كانت عملية الكرامة فريدة من نوعها ولم نتعود على هذا النوع من العمليات».

في الاتجاه نفسه، أكدّ آلون ليال، وهو مجند إسرائيلي شارك في معركة الكرامة صدمته من المعركة، عندما قال إن: «العملية أصعب مما كان منتظرا؛ فقد تحولت هذه العملية التي قدمت لنا على أنها نزهة إلى فاجعة. ووصلت خسائرنا إلى 35 قتيلًا والعشرات من الجرحى».

سلاح المدفعية الأردني في معركة الكرامة

وعن الخسائر الميدانية في المعركة، تباينت الأرقام من مصدر لآخر، وبحسب إحصاءات عربية وأردنية، فقد قُتل 86 من الجيش الأردني وأصيب 108 آخرين، بالإضافة إلى مقتل 95 فدائيًا، وإصابة 200 آخرين، فيما دُمرت 13 دبابة أردنية، و39 آلية حربية، في المقابل قُتل 250 إسرائيليًا، وأُصيب 450 آخرين، ودُمرت 47 عربة، و53 آلية حربية، وسبع طائرات إسرائيلية.

فيما أفادت صحيفة «التليجراف» البريطانية بأن الجيش الاسرائيلي قد قتل 120 من الفدائيين، وأسر العدد نفسه، وخسر فقط من جنوده 28 عسكريًّا، وترك معداته المدمرة في أرض المعركة، وعلى عكس «أسوشتدبريس»، رفضت الصحيفة البريطانية اعتبار ما حدث في المعركة على أنه «انتصار» عسكري للعرب، ولكنها أقرت بالخسائر الفادحة التي تسبب فيها العرب لصفوف جيش الاحتلال في المعركة، واعتبرت أن المعركة كانت معركة بقاء للعرب قبل النكسة، وأعادت الفلسطينيين إلى الخريطة السياسية.

نصر لم يكتمل.. الخلاف يدب بين الأشقاء

خلال المعركة دمرت إسرائيل قاعدة للفدائيين في الكرامة، ولكنها في الوقت ذاته أجبرت على الانسحاب بعدما تكبدّت خسائر كبيرة وغير معتادة في المعركة، تلك المعركة التي أعادت للعرب والفلسطيينن كرامتهم؛ فبالإضافة إلى الجانب الميداني، حقق العرب خلال المعركة نصرًا معنويًا كبيرًا بعد نكسة 67، وتدميرًا لأسطورة أن جيش الاحتلال لا يُهزم.

ونالت القضية الفلسطينية تعاطفًا أكبر، لدرجة أن حركات المقاومة الفلسطينية استقبلت آلاف المتطوعين العرب عقب معركة الكرامة، من بينهم 20 ألف مصري، و1500 عراقيًا بحسب ما كشف هيرست في كتابه «السلاح وغصن الزيتون».

«نحن جميعًا فدائيون»، هكذا صرّح الملك الحسين ملك الأردن، بعد معركة الكرامة في تتويج للتعاون الحكومي الأردني مع الفدائيين ولكن «شهر العسل» بين الحكومة الأردنية والفدائيين على أراضيها لم يدُم طويلًا.

الملك حسين ملك الأردن يتفقد أرض معركة الكرامة عقب انسحاب قوات الاحتلال

شعر الأردن خلال عامين أن الفدائيين لا يخضعون بشكل كاف لرغباتها، ويتسببون في هجمات إسرائيلية ضد الأردن، مما أدى لمواجهة عسكرية عربية  – عربية هذه المرة من حلفاء الأمس الذين أضحوا أعداءً، فقد شنّت الحكومة الأردنية حربها ضد الفدائيين الفلسطينيين على أراضيها في شهر سبتمبر (أيلول) 1970،  فيما عُرف بـ«أيلول  الأسود»، لما شهده من حرب أهلية بين العرب أنفسهم، أوقف بموجبها جيش الأردن النشاط الفدائي على الأراضي الفلسطينية!

«يديعوت أحرونوت»: هذا ما كان يأمله الحكام العرب من انتخابات إسرائيل

 

المصادر

تحميل المزيد