فوق أرض سوريا، والتي تشهد منذ عام 2011 صراع سياسي عسكري يتطور بين لحظة وأخرى، عبر تداخل قوى محلية وغربية أدق تفاصيله، دون تحديد وجهة واضحة إلى ما ستؤول إليه الأوضاع حتى اللحظة، بالرغم من سقوط مئات الآلاف من القتلى والجرحى، فضلًا عن نزوح الملايين منهم إلى دول عربية وأوروبية.

كثير من المشاورات والمؤتمرات والاتفاقات والهدن المعلنة بين الفينة والأخرى من قبل الأطراف المتورطة داخليًا وخارجيًا في الأزمة السورية المتفاقمة؛ لوضع سيناريو الخروج مما وصلت إليه البلاد، بيد أن الواقع يشير إلى مزيد من التشتت والضياع.

وبنظرة إلى خارطة الصراع الدائر في سوريا، يُمكن رؤية أن معظم المناطق السورية، تقع ضمن «محاصصة» محلية وعربية وحتى دولية، لم ينته المستفيدون من حسمها بعد، الأمر الذي أثار تساؤلات عدة حول هدف كل واحدة من الدخول في سجال سياسي وأمني جاء بعواقب وخيمة على السوريين.

آخر المقترحات الدولية بشأن سوريا، هي خطة واشنطن وموسكو، والقاضية بإرساء تعاون استخباري عسكري بين أمريكا وروسيا؛ لمواجهة كل من «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، و«جبهة النصرة»، الأمر الذي أثار حفيظة بعض المعارضين للسياسة الأمريكية في التعاطي مع روسيا المنتهكة لحقوق الإنسان داخل سوريا، حسب وجهة نظرهم.

ما هي خطة كيري ولافروف؟

وكانت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، قد تبادلا خلال السنوات القليلة الماضية اقتراحات بشأن الحل في سوريا، فمؤخرًا كان التنسيق حول تنفيذ ضربات جوية ضد «تنظيم الدولة»، ضمن تحالف دولي تقوده أمريكا.

اليوم توسع التنسيق أكثر، وأصبح كل طرف يضع خطة تمهد الطريق إلى حل في سوريا، حتى بدأت الدولتان، أواخر عام 2014، البحث جديًا في خطة تقسيم سوريا إلى (كانتونات)، أو مناطق إدارية متفرقة لكل منها سلطاته التنفيذية والتشريعية والقضائية المستقلة، ضمن محاولة لإدارة الصراع.

معارضون سوريون اجتمعوا وقتها مع ممثلين من موسكو بمشاركة وفد أمريكي، وممثل عن إيران رفض المقترح، والذي ينص على استحالة إنهاء الصراع حاليًا لصالح أي من الطرفين (الأسد أو المعارضة)، وهو ما يعني الإقرار باستمرار الحرب لعدة سنوات مقبلة.

استمرار الحرب ـ حسب وجهة نظر الأطراف المشاركة ـ يعني إقامة مناطق آمنة داخل سوريا؛ لتكون كيانات مستقلة عن القوى المتصارعة في الداخل السوري؛ تضمن للاجئين السوريين الحماية، سواء من قبل قوات رئيس النظام السوري، «بشار الأسد»، أو القوى المعارضة المتشددة.

ولم يفصح وزير الخارجية الأمريكي، «جون كيري»، بالضبط عن حقيقة خطة التقسيم للأراضي السورية، التي كان يقصدها؛ حينما لوح إليها قبل خمسة أشهر من الآن، بالتزامن مع حديثه عن صعوبة الحفاظ على سوريا موحدة حال فشل وقف إطلاق النار، وفشل الاتفاقات والمبادرات التي توضع من أجلها، والذي اعتبرت تصريحاته آنذاك تمهيدًا لوضع خطط جديدة حول سوريا.

لذلك، فإن الحديث حول تقسيم سوريا ليس وليد الأيام أو الأسابيع الأخيرة؛ إذ إنه منذ
التدخل الروسي في سوريا أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فإن جدلًا كبيرًا يدور حول إذا ما كان هناك خلاف حقيقي بين الغرب، أو الولايات المتحدة على وجه التحديد، وبين روسيا بشأن الأطر الاستراتيجية للحل في سوريا.

وبالتالي، مثل هذه المقترحات كانت السرية تخيم عليها في بعض الأحيان، لكن الخطة الأخيرة أخذت زخمًا وتعاطيًا أكثر من قبل أطراف عدة، وبالتالي خلال أسابيع مقبلة سيوضع تصور لسبل تبادل الدولتين معلومات المخابرات من أجل تنسيق الضربات الجوية ضد ما أسموه «الإرهاب».

