default-avatar
زهراء مجدي

12

default-avatarزهراء مجدي

12

1,063

كما يُعاب على شخص استصعب مذاق الفلفل الحار رغم بديهية النتيجة، يعتبر كازو إيشيجورو قسوة الحياة والأحلام المجهضة نتيجة بديهية، فلا يشكو منها أبطال روايته، لتأكدهم أن لا خيار آخر غير القبول. انتصر إيشيجورو الأديب الياباني البريطاني عندما حصل على جائزة نوبل للآداب أول أمس 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2017، عندما كتب قصتنا نحن، قصتنا الشخصية، وقراراتنا التي لا نتخذها، مستخدمًا أبطالًا من الفوضى ومنطقنا الخاص الذي لا يصلح مع الواقع.

التباس جنسية إيشيجورو كان حديث العالم منذ الأمس، ولكن ربما لا يهم لأي دولة منهما يُنسب، لأنه كتب بهدوءٍ يابانيٍّ تضاعف مع برودٍ إنجليزي، أو كأنه كتب بالإنجليزية أحزانًا يابانية، أو ربما بعين مهزوم ياباني في الحرب خدع نفسه وأنكر هزيمته وعاش مع المحتل يستسيغه مرة فمرة.

طريقٌ طويل ربما سيقطعه من يحاول قراءة أدب كازو إيشيجورو فهو: أدبٌ غامض، وملامحهُ مطموسة، أو ربما متآكلة بمرور الوقت، وبيدٍ لا نعرفها، لكننا نرى آثارها واضحة، وبدون المزيد من الوصف، سنترك لكم إيشيجورو أجدد أدباء نوبل يحكي نفسه بقليلٍ من الفوضى.

وطني الذي لا أعرفه.. ونفسي التي لا تستقر

أتساءل أحيانًا، ألم يكن من الأفضل لو أن الله خلقنا كلنا على هيئة نبات، نباتات مغروسة في التربة، ما كان شيء من ذلك العفن عن الحروب والحدود قد حدث. *كازو إيشيجورا

كازو إيشيجورو كاتب إنجليزي من أصلٍ ياباني، فهو من مواليد ناجازاكي المنكوبة بالقنبلة الذرية، ولد عام 1954، رحلت عائلته إلى بريطانيا المحتلّة لوطنه وهو عمره 6 سنوات، بنية العودة للوطن ثانية، وحتى تأكدت العائلة من أن العودة لم تعد خيارًا مطروحًا، كانت تمهد طفلها للعيش في ظل الثقافة اليابانية، ليكبر الفتى على حافة عالمين، الفرق كبير بينهما، ولم يشعر يومًا بأنه جزء من أي من الثقافتين: اليابانية أو الإنجليزية.

Embed from Getty Images
صورة لإيشيجورا لحظة إخباره بفوزه بجائزة نوبل للآداب 2017

لم يصل لكازو من يابانيته التحولات الثقافية الكبيرة التي كانت تحدث في نفس الوقت الذي رباه والداه فيه على الثقافة اليابانية القديمة، فشكّل كازو صورته عن يابانه الخاص معتمدًا على الانطباعات أكثر منه على حقيقة وواقع يعيشه، وهو ما سبب له توترًا عندما زار اليابان للمرة الأولى بعد الهجرة عام 1987، وبعد أن كان قد أصدر روايتين، كلتيهما عن اليابان، التي لا يعرفها.

عبّر إيشيجورو كثيرًا عن أزمة هويته، فقال مرة: «لا أعتقد أني أشارك الكتّاب الآسيويين في بريطانيا هموم الهوية، وأذكر أنني عندما جئت إلى هنا كنت أنا الطفل الياباني الوحيد في المنطقة، ولم يكن هناك من يسألني من أي مجتمع أنت، وأنا حتى الآن لم أشعر بأي روابط مع المجتمع الياباني الذي يعيش هنا، فهو مجتمع عابر من رجال يعملون في شركات متعددة الجنسية».

