«أحث الزعماء الكينيين على رفض العنف والتحريض، كما أحث قوات الأمن على التعامل بمهنية ومحايدة، كما أحث الشعب الكيني على العمل من أجل إجراء الانتخابات بصورة سلمية وذات مصداقية؛ تُعزِّز الثقة في دستوركم الجديد ومستقبل بلادكم»

هكذا دعا الرئيس الأمريكي السابق، المنتهية ولايته، باراك أوباما، في ظهور خاصٍ له على ساحة السياسة الدولية من أجل حث الكينيين، شعبًا وأمنًا وقادةً، على نبذ العنف في البلاد، والعمل سويًا من أجل إنجاح انتخابات الرئاسة الكينية لعام 2017. كان ذلك قبل يومٍ واحد فقط من يوم التصويت في انتخابات الرئاسة الكينية.

تصريحٍ كهذا، في الوقت الحالي، وسط جميع المعارك المحلية والدولية التي تشارك فيها الولايات المتحدة الأمريكية، دون تعليقات من أوباما، أو بتعليقات قليلة، على أزمات الولايات المتحدة نفسها ربما يرجع إلى طبيعة الانتخابات الكينية، وخوفًا من تكرار العنف مثلما حدث في انتخابات سابقة، وربما يعود إلى الأصول الكينية للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما؛ حيث إن والده، باراك حسين أوباما، كيني الأصل، ويحمل الجنسية الكينية، وعاش فيها ومات فيها، وربما يرجع لكليهما، ولكن المؤكد أن ظهور أوباما وحديثه عن كينيا وانتخاباتها الرئاسية هو أمر غير مسبوق؛ بحسب الوصف الذي استخدمته جريدة نيويورك تايمز الأمريكية.

الانتخابات الكينية حدثت وانتهت، ولكنها خلَّفت أحداث عنف كبيرة في البلاد؛ مما يوحي بالخطر والخوف من المستقبل، وذلك خوفًا من تكرار المأساة التي حدثت في أعقاب انتخابات الرئاسة عام 2007، والتي قُتل على إثرها أكثر من 1300 شخص، وشُرِّد أكثر من 600 ألف شخص في كينيا، وذلك بسبب الاقتتال الأهلي نتيجة الانتخابات الرئاسية حينها، وفي هذا التقرير نقدم لك كل ما قد تريد أن تعرفه عن الانتخابات الكينية 2017؛ مرشحيها، ونتائجها، وأحداثها، والعنف الذي صاحب الانتخابات؛ سواء قبلها أو بعدها، وردود الفعل الدولية عليه.

1- متى حدثت الانتخابات الكينية؟ ومن هم أبرز مرشحيها؟

توجَّه الكينيّون إلى صناديق الاقتراع في يوم الثامن من أغسطس (آب) 2017 الماضي، وذلك من أجل الإدلاء بأصواتهم في انتخابات الرئاسة الكينية، واختيار رئيسًا من بين المرشحين ليشغل منصب الرئاسة لمدة خمس سنوات قادمة، بالإضافة إلى انتخاب نائبًا للرئيس، وأعضاء البرلمان بغرفتيه؛ مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية، بالإضافة إلى انتخاب أعضاء الحكومة المحلية.

ويأتي كل مرشح رئاسي بزميل الترشيح (المرشح لمنصب نائب الرئيس) مثلما هو الحال في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وينص الدستور الكيني على إجراء الانتخابات الرئاسية يوم الثلاثاء من الأسبوع الثاني من شهر أغسطس (آب) كل خمسة أعوام.

تنافس على الانتخابات الرئاسية الكينية لعام 2017 ثمانية مرشحين؛ على رأسهم الرئيس الكيني الحالي أوهورو كينياتا، بالإضافة إلى زعيم المعارضة رايلا أودينجا، المرشح عن تحالف السوبر الوطني الكيني (ناسا)، بالإضافة إلى ستة مرشحين آخرين هم جوزيف نياجا، ومحمد ديدا، وجون أوكوت، وجافيث كالويو، وسايرس جيرونجو، ومايكل موورا.