المؤيدون والحلفاء لأمريكا يرون أن الخطة فرصة لتقليص القتال الذي يدفع بالآلاف من السوريين ومعهم بعض مقاتلي «تنظيم الدولة» المدربين إلى التدفق نحو أوروبا، إلى جانب منع وصول المساعدات الإنسانية إلى عشرات الآلاف من الآخرين.

الخطة التي جاء فيها تكثيف تنسيق المعلومات الاستخباراتية بين روسيا وأمريكا، والضربات الجوية ضد جبهة النصرة جناح تنظيم «القاعدة» في سوريا ومنع سلاح الجو السوري من مهاجمة جماعات المعارضة المعتدلة، تشير حسب مراقبين إلى أنه لا مفر من التعاون مع روسيا في هذا الإطار.

وسيندرج ضمن الخطة وضع خارطة تكشف مناطق التواجد لعناصر جبهة النصرة في المدن السورية، وتمركز نظرائهم من «تنظيم الدولة» أيضًا، ومن ثم يتم التنسيق على كيفية توجيه الضربات الجوية والقضاء عليهما.

لماذا الشكوك حول الخطة المقترحة؟

المنتقدون للخطة الأخيرة وهم معارضون للسياسة الأمريكية في المنطقة لا يريدون لبلادهم الدخول في شراكة مع روسيا داخل سوريا لوجود انتهاكات عدة ارتكبتها القوات الروسية بحق المدنيين السوريين في كثير من الأحيان.

ووفقًا للوضع المتأزم في سوريا والذي يزداد صعوبة وتعقيدا يوما بعد يوم فإن الخطة الأخيرة ستترك للروس والسوريين مطلق الحرية في استخدام القوات البرية ونيران المدفعية ضد الجماعات المعتدلة التي تحارب قوات الحكومة السورية.

في السياق نفسه، فإن هناك صعوبة لدى القائمين على الخطة حول تنفيذ أبرز بنودها، وهو استهداف جبهة النصرة؛ إذ من الصعب تحقيق ذلك؛ لأن المقاتلين منها يمتزجون بمقاتلين آخرين يتبعون لجماعات معارضة أكثر اعتدالًا وتدعمها أمريكا أيضًا.

يعتقد المنتقدون للخطة أيضًا، أن هناك مشكلتين ستواجه «كيري«، الأولى أن هدف الروس في سوريا لا يزال، إما إبقاء الأسد في السلطة، أو إيجاد خليفة ما مقبول بالنسبة إليهم، فيما الثانية أن «بوتين« أثبت مرارًا – ليس فقط في سوريا – أنه لا يمكن الوثوق به في احترام أي اتفاق يبرمه؛ إذا قرر أنه لم يعد في مصلحة روسيا، كما جرى في بعض الاتفاقات الأخيرة، والتي تلاها خرق للهدنة، وعودة مجددًا للقصف الجوي والبري.

أيا كانت مضامين الاتفاق، فإنها لن تقدم إغاثة سريعة للمدنيين المحاصرين ضمن الصراع الدائر منذ خمس سنوات متواصلة، وبالتالي في حال تم إقرار الخطة حسب الطرف الروسي فإنها ستكون لفترة قصيرة حتى تتولى الإدارة الأمريكية الجديدة زمام الأمور.

ما مدى جدية الطرفين للالتزام بالخطة؟

«روبرت فورد»، السفير الأمريكي السابق لدى سوريا، وهو الآن زميل بارز في معهد الشرق الأوسط للأبحاث في واشنطن، حسب وجهة نظره، فإن الواضح بالنسبة إليه أن الروس لا يمكنهم تنفيذ الجانب الخاص بهم في الاتفاق، وهو الأمر الذي أثار شكوك العديد من قراء السياسة في أمريكا والمعارضين لها من الأوروبيين.

قد يكون حديث السفير الأمريكي السابق فورد، نابع من جملة الانتهاكات الروسية لاتفاق وقف إطلاق النار، وخرق الهدن الموقعة؛ حيث كان بوتين، قد أعلن في شهر مارس (آذار) عن انسحاب القسم الأساسي من القوات الروسية بعد أيام على بدء هدنة بين قوات الحكومة والمعارضة توصلا إليها بدفع من موسكو وواشنطن.

هل اتفق الغرب وروسيا على تقسيم سوريا؟


لكن ما حدث هو زيادة التواجد العسكري للقوات الروسية داخل الأراضي السورية، واستمرار عمليات القصف الجوي والبري، وهو ما اعتبرته أمريكا وقتها دعمًا عسكريًا كبيرًا لنظام الأسد، وأن وقف إطلاق النار يبقى الأفضل لحل سلمي متفاوض عليه.

في أواخر العام الماضي أيضًا أعلنت روسيا أنها ستقدم مبادرة للأمم المتحدة لما أسمته «حل الأزمة السورية ومواجهة الإرهاب» خلال افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة، تشتمل على مراحل ثلاث، الأولى تنص على ضرورة توحيد جميع الأطراف لضرب «داعش« في سوريا تحضير اللاتفاق السياسي لحل الأزمة.