بسبب دراسته الجامعية استمع كازو إلى آلام الكثيرين ومعاناتهم في طريقه، وشاهدها، وساعدهم في حلها، من خلال عمله في مجال الخدمة الاجتماعية، بعد دراسته لعلم الاجتماع، وربما هذا ما حصر أدبه حول «ما يتمناه الناس» وسعيهم لتحقيقه وسط فوضى أيامنا التي تسير بنا عكس أمانينا.

أديب غريب وأحيانًا وحيد

إن استخدامي الدقيق للغة ليست خاصية يابانية، فقد كانت «جين أوستن» و«هنري جيمس» يستخدمان الأسلوب نفسه بنجاح كبير، وأنا بطبيعتي أكره التطويل والتضخيم كما في مسرح الكاوبوي وأفلام كيروساوا، وليس لزامًا عليّ أن أعبر عن قضايا المجتمع الياباني في لندن أو أعكس اهتماماتهم. *كازو إيشيجورا

في روايات كازو يفتقد الغربيون للإحساس بالعمق والتاريخ والتواصل، ويعترف أبطاله اليابانيون بحيرتهم، والتي هي في الغالب انعكاسًا لحيرته الخاصة. فهو يعلم أن الحياة فوضى، لا يمكننا السيطرة على مجرياتها، فيخلع خيوط السيطرة عن حياته ليظل هائمًا بين نهايات متعددة متطرفة، قلق دائم يعيشه القارئ بدلًا من البطل، قلق حياتنا اليومي الذي اعتدناه، وخيبة الأمل التي عهدناها، وافتقارنا -نحن وأبطاله- للشجاعة الكافية لاتخاذ قرارات مهمة في حياتنا، ولكننا ننشغل بالقضايا التافهة، لتخذلنا أبطال كازو في نظرتنا المعتادة عن البطل محرك الأحداث.

كتب كازو في بدايته مجموعة قصصية قصيرة، بالاشتراك مع آخرين، ولكن روايته الأولى بعنوان «منظر شاحب» كتبها عام 1982، ثم جاءت الثانية «فنان من العالم الطليق» في 1986، والروايتان عن اليابان المتخيلة، وهموم البشر المتعايشين مع المأساة.

Embed from Getty Images
كازو إيشيجورا في شبابه

في الرواية الأولى يشق كازو طريقًا بين قلوب أدماها الفقد الشخصي، ليوسع دائرة الألم في روايته الثانية عن حياة معاشة للدفاع عن قضية سياسية خاسرة. ففي الرواية الأولى «منظر شاحب للتلال» استخدم كازو الغرب البريطاني عنصرًا للتحرر والهروب من تحت يد الحياة الضاغطة، ضغط الذاكرة، في محاولة نسيان مأساة ناجازاكي، وتبعاتها. تهرب البطلتان من الماضي للغرب بحثًا عن حياة جديدة؛ تترك «إيتسوكو» زوجها الياباني وتتزوج صحافيًا إنجليزيًا، الزواج الذي تسبَّب في انتحار ابنتها بعد ذلك، و«ساشيكو» أرملة ضحية راح في الحرب، والتي تقع في حب أمريكيّ، يمنّيها بالسفر معه إلى وطنه، ما يسبب معاناةً أخرى لابنتها «ماريكو» والتي تفقد توازنها في صدمة نفسية.

لم يكن الجمع بين وطنين سهلًا، فجعله يتذبذب الشعور بينهما حساسية فرضت التأمل على كازو في حياة من حوله، إنجليز ويابانيون، طبيعتهما المتحفظة جعلته مستقرًا على رزانته واتزان سلوكه، فكان شخصًا شديد التهذيب، يكبح مشاعره وعواطفه الخاصة، غامضًا، ويولي اهتمامًا كبيرًا لمعاني الشرف والكرامة.

