لم تكد تمضي سوى أيّامٌ قليلة على الحكم بالسجن ستة أشهر نافذة على المعارض الجزائري كريم طابو؛ الموقوف منذ شهر سبتمبر (أيلول) 2019؛ حتى تفاجأ الجميع بالجزائر بحكم المحكمة الجزائرية بتمديد سجن كريم طابو سنةً كاملةً، بعد أن كان متوقعًا أن يخرج من السجن صباح اليوم الخميس. 

أثار هذا الأمر الكثير من الجدل في أوساط الجزائريين خصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لتفتح تساؤلاتٍ حول إذا ما كان قرارًا ذا طابع سياسي انتقامي من واحد من أبرز نشطاء الحراك الشعبي في الجزائر. في هذا التقرير نتعرّف إلى مسيرة المعارض الجزائري كريم طابو الذي خرّج على نظام بوتفليقة، ليدخل سجن ما بعد الحراك. 

كريم طابو.. «الشاب السياسي» الذي عارض الجميع

ولد كريم طابو في الثاني من يونيو (حزيران) 1973 بقرية الوادية بولاية تيزي وزو شرقي العاصمة الجزائرية، لعائلةٍ متواضعةٍ كان والده ذا إعاقة، وأمّه ربّة منزلٍ، وأمام هذا الوضع وجد كريم نفسه يعمل منذ الصغر بنّاء وهي الحرفة الأولى التي تعلّمها قبل ولوجه جامعة مولود معمري بتيزي وزو لدراسة الاقتصاد بها، والتخرّج فيها سنة 1999. 

بدأت مسيرة كريم طابو السياسية مبكرًا حين انخرط في حزب جبهة القوى الاشتراكية – أكثر الأحزاب الناشطة في منطقة القبائل – وعمل في لجانه النقابية داخل الجامعات؛ حيث ذاع صيته بين الأوساط الطلابية ليندمج بعدها مع آيت أحمد الزعيم التاريخي لحزب جبهة القوى الاشتراكية المعروف اختصارًا «الأفافاس».

سياسة

منذ 4 سنوات
حسين آيت أحمد: المعارض الأبديّ.. «من قال لا في وجهِ من قالوا نعم!»

يقول كريم طابو عن بدايته السياسية أنّه كان «معجبًا بشخصية حسين آيت أحمد ومعجبًا بكفاحه من أجل الديمقراطية والتعددية والدفاع عن حقوق الإنسان، إذ إنّه لم يجد نفسه في حزب سياسي غير حزب الدا الحسين». 

تدرّج كريم سريعًا في سلّم قيادة الحزب؛ حتى عيّنه آيت أحمد سكرتيرًا عامًا للأفافاس سنة 2007؛ وهو المنصب الذي سرعان ما استقال منه طابو بعد أشهرٍ قليلةٍ بسبب النتائج الهزيلة التي تحصّل عليها الحزب في الانتخابات التشريعية التي جرّت تلك السنة، إلّا أنّ الزعيم التاريخي آيت أحمد رفض استقالة طابو، ليستمرّ بعدها رجلًا ثانيًا في الأفافاس حتى 2011، وهو الوقت الذي أقاله فيه آيت أحمد بسبب تسريب أعضاء الحزب لخطّة عزم طابو الاستحواذ على رئاسة حزب الأفافاس لتسوء بعد ذلك علاقته بقدوته السياسية.

 المناضل الجزائري كريم طابو

 كريم طابو

لم يهضم كريم طابو قرار عزله من منصبه ذلك؛ فقرّر سنة 2012 الانشقاق رفقة 60 إطارًا من إطارات الحزب وتأسيس حزب جديد تحت مسمى «الاتحاد الديمقراطي والاجتماعي» -غير المعتمد حتى اللحظة-، برّر طابو قرار انشقاقه بالقول: «ناضلت في حزب سياسي أكّد بصورة واضحة أنه حزب معارض، وهو ما كان السبب الأول لانخراطي في هذا الحزب» في إشارةٍ إلى تغيّر موقف الأفافاس من نظام بوتفليقة.

وخلال فترة توليه منصب السكرتير العام للأفافاس؛ قام الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة بتعديل الدستور سنة 2008 وفتح العهدات، وهي الخطوة التي وصفها طابو بـ«المهزلة السياسية»، رافضًا أن يشارك فيها حزبه، لتبدأ مسيرة معارضة كريم طابو للنظام السياسي تأخذ منحنى أشد. 

معارضة كريم طابو لبوتفليقة اشتدت حين أعلن الأخير ترشّحه لعهدة رئاسية رابعة رغم عجزه الصحي؛ واصفًا تلك المرحلة بأنها «خروج الجزائر من التاريخ» غير أنّ طابو لم يمنعه اليأس الذي طبع الكثير من الجزائريين في تلك المرحلة من التكهن بأنّ التغيير بات قريبًا، وأن أسراب الجزائريين ستنقضّ على نظام بوتفليقة لتسقطه حين صرّح سنة 2014 قائلًا: «لقد حان الوقت لجمع صفوفنا بعيدًا عن الانشقاقات والطائفية، قوتنا تكمن في اختلافنا. في كل مرة نطالب بالحرية، يخرج النظام كل وسائله لتكميم الأفواه، ولكن يجب عليهم أن يعرفوا شيئًا، أن الأمور تطورت وأننا لم نعد في التسعينيات».

«حراك 22 فبراير» حين تحوّل طابو إلى رمز لا يحبّه الجميع

مع اندلاع «حراك 22 فبراير» المناهض لنظام بوتفليقة والمطالب بإسقاط نظامه؛ برز كريم طابو أكثر من أي قيادي سياسي رغم تواجد قيادات سياسية لها باعٌ طويلٌ في معارضة النظام الجزائري في الصفوف الأولى للحراك، أمثال الدكتور عبد الرزاق مقري والشيخ عبد الله جاب الله. 

بروز الشاب كريم طابو باعتباره أحد رموز الحراك بدأ يتضّح بعد الأسبوع الثالث من الحراك، حين قام كريم بمغادرة اجتماعٍ موسّعٍ للمعارضة أجري مطلع شهر مارس (آذار) 2019؛ بسبب وجود شخصياتٍ كانت حسب كريم طابو في وقتٍ قريب من أركان نظام بوتفليقة ومن مقربيه. 

ترك مشهدُ مغادرةِ كريم طابو لاجتماع أحزاب المعارضة السياسية الجزائرية وقعًا على الحراك الشعبي المستمر، وارتفعت بعض الأصوات التي تدعو طابو لتمثيل الحراك الشعبي، في وقتٍ اكتسحت صور كريم طابو واسمه صفحات مواقع التواصل الاجتماعي باعتباره مرشّحًا لتمثيل الحراك رفقة شخصياتٍ تقارب توجهه الأيديولوجي. 

تضاعف حضور كريم طابو في الإعلام الجزائري في الأسابيع الأولى وظهر على برنامج الاتجاه المعاكس الذي تبثّه قناة الجزيرة، فزادت شهرة طابو وأصبح اسمه مرتبطًا بالحراك أكثر من اسمٍ آخر من أسماء النشطاء الآخرين، وصار منظرًا للحراكيين في العديد من الندوات التي أقيمت عبر ولايات الجزائر.

دفعت الحماسة التي رافقت كريم طابو بعد تحوّله إلى اسم يمثل قطاعًا واضحًا من الحراك، لشنّ تصريحاتٍ قويّة ضدّ قائد الأركان الراحل الفريق أحمد قايد صالح سيدفع ثمنها لاحقًا، حين صرّح في إحدى الندوات التي أقيمت في مدينة خرّاطة بمناسبة ذكرى «أحداث الثامن من مايو (أيار) 1946»، بأنّه «يستحيل أن تسمى الجزائر قوة إقليمية بقائد أركان ليست لديه كفاءة مهنية ولا كفاءة سياسية ولا كفاءة تسيير دولة بحجم الجزائر. الجزائر بحاجة إلى قائد أركان في عمر الـ40 سنة ويتمتع بكفاءة». ثمّ أضاف طابو قائلًا: «لسنا بحاجة إلى قائد (يقصد قايد صالح) يحوّل مؤسسة (يقصد الجيش) إلى حزب سياسي أو مؤسسة قمعية، ويحاول مناورة شعب أراد الحرية»، واصفًا قيادة الجيش الجزائري بـ«الاستعمار الجديد».

وبأخذ المؤسسة العسكرية على عاتقها زمام المبادرة في تسيير المرحلة الانتقالية وتحقيق مطالب الحراك بالتغيير؛ كان كريم طابو من أكثر المعارضين للمؤسسة العسكرية في كلّ مساراتها، ودافعًا الحراك إلى تغيير توجهه تجاه المؤسسة العسكرية، ليشرع الحراك بعد الأسابيع العشرة الأولى في مهاجمة المؤسسة العسكرية وقائدها الفريق أحمد قايد صالح ومنتقدًا تدخلها في السياسة بشعار «مدنية وليس عسكرية» وهو الشعار الذي أغضب قيادة الأركان ودفعها لاتهام أطرافٍ لم تسمها بمحاولة اختراق الحراك بناءً على توجيهاتٍ من دولٍ أجنبية معاديةٍ . 

لم يكن كريم؛ شخصية محبّبة ومقربة للجميع داخل الحراك الشعبي، خصوصًا بعد مهاجمته للقيادة العسكرية، فمنذ تصريح الفريق الراحل أحمد قايد صالح، عن وجود بعض الشخصيات المعادية للجزائر تحاول اختراق الحراك وخدمة أجندةٍ أجنبية، طالت كريم طابو الكثير من التهم، من بينها علاقته مع رجل الأعمال الجزائري يسعد ربراب، إذ إنّ متهمي طابو يستندون إلى أنّ حملته ضد المؤسسة العسكرية بدأت حينما قامت قيادة الأركان باعتقال رجل الأعمال ربراب في أبريل (نيسان) من السنة الماضية. 

«الثورة تأكل أولادها».. هل يدفع طابو ثمن بروزه في الحراك الجزائري؟

باستقالة بوتفليقة في الثاني من أبريل (نيسان) 2019؛ وقع على عاتق المؤسسة العسكرية مسؤولية تسيير المرحلة الانتقالية، وهو ما جعل كريم طابو يهاجم دور قيادة الأركان ومطالبًا برجوعها إلى الثكنات وترك السياسة للسياسيين، ووصل به الأمر كما سبق وأن ذكرنا إلى مهاجمة المؤسسة العسكرية ووصف الجيش الجزائري بالاستعمار الجديد. 

لم تستسغ القيادة العسكرية تصريحات طابو المتصاعدة ضدّها؛ وسرعان ما ألقت قوات الأمن بالزي المدني القبض عليه في 11 من سبتمبر (أيلول) 2019 بتهمة إضعاف معنويات الجيش. أطلق سراح طابو بعد أسبوعين فقط من اعتقاله بعد ما قيل عنها بأنها إجراءات تهدئة لما قبل الرئاسيات؛ لكن رمز الحراك سرعان ما عاد إلى السجن سريعًا بعد يومٍ واحدٍ فقط من إطلاق سراحه بسبب تصريحاتٍ أدلى بها عقب خروجه من السجن تشير إلى عودته إلى الحراك، ليصدر قاضي التحقيق لدى محكمة سيدي أمحمد، بالجزائر العاصمة، الأمر بإيداعه الحبس المؤقت بتهمة «المساس بالوحدة الوطنية والتحريض على العنف عبر منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي».

كريم طابو داخل المحكمة، مصدر الصورة (مواقع التواصل)

                                          كريم طابو داخل المحكمة، مصدر الصورة (مواقع التواصل)

ظلّ كريم قابعًا في سجن القليعة (40 كلم غربي العاصمة) طيلة أكثر من خمسة أشهرٍ ليحاكم مطلع شهر مارس الجاري، ويصدر في حقّه حكم بالسجن لمدة سنةٍ كاملةٍ منها ستة أشهرٍ نافذة وغرامة قدرها 50 ألف دينار.

استغل كريم طابو محاكمته التي حضر فيها زهاء 100 محام؛ ليحوّلها إلى محاضرةٍ سياسية لتصفية حساباته مع الجيش، بدايةً بترحمه على خصمه الفريق أحمد قايد صالح؛ ثمّ سرده لأدوار المؤسسة العسكرية السياسية، وتدخلاتها في الحياة المدنية؛ إلى تأكيده أنّ سبب سجنه هو رأيه السياسي. 

وكان من المفترض أن يستنفد كريم طابو اليوم الخميس 26 مارس عقوبته، غير أنّ النيابة العامة استأنفت الحكم، لتصدر العدالة يوم الثلاثاء الماضي حكمها بتمديد سجن كريم طابو لسنةٍ كاملةٍ، في جلسةٍ عرفت غياب معظم هيئة الدفاع عن المتهم؛ وكذلك شهدت تدهور صحة كريم طابو الذي أشارت مصادر إلى «ساسة بوست» أنّه لا يزال في المستشفى الخاص بسجن القليعة منذ يومين.

المصادر

تحميل المزيد