بينما المرحلة الثانية فكانت على المستوى الخارجي عبر دعوة القوى الإقليمية والدولية المؤثرة للضغط على المجموعات المسلحة من أجل القبول بالحل السياسي، وبالتالي فإن الأخيرة تشمل على توحيد الجهود الإقليمية والدولية لوقف تمويل المجموعات المسلحة، ومنع عبور المسلحين عبر حدود الدول المجاورة لسوريا.

لم يتم تنفيذ أي من بنود المبادرة على الأرض، بل ازداد الأمر سوء وصعوبة عبر تداخل قوى محلية وعربية، وحتى غربية في الصراع السوري، وارتفاع رصيد المبادرات والاتفاقات المختلف في نصوصها أحيانًا كثيرة مع المعارضة السورية؛ كونها طرفًا أساسيًا في أي اتفاق يطرح.

حتى الجهود الأمريكية لإيجاد حل في سوريا والمتمثلة في التحالف الدولي للقضاء على «داعش» لم تؤت ثمارها حتى اللحظة، بل زادت من تغول التنظيم ونظرائه في معظم المدن السورية، وبات انحسار القوات التابعة للنظام السوري واضحًا في الفترة الأخيرة.

أمام هذه المبادرات شعرت العديد من القوى الأوروبية في المنطقة، والأطراف التي تنتظر حلولًا واقعية للسوريين بخيبة أمل؛ لعدم إيجاد حل مرحل للصراع، وإخفاق الإدارة الأمريكية تحديدًا في إقناع الروس بضرورة تنحي الأسد عن منصبه.

في تحليل أعده مركز الشرق للبحوث مؤخرًا، بعنوان «مبادرة إنقاذ سوريا والجدل بين جماعات المعارضة»، لفت إلى أن ما يثير الغضب أن جميع اللاعبين، بغض النظر عن السوريين الذين يلاقون حتفهم في ساحات القتال أو في القوارب أو مخيمات اللاجئين، يتمتعون بلعبة «الروليت» الروسية المجنونة التي تتحدى أي تعريف للعبثية.

وذكر المركز أن سوريا مقبلة على حل سياسي أو عسكري، يحتاج تحقيق أحدهما إلى كثير من الأحداث، لكن وحسب ما استقرأه أن هناك خيارًا افتراضيًا ثالثًا، ألا وهو نشر القوات الروسية التي تتشكل على أسس محددة من ترسيم حدود ضمن «خطة إيرانب»، والتي تنص على الحفاظ على بعض المناطق الغربية، وتحصين الدفاعات حولها، ثم ضرب المعارضة في أي مكان آخر تتجمع فيه وتجبرها على التحرك إلى الغرب.

ماذا قدمت موسكو وواشنطن للمعارضة السورية؟

من المتعارف عليه أن روسيا تدعم النظام السوري والأحزاب المؤيدة له، فيما الولايات المتحدة الأمريكية تدعم فصائل تراها من وجهة نظرها أنها معتدلة، ومن أبرزها دعمها لوحدات حماية الشعب الكردية، بالرغم من أنها تصنف كجماعة «إرهابية» بأمريكا، مع الاتهام بانتهاكات لحقوق الإنسان ضد المواطنين السنة في شمال سوريا.


الاتفاق بينهما يكمن في توجيه ضربات جوية ضد «داعش«، والمتمثل بالتحالف الدولي الأخير، لكن الخلاف على آلية رحيل الأسد، فأمريكا تشكك ـ حتى اللحظة ـ في إمكانية نجاح روسيا تحقيق سلام آمن في سوريا مع الاحتفاظ بعمود النظام السوري.

الطرفان يستثمران الانشقاقات الجارية في صفوف المعارضة السورية، لذلك حسمت أمريكا خياراتها في سوريا بالقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، ولم تعد مسألة رحيل الأسد تتمتع بأهمية، ولا تحظى بأولوية.

لذلك، ارتأت أمريكا لتحقيق أهدافها بدعم الأكراد، وبعض القوى والعشائر السنية السورية؛ إذ أسفرت جهودها العام الماضي عن تشكيل جديد تحت اسم «قوات سوريا الديمقراطية».

الكاتب السياسي «حسن أبو هنية»، في مقال له حول «أمريكا وروسيا وتفتيت المعارضة السورية» يرى أنه ثمة اتفاق أمريكي روسي على التخلص من المعارضة السورية المسلحة التي لا تخضع للشروط والإملاءات، والقبول بالحل الكارثي الذي يستند إلى إعادة تأهيل نظام الأسد، وقد استسلمت الأطراف الإقليمية الداعمة للثورة السورية لتلك الرؤية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد