على الرغم من أن زيارته إليها كانت مقررة قبل أكثر من ثمانية أشهر، إلا أن الكثير من المراقبين يقرأون في الزيارة التي يقوم بها وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، إلى الجزائر هذا الأسبوع، “تأييدًا” ضمنيًّا لاستمرار النظام الجزائري الحالي، وإن كان يقوده رئيسٌ عليلٌ ويخوض حملته الانتخابية لأجل “عهدة رابعة” فقط بالمراسلة، ربما في سابقة هي الأولى في التاريخ السياسي الحديث.

لماذا كيري في الجزائر؟

زيارة المسئول الأمريكي إلى الجزائر، والتي تبدأ يوم غد الأربعاء، ستتلوها زيارة أخرى إلى البلد الجار المغرب، ويلتقي خلالهما مسئولي كلاً من الجزائر والرباط، في إطار زيارة كانت مدرجة مسبقًا خلال السنة الماضية (2013) ضمن أجندة كيري، غير أن قدوم الأخير هذه الأيام إلى الجزائر، في وقت تشهد فيه البلاد حملة انتخابية حول رئاسيات 17 أبريل المقبل، التي تثير نقاشًا كبيرًا، يجعل “شُبهة” دعم واشنطن للنظام الجزائري، الذي يصر على البقاء في شخص الرئيس عبد العزيز بوتفليقة المرشح لولاية رئاسية رابعة، يجعل هذه الشبهة قائمة، خاصة إذا أخذنا بالاعتبار كون الجزائر رفضت استقبال مسئولين أوروبيين، آخرهم وزير الدفاع الفرنسي، بدعوى انشغال ساسة الجزائر بالحملات الانتخابية، في الوقت الذي فسر الكثير من المراقبين بأن ذلك الرفض كان ردًّا على “رفض” الاتحاد الأوروبي إيفاد مراقبين يتابعون الانتخابات الرئاسية الجزائرية، وهو ما يعتبر “ضمنيًّا” عدم اعتراف مبدئي بتلك الانتخابات لغياب “النزاهة” و”حرية المنافسة”.

انطلاقًا من القراءة الأخيرة يصبح من الطبيعي وآليًّا إعادة قراءة وتمحيص الموقف الأمريكي من “الربيع العربي”، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن التأويلات التي أُعطيت لزيارة كيري للجزائر، من قبل الإعلام الجزائري والمقربين من حملة عبد العزيز بوتفليقة، توحي بكون واشنطن أعطت “الضوء الأخضر” لاستمرار النظام الجزائري “المريض” والذي تسيطر فيه المؤسسة العسكرية على مقاليد الحكم، منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، عندما تمت الإطاحة بـ”الجبهة الإسلامية للإنقاذ” التي فازت بنتائج ساحقة في الانتخابات الجماعية والتشريعية وقتها.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أيضًا الموقف الرسمي الجزائري “المناهض” للحراك الشعبي العربي، كما تبين بالملموس من خلال “رفض” و”عدم الترحيب” بالثورتين التونسية والليبية تحديدًا، المجاورتين للحدود الجزائرية، وكذا كما تبين مؤخرًا من خلال تزعم الجزائر للرافضين منح مقعد سوريا لائتلاف المعارضة السورية، في الجامعة العربية، في القمة العربية الأخيرة في الكويت، يصير من السهل علينا اكتشاف ذلك “الوجه البشع” لساسة واشنطن، الذين لطالما ولا زالوا يلوحون بورقة الديمقراطية المفترى عليها، في حين يدعمون أنظمة شمولية وعسكرية، بطريقة أو بأخرى، وغض الطرف عن مطالب الشعوب، ولا سيما منها العربية، بالانعتاق والحرية والديمقراطية.

صفقة أمريكا..

الصمت الأمريكي على “معاناة” الشعوب العربية مع الدكتاتورية والنظام العسكري، لم يعد خفيًّا على أحد؛ وبعد التجربة المصرية المريرة التي جعلت حكمًا ديمقراطيًّا هو الأول في تاريخ أمة وشعب يلقى “حتفه” بتلك الطريقة التي يعرفها الجميع، ها هي الولايات المتحدة الأمريكية تعلنها صراحة، وبعكس أوروبا التي تبدي بعض التحفظ ولم تعلن موقفها بعد، بأن “أمر الديمقراطية” لا يهمنا، ولكن تهمنا “مصالحنا” التي تزخر بها بلادكم.

هنا أصبحنا نتحدث عن “صفقة” نظام شمولي عسكري مع نظام أمريكي يرفع كل الشعارات البراقة حول الحريات والديمقراطية، دون أن يكترث بهذه الديمقراطية والحريات عندما تداس بأحذية العسكر في البلاد العربية؛ والحديث عن “الصفقة” هو مأخوذ من تصريحات مؤيدين ومعارضين للانتخابات الرئاسية الجزائرية الحالية؛ بحيث اعتبرت مرشحة حزب العمال اليساري لرئاسيات 17 أبريل المقبل، لويزة حنون، أن زيارة كيري هي “صفقة خفية مع النظام الحالي لغض الطرف عن التجاوزات التي تحصل في الانتخابات الرئاسية”.

وبدوره فإن رئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية “الإخوان المسلمون” – كما ينعتون – عبد الرزاق مقري، والذي تقاطع حركته الانتخابات الرئاسية، رفض التعليق على الزيارة التي يقوم بها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، وإن أبدى في إحدى تصريحاته “استغرابه” من “هذه الزيارة التي لم نتعود على مثلها في هذا الوقت بالذات”، كما قال.

المصلحة !

يبدو أن واشنطن بالرغم من مواقف السياسيين المطالبين إياها بالوقوف على مسافة واحدة، وبالرغم من أن رئيس دبلوماسيتها، تلقى قبل حلوله بالجزائر سيلاً من رسائل الاحتجاج والدعوة إلى الانتصار لمبدأ تقرير المصير الذي يطالب به الشعب من خلال رفع الجيش يده على السلطة، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، مع ضرورة إعادة الفصل 74 الذي ينص على أن تكون الولاية الرئاسية مرتين فقط، كما كان على عهد الرئيس السابق الأمين زروال، قبل أن يلغي المادة الرئيس بوتفليقة؛ بالرغم من كل ذلك فإن واشنطن تريد أن تقف موقف المحايد السلبي، إن لم يكن موقف المؤيد للسلطة القائمة!

ولعل هذا ما جعل الأستاذ الباحث في معهد الدراسات الأوروبية بجامعة جنيف، حسني عبيدي، يصرح ليومية “الخبر” الجزائرية، في عدد يوم الإثنين، بأن واشنطن تعرف أن بوتفليقة كشخص ليس الحاكم الفعلي وإنما النظام السلطوي الذي أسسه الرئيس، وبالتالي أمريكا لا تدعم مباشرة العهدة الرابعة وإنما هي راضية على الوضع القائم”، وبرأي الأستاذ عبيدي فإن “محيط بوتفليقة يقوم منذ فترة بالترويج له في الكونغرس والخارجية الأمريكية ولدى الشركات النفطية على أن بوتفليقة الأقدر على حماية مصالح واشنطن”.

إنه منظار “المصلحة” الذي تنظر به ومن خلاله واشنطن إلى البلدان العربية، وأما الديمقراطية فحلال علينا وحرام عليكم.. هكذا يكاد ينطق لسان حال الساسة الأمريكان!

عرض التعليقات
تحميل المزيد