وفي الواقع، ما يهم من ضمن هؤلاء أول اسمين فقط؛ فهما المرشحين الأبرز في هذه الانتخابات؛ الرئيس الحالي، وزعيم المعارضة، فكانا هما أصحاب الفرص الكبيرة والحقيقية لتولِّي منصب الرئاسة؛ إمَّا لفترةٍ رئاسيةٍ جديدةٍ ثانية في حالة الرئيس كينياتا، والذي تولى منصب الرئاسة منذ التاسع من إبريل (نيسان) عام 2013، أو لفترة رئاسية أولى ولأول مرة في تاريخه في حالة أودينجا.

وكان الرئيس الحالي والمرشح لرئاسة كينيا لفترة رئاسية جديدة، كينياتا، قد اتخذ ويليام روتو نائبًا له، ورفيقه في مشوار الانتخابات؛ بينما اتخذ زعيم المعارضة، أودينجا، كالونزو موسيوكا نائبًا له ورفيقًا للترشح.

2- كيف جاءت نتائج الانتخابات؟ وما هو الموقف الدولي منها؟

بالرغم من تقاربهما، أو تساويهما في بعض الحالات، في معظم استطلاعات الرأي التي جرت في كينيا قبل إجراء الانتخابات نفسها، إلا أن اللجنة العليا للانتخابات في كينيا قد أعلنت يوم الجمعة الماضية، الذي وافق 11 أغسطس (آب) 2017، فوز الرئيس الحالي أوهورو كينياتا بولاية رئاسية جديدة، البالغ من العمر 55 عامًا فقط، وذلك بعد أن حصل على على حوالي ثمانية وربع مليون صوت، جعلت منه فائزًا بالانتخابات بنسبة 54.17%، وذلك في مقابل أقل من سبعة مليون صوت لمنافسه الرئيسي، وزعيم المعارضة، رايلا أودينجا، البالغ من لعمر 72 عامًا، والذي حصل على نسبة 44.94% فقط، بينما حصل المرشحون الستة الآخرون على النسبة الضئيلة المتبقية، والتي تُقدَّر بـ0.89%، وبذلك يفوز ويليام روتو؛ رفيق الترشح مع الرئيس كينياتا، بمنصب نائب الرئيس أيضًا.

 

ردود الفعل الدولية جاءت مؤيدة لنتائج اللجنة العليا للانتخابات، ومُهنئة للرئيس كينياتا بفوزه بفترة رئاسية جديدة؛ حيث أعلن الاتحاد الإفريقي على لسان ثابو مبيكي، رئيس بعثة الاتحاد إلى كينيا للإشراف على الانتخابات الكينية 2017، إن الاتحاد يشيد بالشعب الكيني على إجراء الانتخابات الرئاسية في بيئة سلمية لتظهر بهذا الشكل؛ حيث شارك في الانتخابات أكثر من 19 مليون مواطن كيني.

من جانبها، أثنت البعثة التي يرأسها جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي السابق، ممثلًا عن مركز كارتر لأبحاث السلام، على دور السلطة القضائية طوال العملية الانتخابية، مؤكدةً أن الانتخابات الرئاسية الكينية جرت بصورة سلمية تستحق الإشادة، كما أكد كيري ضرورة التعامل مع أي شكاوى ضد الانتخابات في إطار القانون فقط، وعدم الاتجاه للعنف بأي شكل من الأشكال.

 

وقد اعتبر فريق المراقبين المُرسَل من قِبل الاتحاد الأوروبي أن الانتخابات الرئاسية في كينيا حرة ونزيهة، مشيدًا بدور اللجنة العليا للانتخابات، والتي كانت مستقلة في إدارتها للانتخابات، وهو نفس رد الفعل التي عبَّرت عنه مجموعة دول الكومنولث؛ حيث أعلن رئيس مجموعة مراقبي الكومنولث على الانتخابات الكينية، الرئيس السبق لغانا، جون ماهاما، إن الانتخابات، التي شملت انتخابات الرئاسة، والبرلمان، والحكومات المحلية، وغيرهم، كانت ذات مصداقية شاملة، فضلًا عن نزاهتها، داعيًا أي شخص من المعترضين على النتيجة إلى ضبط النفس.

ولم يختلف كثيرًا رد فعل مجموعة شرق إفريقيا، عن رد فعل الاتحاد الأوروبي، ومجموعة دول الكومنولث؛ حيث قالت على لسان رئيس بعثتها إلى كينيا، إدوارد روجومايو، إن الانتخابات أجريت بصورة حرة ونزيهة.

