نشر الكاتب جون جورمان في مايو (أيار) عام 2019 تدوينته الشهيرة: «30 عامًا من الاكتئاب؛ انتهت!» والتي يحكي فيها عن تجربته مع المشاكل النفسية التي أصابته منذ طفولته مثل الاكتئاب ومتلازمة القلق العام واضطراب الوسواس القهري. 

يحكي جورمان أنه كان يعيش في الاكتئاب منذ طفولته؛ لكن عندما وصل إلى سن المراهقة بدأ الاكتئاب وغيره من المشاكل النفسية التي كان يعاني منها تؤثر في حياته بشكل قوي وحولتها إلى جحيم -كما يصفها-، ويقول جورمان إنه تسرب من التعليم الجامعي مرتين، انفصل عاطفيًا بعد علاقات طويلة الأمد ست مرات، ورُفد من عمله أكثر من مرة، ونقلته عربات الإسعاف 47 مرة إلى أقسام الطوارئ بسبب تعرضه لنوبات هلع ومحاولته الانتحار أكثر من مرة. لكن كل هذا انتهى بعد أن بدأ رحلة الاكتئاب من خلال برنامج جلسات «ضخ الكيتامين». 

الانتحار النفسي

يذكر موقع منظمة الصحة العالمية أن ما يقرب من 286 مليون شخص حول العالم يعانون من الاكتئاب والأمراض المرتبطة به مثل القلق والوسواس القهري؛ وكل عام يشهد العالم حوالي 800 ألف حالة انتحار في مناطق ودول مختلفة بسبب الاكتئاب.

ومن المعروف عن علاج الأمراض النفسية بشكل عام والاكتئاب بشكل خاص أنه يكون في مسارين متوازيين؛ جلسات العلاج النفسي مع الطبيب أو الأخصائي المُعالج؛ وفي الوقت نفسه في بعض الحالات يسير المريض على خطة علاج دوائية يتناول خلالها المريض واحدًا أو مجموعة من العقاقير الطبية.

أما عن علاج الاكتئاب بجلسات ضخ الكيتامين، فلا تكون فيه جلسات العلاج النفسي أساسية؛ بل اختيارية، وتكون جلسات ضخ مخدر الكيتامين في الدم هي العنصر الأساسي في خطة العلاج لأنها تكون فعالة بما يكفي وتُظهر آثارًا إيجابية على المريض سريعًا. فما سر جلسات العلاج بضخ الكيتامين؟

الكيتامين.. من مخدر للحيوانات إلى علاج للاكتئاب

في ستينيات القرن الماضي منحت الحكومة البلجيكية الرخصة لشركات الصناعات الدوائية لكي تنتج مخدر الكيتامين لغرض استخدامه في العمليات الجراحية والجلسات العلاجية المؤلمة، لكن ليس للبشر، بل كان مصرحًا باستخدامه للحيوانات فقط.

مع الوقت اكتشفت الأبحاث والاختبارات العلمية أن هذا المخدر يمكن أن يكون فعالًا وفي الوقت نفسه لا يشكل خطرًا في حال استخدامه مع البشر في العمليات الجراحية، وأثبتت الدراسات أيضًا أنه على عكس المخدرات الجراحية الأخرى؛ فإنه لا يعطل الجهاز التنفسي ولا يقلل من سرعة ضربات القلب.

لذلك لا يحتاج المريض المحقون بالكيتامين أن يُوضع على الجهاز التنفسي، ولهذا السبب استخدم لأول مرة بشكل موسع على البشر في سبعينيات القرن الماضي، عندما استخدمه الجيش الأمريكي لتخدير الجرحى والمصابين في حرب فيتنام.

