إذا وصفناها بأنها المرأة التي لم تتمن الشعور بتلك اللذة الطاغية التي يشعر بها الذكر عندما يسقي الحديقة بقضيبه، فربما يكون وصفًا كافيًا لامرأة رفضت إحدى النظريات السائدة، فرفضها المجتمع العلمي. إذ تُعد كارين هورني شخصية رائدة في الحركة التحليلية النفسية المبكرة، ويجري تداول سيرتها بين النسويات بوصفها مفكرة رائدة حول الاختلافات الجنسية، ورغم ذلك؛ فنادرًا ما تجد دراسة مكتوبة صراحة عن كارين هورني، تظهر مدى تأثيرها في مجال التحليل النفسي، وذلك بسبب خلافها مع أبناء جيلها، وربما أهم أساتذتها، سيجموند فرويد.

كانت هوية المحلل النفسي هي أداة ووسيط كارين هورني، ما جعل شخصيتها متورطة بدرجة أكبر في إنتاجها، وعلى مدار حياتها رسمت صورة صادمة لامرأة لديها قدرة على تحويل شخصيتها الذاتية إلى موضوعها، وفشلت في تحويل تلك المعرفة الذاتية إلى مساعدة ذاتية، وصارت تلك الشخصية المقلقة لكل من يبحث وراءها، المترددة في التعامل مع قراراتها بحسم.

حرر نفسك من التقاليد المفروضة

وُلدت كارين هورني دانيلسن في عام 1885، بالقرب من هامبورج في ألمانيا، وهي ابنة لأبوين من الطبقة المتوسطة؛ الأب متدين ومتعصب وتراه ابنته منافقًا لأنه لا يفعل ما يأمر به، ونادرًا ما كانت تراه بسبب عمله بالشحن الدولي عبر البحار، والأم موسوسة بصحة أطفالها.

تشير مذكرات كارين هورني التي بدأت في كتابتها من سن 13  لـ26، إلى تأثر مبكر بالتأملات والتحليلات الشخصية العميقة، وتنقل بين المسائل الوجودية واللاهوت، حتى إنها سجلت تقلباتها المزاجية الخاصة وأسبابها، ثم تراجعت فيها، وحددت قانونها الأخلاقي الخاص، وسجلت مشاعرها تجاه أسرتها، وتكهنت بوجود طبقات غير واعية لعواطفها، وبدت وكأنها تكتشف طرق التفكير والتحليل النفسي بمفردها. 

Embed from Getty Images

كارين هورني

في سنوات مراهقتها الأولى كتبت هورني في سجلاتها: «أنت تحرر نفسك من التقاليد المفروضة، من ممارستك الدور الأخلاقي اليومي أمامهم». امتدت فورة المراهقة في النقد والرفض مع هورني حتى البلوغ؛ ففي تلك المرحلة، وبعد انفصال والديها، كان أصعب ما تواجهه كارين هورني في يومها هو محاباة والديها الصارخة لأخيها بيرندت، لذا كان عليها أن تكافح بشدة، وهو ما فعلته طوال حياتها، فعارضت رغبة عائلتها وقررت الالتحاق بكلية الطب بجامعة فريبورج عام 1908، وكانت واحدة من بين 58 امرأة في مدرج دراسي يملؤه 2350 طالبًا.

خبرت هورني طعم الجنس لأول مرة مع مجموعة مختلفة من الرجال قبل لقائها بزوجها المستقبلي أوسكار هورني، والذي تزوجته في عام 1909 وانتقلت معه إلى برلين، وأنجبت ثلاث فتيات. وتعاملت هورني مع زواجها بانفتاح وتحرر، ولم تر حرجًا في دخول علاقات جنسية بالتوازي مع أوسكار، في رفض لما يريده المجتمع منها كامرأة متزوجة، فقد كانت هورني تنزعج بشدة من حاجتها لرجل يقودها، ويقف أمام رغباتها المتصاعدة من أجل الاستقلال. 

وصل التباهي بما تريده هورني لحياتها إلى حد أنها استخدمت صراعاتها الحادة مع والدها وأخيها وزوجها، وتفسيراتها لتاريخها نفسها للوصول لصياغة نظريات كاملة بحجج مهنية حول التحرر الجنسي للإناث، وبعد عدة سنوات دافعت عن نفسها في ورقة بحثية بعنوان: «مشكلة المثل الأحادية»، بعد انفصالها عن زوجها والتعرض للنبذ في مكان عملها.