3- كيف ردت المعارضة على نتيجة الانتخابات؟

رفض تحالف السوبر الوطني الكيني (ناسا)، والذي يمثله السيد أودينجا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي جرت الأسبوع الماضي، نتائج الانتخابات التي أعلنتها اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية الكينية 2017، والتي خسر فيها بعدما حاز على 44% فقط من الأصوات، مقابل أكثر من 54% للرئيس الحالي، ليصبح الأخير فائزًا بالانتخابات ومنصب الرئاسة لفترة حكم جديدة تستمر خمس سنوات.

وكان زعيم المعارضة الخاسر في الانتخابات، رايلا أودينجا، قد رفض الاعتراف بهزيمته في الانتخابات أمام الرئيس، مشيرًا إلى أن إعلان اللجنة العليا للانتخابات فوز الرئيس هو قرار خاطئ، وسيقود البلاد إلى العنف.

الجدير بالذكر أن أنصار المعارضة الكينية، وهم أنصار السيد أودينجا، قد خرجوا في شوارع العاصمة الكينية، نيروبي، من أجل الاحتفال بالأخبار التي بثها لهم أحد أعضاء التحالف الذي يخوض أودينجا الانتخابات تحت مظلته، وذلك يوم الخميس الماضي، الذي وافق 11 أغسطس (آب) 2017، قبيل إعلان نتائج الانتخابات بيومٍ واحد فقط.

يأتي هذا بعدما قال موساليا مودافادي، أحد أعضاء تحالف المعارضة، إن معلومات من مصادر سرية في لجنة الانتخابات أظهرت أن أودينجا حقق الفوز بفارق أقل من 300 ألف صوت، ولم يقدم دليلًا، لكنه طالب بإعلان فوز أودينجا؛ وبعد ذلك بدقائق خرج المئات من أنصار أودينجا، إلى الشوارع في البلاد من أجل الاحتفال، غير أن لجنة الانتخابات الرئاسية أكدت أن هذه المزاعم تدعو للسخرية؛ وذلك نظرًا لفرز أكثر من 99% من الأصوات التي أشارت إلى فوز الرئيس الحالي بفترة رئاسية جديدة.

4- كيف اتخذت المعارضة من هيلاري كلينتون والحزب الديمقراطي نموذجًا يُحتذى به؟

هل تذكرون الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي فاز فيها مرشح الحزب الجمهوري، والذي أصبح الرئيس الحالي دونالد ترامب، على منافسته مرشحة الحزب الديمقراطي، هيلاري كلينتون؟

بالرغم من اعتراف هيلاري كلينتون بخسارتها أمام دونالد ترامب في الانتخابات، إلا أن هناك قضيةٍ ما زالت سارية إلى وقتنا هذا، وجرى التحقيق فيها، ألا وهي قضية التجسس على حسابات إلكترونية لأعضاء حملة هيلاري كلينتون، وأعضاء من الحزب الديمقراطي، وهي القضية المتهم فيها روسيا؛ حيث اتُهم ترامب بالتخابر مع روسيا، وتدخلها لصالحه في الانتخابات الأمريكية من أجل مساعدته على الفوز في الانتخابات.

وبالعودة إلى كينيا، يبدو أن السيد أودينجا كان من المتابعين الجيدين لهذه القضية؛ حيث اتخذ منها مثالًا يمكنه بناء حُجته عليه؛ فقد اتهم أدوينجا، الرئيس كينياتا، بسرقة الانتخابات منه، وتزويرها عن طريق التجسس على حملته الرئاسية، نافيًا أن يكون الرئيس كسب هذه الانتخابات دون تزوير، وذلك بالرغم وجود فارق يزيد عن مليون وربع صوت انتخابي بين نسبة التصويت لصالح الرئيس كينياتا وبينه.

الفارق الوحيد الذي يكمُن هنا بين كلينتون وأودينجا هو أن كلينتون تقبلت نتيجة الانتخابات في البداية، ثم دعت إلى فتح تحقيق في القضية، ولكن أودينجا لم يقبل نتيجة الانتخابات، وإنما أصدر اتهاماته دون محاولة أدلة، داعيًا أنصاره إلى النزول إلى الشوارع والإضراب عن العمل، والمواصلة من أجل الضغط على اللجنة العليا للانتخابات لإعلان فوزه بالرئاسة بدلًا عن الرئيس.