بقايا يومنا.. بقايا ذاكرتنا المفخخة

رواية «بقايا اليوم»، الرواية الفائزة بجائزة البوكر البريطانية عام 1989، ترجمها للعربية طلعت الشايب، عن الواقع الخشن، في تقاطع بين الذاكرة الخاصة والتاريخ الوطني عبر رئيس خدم إنجليزي «ستيفنس» والذي يؤدي عمله معتقدًا أنه يخدم الإنسانية، بخدمته للورد «دارلنجتون»، ولكن بالوقت يتضح غير ذلك.

سخَّر «ستيفنس» كفاءته وخبرته لولي نعمته، ليعذبه ولاؤه، بعد بيع قصر سيده لرجل أعمال أمريكي عام 1956، ورحلة رئيس الخدم إلى الغرب في سيارة سيده الجديد لمهمة مهنية، ليضع جل حياته في موضع المساءلة، هل كان اللورد القديم عظيمًا حقًا؟ ما معنى حياتي التي عشتها في عزلة عن الكل دون وظيفتي؟ لماذا تتأجج الأسئلة عن جدوى حياتي كلما ابتعدت عن القصر؟

كانت رحلة «ستيفنس» بالأصل ليقنع مدبرة شئون القصر السابقة «مس كنتون» بالعودة إلى العمل، والتي ربطت الأحداث بين لماذا تهاجمه الأفكار وبين حبه لـ«مس كنتون» التي تركها تتزوج رجلًا آخر، والآن هو يريد استعادتها. كانت قصة الحب هذه القضية الأولى بالرواية، فكانت القضية الثانية بين جنبات القصر نفسه، العمل الهام الذي قام به «ستيفنس» واستخلص منه سببًا لوجوده، واللورد القديم العظيم الذي لم يكن سوى لعبة ماريونت في يد النازيين، ليصارح نفسه بغبائه وضلاله.

تغمر «ستيفنس» مشاعر ضبابية، ورغمًا عنها يسير في الطريق الخطأ، بالضبط مثل الكاتب «كازو»، رزين، ومحترف، ومنضبط، ومنظم، ومخلص فيما يفعله، ليكون الناتج رجلًا غامضًا، قلبه أجوفًا، يرى أمامه ما يريد، ولا يمد يده ليأخذه.

فشلت أن أكون موسيقيًا فكتبت!

جرت أيام كازو به أيضًا عكس أمانيه، فلم تمنحه فرصة أن يكون موسيقيًا، وما أن تراجع حلمه حتَّى بدأ في الكتابة، إلا أنه أبقى على الموسيقى في خلفية رواياته وخاصة روايته التي تتمحور حول عازف بيانو.

في روايته «الذي لا عزاء له» كتبها كازو عام 1995، عن بشر يبنون حياتهم فوق أطلال لا تتحمل، ويضمدون جراحًا لن تلتئم، ويحاولون إصلاح أخطاء وقعت في الماضي وما زالت توابعها تتداعى وحاضرة ومستمرة. البطل «رايدر» عازف البيانو الشهير بشخصيته القلقة والغامضة، وقد وصل إلى مدينة أوروبية للعزف في حفل كبير، لكن -ومع الأحداث- ينسى «رايدر» سبب زيارته الأصلي، ليحل محله تقديمه لمعجزة يستعيد فيها الوجود الجمالي والروحي المفقودين للمدينة.

في ثلاثة أيام قبل حفله، يلتقي «رايدر»، بشخصياتٍ مهمة وبسيطة يعرضون عليه أزماتهم، ويظهرون ويختفون مثل أشباح غرائبية في كرنفال، ومع كل هذه الخيوط يظهر التشابك بين حياة الفنان العامة البازغة مع نسيج أحلام قديمة غير مكتملة. تسكن الأحلام الناقصة قلب العازف، فمع نجمه الحالي إلا أن هناك قصة حزينة تسكن خلفه، قصة طفل مهمل وغير مرغوب فيه، فشل في تحقيق آمال والديه، لتكون كل أزمات من يتوسم فيه القدرة على الحل، انعكاسًا مضببًا لطفولته، وسعيهم لإنقاذها، هو سعي قديم منه لإنقاذ روحه.

لم يبتعد إيشيجورو كثيرًا عن الموسيقى، ففي حوار له مع صحيفة نيويورك تايمز، قال إنه لا يكتب في أيامه سوى الكلمات، يقصد كلمات الأغنيات، فيكتب إيشيجورو، وعازف الساكسفون جيم توملنسن يؤلف الموسيقى ويوزعها، وتغنّيها مغنية الجاز العظيمة ستيسي كنت.

في حواره أيضًا يقول إيشيجورو أنه يكتب الأغنيات منذ أن كان في الخامسة عشرة، وأنه ثمة تداخل كبير بين الرواية والأغنية. فأسلوبه الروائي يأتي بالدرجة الأساسية مما تعلمه من كتابة الأغاني، حميمية المغني المباشرة حينما يؤدي أمام الجمهور تماثل في نظره حالة كتابة الرواية تماثلًا كبيرًا، وكذلك الحاجة إلى تناول المعنى برهافة تصل في بعض الأحيان إلى ضرورة بثه في ما بين السطور، أشياء لا بد لك أن يفعلها وهو يكتب كلمات ليغنيها شخص ما.

حاولت أن أفعل أي شيء ثم عدت

أنت تحتاج أحيانًا لقدر من خداع الذات، يحدث ذلك عندما تكتشف أنك ارتكبت أخطاءً كثيرة، ولا شيء يمكن أن تفعله في هذه الحال سوى أن تخفف عن نفسك بعض الشيء. فالناس يبحثون عن السلوى في العلاقات، في الفن، في العمل. العزاء لا وجود له، لكن بطل الرواية يواصل البحث عنه ويستمر في البحث. *كازو إيشيجورا

في حفل تسلم كازو إيشيجورا وسام الإمبراطورية البريطانية، جائزة صانداي تايمز للتفوق الأدبي في مهرجان شلتنهام البريطاني

هاجم كازو أعماله ووصف سيناريوهاته السينمائية الأربعة بأنها سيئة، شارحًا أن السيناريو ينبغي أن يسرد القصة بالمرئيات المتحركة، لا بالذكريات أو الحوار، «ولطالما راقتني الكتابة عن التذكر والنسيان».

Embed from Getty Images
روايات كازو تتصدر أرفف المكتبات فور إعلان فوزه بجائزة نوبل 2017

على حد وصف «طلعت الشايب» – مترجم روايته بقايا اليوم – لا تغلف أعمال إيشيجورو بالغموض والتحفظ فقط، بل إنه يحاول أن يتلمس السمة التي تحكم الحياة الأوروبية بافتقادها لعنصر الإحساس بالعمق والتواصل، لذا فإن أعماله ما هي إلا نتاج صراعاته الخاصة، فدائمًا ما يخدعنا ويجعلنا مرتبكين إما لنقصٍ في القص أو ضبابية الرؤية، فيترك القارئ وحده أمام النسيج المتشابك للحكاية، كي يشحذ الخيال والذهن ويصل إلى صفاته الخاصة من الحكاية.

أسلوب كازو إيشيجورو غير التقليدي في الحكي جعل بعض النقاد يشبهونه بفنانين مثل «وودي آلن» و«همنجواي» و«سبيلبيرج» لحساسيته، ولإجادته تصوير الفرص الضائعة، والأخطار الناجمة عن سوء الاختيار، وغربة الشخصيات في الحياة، لإثبات أن الحياة غير جديرة بأن تُعاش بدون علاقات مشوشة، وإنكار لذواتنا التي لا نرضى عنها أبدًا.