ثقافة

منذ 3 شهور
مترجم: لماذا لم تؤمن فيلسوفة نسوية مثل سيمون دي بوفوار بفكرة «المرأة القوية»؟

فرويد: «إنسان مولع بذاته»

درست كارين هورني الطب النفسي على يد كارل إبراهام، أحد تلامذة سيجموند فرويد، في وقت اجتاحت فيه حمى فرويد أنحاء العالم الغربي. فهو مؤسس التحليل النفسي، وأحد أكبر الآباء نفوذًا في القرن العشرين، بوصفه أبا علم النفس. ومع نظرياته عن اللاوعي التي ما زالت تُناقش بعد قرن من وفاته، كانت هورني معجبة حقيقية بسيجموند فرويد وتحليلاته النفسية، في وقت كانت تساعد فيه كارل إبراهام في تأسيس معهد برلين للتحليل النفسي في عام 1920، حتى نشر فرويد مقالًا عن نظريته «حسد القضيب» التي وضع بها إطارًا لتطور شخصية الفتيات الصغيرات. 

Embed from Getty Images

سيجموند فرويد

كان فرويد معروفًا بأفكاره المثيرة للجدل حول الأدوار الجنسية في المجتمع، والرغبات الجنسية عند الصغار، وبعض الآراء المثيرة حول النساء اللواتي لم ير لهن مكانًا بدون الذكور. فاعتقد فرويد أن حياة المرأة تهيمن عليها وظيفتها التناسلية والجنسية، وفي عام 1925 كتب بالفعل عن «العواقب النفسية للتمييز التشريحي بين الجنسين»، وفيها كانت المرأة مجرد رجل بلا قضيب، تعارض التغير ولا تضيف شيئًا خاصًّا بها. 

كانت تلك الفكرة هي المرحلة الأولى من نظرية «حسد القضيب» التي ادعى فيها أن المرأة تحسد الرجل لامتلاكه قضيبًا، ويظهر ذلك في سلوكها، وأن الطريقة الوحيدة لتجاوز هذا الحقد هو إنجاب طفل ذكر. 

«حسد الرحم» في مواجهة «حسد القضيب»

انتقدت كارين هورني مفهوم فرويد لحسد القضيب، وكتبت سلسلة من الأبحاث أكدت رفضها تأكيد فرويد أن نصف الجنس البشري مستاء من جنسه ويحتاج للإنجاب للتغلب على هذا السخط. وأدت انتقاداتها في الواقع إلى تشكيل علم النفس النسوي، وطرحت مقابل فرويد فكرة «حسد الرحم»، وفيها يتأثر الرجال نفسيًّا بعجزهم عن إنجاب الأطفال، والرضاعة الطبيعية، وبقية الوظائف البيولوجية للجنس الأنثوي.

فسرت هورني أيضًا نظرية «حسد القضيب» في بعض الحالات بشكل أكثر منطقية، عندما عدتها استعارة للشوق الرمزي للهيبة الاجتماعية والمكانة الرفيعة التي يتمتع بها الرجال، حتى تشعر النساء بالنقص بسبب الحرية والوضع الاجتماعي الذي يفتقرن إليه بسبب جنسهن، وليس بسبب الافتقار الحرفي للقضيب. وكتبت: «ما زالت سيكولوجية المرأة حتى الآن تمثل في الواقع وديعة لرغبات وخيبات الأمل لدى الرجال»، وافترضت أنه إذا كان هناك نساء تحسد القضيب حقًّا فلن يكون ذلك بسبب وجود اختلافات بيولوجية فطرية، ولكنها استجابة لثقافة أبوية أدت إلى تأليه الرجال وتحقير النساء على يد المربين.

أثار رأي هورني غضب فرويد في انتقادها له، ورد عليها قائلًا: «لن يفاجئني تمامًا إذا فشلت محللة نفسية لم تكن مقتنعة بما فيه الكفاية بقوة رغبتها في الحصول على قضيب في إيلاء الأهمية المطلوبة لهذا العامل عند مريضاتها».