اقرأ أيضًا: حربٌ تجارية ضد روسيا وإقالات في البيت الأبيض: هل كُشف سر ترامب؟

5- كيف بدأ العنف في الانتخابات الرئاسية الحالية؟

العنف في هذه الانتخابات الكينية بدأ من قبل الانتخابات نفسها؛ ففي يوم 27 من شهر يوليو (تمّوز) 2017، أي قبل موعد إجراء الانتخابات بأقل من أسبوعين، عُثر على جثتين لقتيلين في ضواحي العاصمة الكينية، نيروبي، كانت إحداهما تنتمي لكريستوفر مساندو، رئيس المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا في اللجنة العليا للانتخابات، وهو الشخص الذي عمل طويلًا على تطوير نظام التصويت من أجل تسهيل هذه العملية على المواطنين في الانتخابات الرئاسية.

وقد أظهرت جثته علامات تعذيب واضحة، إلا أنه لم يتم كشف الأسباب أو مرتكبي الحادث بعد. الجدير بالذكر أن الجثة الثانية كانت لفتاة تبلغ من العمر 21 عامًا تُدعى ماريان نجومبو، وقد عرض كل من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (إف بي آي)، ومكتب التحقيقات الإنجليزي (سكوتلاند يارد) المساعدة في التحقيق في هذه الجريمة.

وبالاستمرار في الحديث عن العنف في الأيام القليلة قبل الانتخابات؛ فقد تعرَّض منزل نائب الرئيس، ويليام روتو، لهجوم من قِبل مسلحين بعدد من الأسلحة البيضاء في يوم 29 من شهر يوليو (تمّوز) 2017، أي قبل الانتخابات بحوالي عشرة أيام، وبعد يومين فقط من العثور على جثة السيد كريستوفر مساندو، لم يتعرض نائب الرئيس للضرر في هذا الهجوم؛ وذلك نظرًا لغيابه هو وأسرته عن المنزل حينها، ولكن من تعرَّض للإصابة هم حُرَّاس المنزل نفسه؛ فقد تعرَّض الحارس الأول للإصابة من قبل أحد المهاجمين، بل واحتجز الحارس، وأخذه كرهينة لبضع ساعات، ثم قتله، وذلك قبل أن تهجم عليه قوات الأمن الكينية الخاصة، وتطلق عليه النيران هو الآخر.

لم تكن الدوافع معروفة أيضًا في هذه القضية حتى الآن، كما أنها أثارت الرأي العام الكيني؛ وذلك نظرًا لإمكانية تفوق المهاجم على الحراس المنتمين للشرطة، بل احتجاز أحدهم لفترة وصلت إلى 18 ساعة!

وأمَّا بالنسبة للعنف فيما بعد إعلان نتيجة الانتخابات بفوز الرئيس كينياتا بولاية ثانية، فقد اندلعت أعمال العنف خلال هذا الأسبوع في أماكن مختلفة في البلاد؛ مما أدى إلى مقتل ما يزيد عن 24 شخص حتى الآن، من ضمنهم فتاة تبلغ من العمر تسعة سنوات فقط، قُتلت برصاصة خاطئة من الشرطة يوم السبت، وآخرى تبلغ من العمر ستة أشهر فقط، توفيت إثر اختناقها بالغاز المسيل للدموع.

الجدير بالذكر أن جميع الضحايا قُتلوا بالرصاص، وذلك خلال المواجهات بين أنصار السيد أودينجا، والشرطة الكينية، وذلك بالرغم من تأكيد وزير الداخلية، فرد ماتينياني، يوم السبت، على أن الشرطة «لم تفرط في استخدام القوة»، مؤكدًا أن أعمال العنف تعود إلى «عناصر إجرامية حاولت استغلال الوضع عبر نهب الممتلكات وتدميرها».

من جانبه، أكد الرئيس الفائز بولاية رئاسية جديدة، في تغريدة على حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» أنه يجب أن يتذكر الكينيّون إخوانهم السابقين؛ ويقصد أولئك الذين قُتلوا في أحداث العنف عقب انتخابات الرئاسة عام 2007.

المصادر

تحميل المزيد