«حسد القضيب» ومعركة المحللين الفلاسفة

وافق فرويد، في معركته ضد هورني، الكثير من المحللين النفسانيين والفلاسفة، وكانت أشدهم هيلين دويتش، وهي واحدة من تلاميذه، وأول امرأة تنضم لجمعية التحليل النفسي عام 1918، بعد أن نشرت أول كتاب تحليل نفسي عن الحياة الجنسية للمرأة. استندت هيلين إلى نظريات فرويد في دراستها للتطور النفسي للمرأة، معتقدة أن النشاط الجنسي الأنثوي سلبي ومازوخي، وأن الفتاة ما إن تتعرف إلى قضيب والدها حتى تستمر في تطوير خيالات عن اغتصابها، ثم تصبح تلك الخيالات جزءًا لا يتجزأ من حياتها الجنسية.

Embed from Getty Images

سيمون دي بوفوار

تعد سيمون دي بوفوار من أشهر النساء اللواتي علقن على نظرية حسد القضيب، وأرجعتها تارة لأسباب اجتماعية، وفيسيولوجية تارة أخرى. ففي كتابها «الجنس الآخر» تتجسد الرجولة في العضو التناسلي بسبب الأهل، فلا يشعر الفتى بالفخر والعزة إلا من خلال نظرة المحيطين به تجاه عضوه التناسلي الصغير.

وقد حفظ لنا التاريخ قصصًا كثيرة من أمهات ومرضعات ينعتن عضو الطفل الصغير بشتى الصفات المحببة، والتكلم مع العضو كأنما يمثل بالإضافة إلى شخصية الطفل الصغير شخصًا مستقلًا بذاته. وهكذا فإن العضو الذكري لا يمثل بالنسبة للذكر امتيازًا يستمد منه شعورًا بالتفوق، وإنما زيادة في الاعتبار ابتكرها الآخرون تعويضًا له عن مصاعب ما بعد الفطام وحرمانه من التدليل والمداعبة.

على الجانب الآخر تقف الفتاة، التي لا تكن الأمهات والمرضعات لأعضائها التناسلية أي احترام أو عطف، ولا يلفتن نظرها إلى هذا العضو الخفي، لدرجة دفعت بعض العلماء إلى القول بأن الفتاة لا تملك عضوًا جنسيًّا، وبذلك تكتشف الفتاة أن وجودها في العالم يختلف عن وجود الفتى، ويكفي أن تجتمع لديها بعض العوامل ليتحول هذا الاختلاف الظاهري في نظرها إلى شعور بالنقص.

ركزت دي بوفوار على الوظائف البولية، تلك التي تلفت انتباه الأطفال؛ فقد جرت العادة على أن يبول الرجال وهم واقفون بينما تجثوا النساء على قدميها، وتتعرى، وبالتالي يتحتم عليهن حجب أنفسهن عن أعين الناس. وتحكي دي بوفوار عن انبهار الفتيات الصغيرات بقدرة الذكور على التحكم وقيادة أعضائهم في دهشة فتاة رأت طفلًا وهو يبول لتصيح: «يا لها من عملية سهلة ومريحة».

نظر سارتر أيضًا إلى الفكرة نظرة مجردة، فلم يكن له القضيب مصدرًا للذة والسرور إذا أمسك به وهو يبول واقفًا، لكن رأى فيه انتصارًا على قوانين الطبيعة وتحديًا لقانون الجاذبية، وتسلية يومية يتمتع بها الذكر وحده، حتى إن بعض الفتيات الصغيرات يلجأن رغبة منهن في مزاولة تجربة التبول لدى الذكور إلى النوم على ظهورهن ومحاولة قذف البول لأعلى. كذلك اعتمد وهقلوك إلياس وسوسور على رؤيتهن أو سماعهن عن فتيات يتمنين لو يمسسن عضوًا ذكريًّا ويستخدمنه كلعبة، كأنبوب الماء، يروين به النباتات.

كارين هورني.. دراما الشخصية المتمردة

لأنها كانت امرأة في مهنة يسيطر عليها الذكور إلى حد كبير، ولأنها تجرأت على صاحب الفكر الرائد في تلك المهنة شُطبت هورني من معاهد الطب النفسي بألمانيا، وشُطبت أفكارها، لكن استمرارها في عملها في التحليل الذاتي لم يتوقف، ولم تتوقف نظريتها المضادة لفرويد على يد عدد من النسويات، مثل المحللة النفسانية الأمريكية كلارا تومبسون وما أطلقت عليه «الحسد الاجتماعي» في عام 1943.

فقد كتبت أن هذا الحسد حدث كاستجابة اجتماعية لإخضاع الإناث في ظل السلطة الأبوية، وأن أسبابه اجتماعية وثقافية، وغير ذات صلة بالحياة الجنسية للإناث، وكذلك من المفهوم أن تشعر النساء بالحسد من القوة والهيبة التي يتمتع بها الرجال في معظم المجتمعات.

بعد أن واجهت هورني، فرويد ونظريته ذات التوجه الذكوري بآرائها، بدأت في التأسيس لما يسمى علم النفس النسوي، وسعت لترسيخ مبادئ التحليل النفسي للجميع، وليس بناءً على وجهة نظر الذكور فقط، وأكدت وجود تفاعل بين الإنسان وبيئته وتأثره بها. في ذلك الوقت انفصلت هورني عن أوسكار، وانتقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1932، وأصبحت المدير المؤسس لمعهد شيكاغو للتحليل النفسي، وواصلت استغلال تجربتها الخاصة، ووسعت تحقيقاتها حول كيفية تشكيل الوعي الشخصي والجنسي في كتبها مثل «العصبي»، و«شخصية العصر».

حاولت هورني أيضًا أن تضع وصفًا علميًّا لمرض الذهان، والذي أوجزته في كتابها «الأعصاب والنمو البشري»، وتوصلت إلى تفسير لجذور القلق والضيق النفسي، وقدمت وصفًا دقيقًا وقاطعًا للاستراتيجيات المختلفة التي تستخدمها الشخصية بأنواعها لحماية أنفسها من خطر ألا تكون محبوبة.

فهمت هورني الكثير عما أسمته «دراما الشخصية العصبية»، لكن ذلك حدث من خلال تأكيد التفاعل بين حياتها وفكرها. ما كان مزعجًا لمحبي هورني هو أنه رغم قدرتها على تحليل نفسها، بشكل يصيب بالتعاطف المأساوي، فإنها لم تتمكن من تغيير نمط حياتها الذي يجعلها تعيسة، فظلت كارين هورني الخجولة المتعجرفة والديكتاتورية والهجومية في حياتها الزوجية والعاطفية، وفي خلافاتها الحادة في مختلف معاهد الطب النفسي، فيما يعود كله لرفضها المؤسسة الأرثوذكسية في الحياة اليومية والزواج، وحتى المؤسسة التحليلية «الأرثوذكسية» للتحليل النفسي كما وصفتها. 

لم يساعد انتقال هورني إلى أمريكا من تخفيف الضغط المهني عليها بسبب أفكارها، فمع الوقت أصبحت في تحدٍ ضد «الأرثوذكسية الفرويدية» التي أصبح حاملوها من رجال المجتمع الأمريكي، وحديث الوسط التحليلي النفسي، ما كان سببًا في طردها من معهد التحليل النفسي بنيويورك، لتبدأ بعد ذلك في تأسيس جمعية النهوض بالتحليل النفسي، والمعهد الأمريكي للتحليل النفسي بغرض تعليمي، وعملت محررة في المجلات حيث استمرت في الكتابة والنشر حتى وفاتها عام 1952.

أثار سلوك كارين هورني المتمرد ميل الكثير لعدم الوثوق بها، خاصة في حياتها العاطفية، فقد كانت تنخرط مع الرجال في حالات شبق جنسي جامح، برغبة وضغط شديد منها، وتنتقم منهم عندما ينفصلون عنها، تمامًا مثلما فعلت مع إريك فروم، الذي حاولت أن تقوض حياته المهنية بقوة بعد علاقة عاطفية وجنسية دامت طويلًا. كما استغلت عدم تكافؤ القوى التي كانت تتمتع بها مع المتدربين تحت يدها وتورطت معهم جنسيًّا.

استمرت علاقة كارين هورني بأقرانها ومرؤوسيها طوال فترة وجودها في أمريكا، وتحول سلوكها الجنسي إلى مشاعر قلق وانتقام حاد، حتى صاغت عن نفسها مقالًا بعنوان: «المغالاة في تقدير الحب»، واستهدفت فيه النساء بصورة غير معهودة على أنهن مدمنات على رفقة الذكور، في وصف لما تشعر هي به.

تاريخ وفلسفة

منذ 7 شهور
«شماعة» التشخيص الخاطئ.. كيف تفضح «الهستيريا» تحيز الطب ضد النساء؟

المصادر

تحميل المزيد