وخارج الحروب؛ استخدم الأطباء الكيتامين في حالات الإنقاذ السريع للمصابين في الحوادث الخطيرة؛ ومن بينها كانت محاولات الانتحار. وقد لاحظ الأطباء مع الوقت أن المرضى الذين حاولوا الانتحار وتم تخديرهم به قد ظهرت عليهم علامات التحسن ولم يشعروا بالرغبة في الانتحار لمدة طويلة وصلت إلى عام كامل في بعض الحالات؛ وهنا أدرك الأطباء أن الكيتامين يظهر فاعلية تجاه تقليل حالات الاكتئاب الحادة التي تدفع المرضى إلى الانتحار غالبًا.

كيف يعمل الكيتامين؟

جلسات ضخ الكيتامين ليست الاختيار الأول لمرضى الاكتئاب؛ لكن ينصح بها دائمًا من يعانون من الاكتئاب المقاوم للعقارات والأدوية الاعتيادية. هذا قد يكون لأسباب عدة مثل التكلفة الباهظة لجلسة الضخ الواحدة والتي تتكلف بين 400 إلى 1000 دولار أمريكي، وهناك أسباب علمية أخرى سوف نتحدث عنها في السطور القادمة.

ولكن لنفترض أن المريض يعاني من مراحل متأخرة من الاكتئاب ولديه القدرة المالية على تحمل الكيتامين؛ لذلك يُقترح له اللجوء إلى جلسات ضخ، التي تكون عن طريق ضخ المخدر في دم المريض خلال جلسة علاجية تستمر بين 50-60 دقيقة.

Embed from Getty Images

تشير الدراسات والملاحظات أن المريض يحتاج إلى مساق مكون من ست جلسات يكون بين كل جلسة وأخرى فترة قصيرة لا تقل عن يوم ولا تزيد عن أسبوع، على أن تنتهي الجلسات الستة في فترة لا تزيد عن أربعة أسابيع متصلة. وتشير الأبحاث أن بعد الجلسة الثالثة يمكن للأخصائيين تحديد إن كان المريض يستجيب للكيتامين أم لا، ولكن جلسات ضخ الكيتامين تنجح دائمًا بنسبة تترواح بين 70-80%.

التأثير الإيجابي للجلسة الواحدة يمتد أثره من أيام إلى أسابيع، وقد يحتاج المريض إلى جلسة أخرى كل فترة تتراوح أيضًا بين شهر وحتى عام، وهذه الجلسة الإضافية تحدد بناءً على حالة المريض، ويقول المختصون إن جلسة إضافية واحدة تكفي لاستعادة الأثر الإيجابي للمساق العلاجي الأولي.

مريض الاكتئاب عادةً ما يعاني من خلل في الاتصال العصبي على صعيد المستقبلات والنواقل العصبية التي تتحكم في الشعور، والكيتامين الذي ضُخ في الدم يعمل على تحسين المستقبلات العصبية ويزيد من سرعة النواقل العصبية، كما أنه يرفع كفاءة الخلايا العصبية الحسية؛ وهذا يؤدي في النهاية للتحسن في شعور المريض وتحسن حالته النفسية بشكل إيجابي.

جلسات الضخ هذه لها آثار جانبية قد تكون خطيرة لكنها مؤقتة؛ وأهمها هو ظاهرة «التفكك العصبي (Mental Dissociation)» وهي التي توصف بأنها الحالة التي فيها ينفصل المريض تمامًا عن شعوره وأفكاره وذكرياته والأهم هو فقدانه القدرة على تحديد هويته وإتخاذ القرارات، في حالة يشبها البعض بتجربة ما قبل الموت (Near Death Experience).

وقد يستمر هذا العرض لمدة يومين؛ لذلك لا يسمح للمرضى بمغادرة العيادة أو المستشفى بمفردهم؛ وينصح بعدم الانخراط في أي أنشطة تتطلب حضورًا ذهنيًّا قويًّا مثل القيادة أو مراقبة الأطفال أو الإمضاء على عقد أو أي معاملات مالية.

لكن.. لماذا لم يعلن الكيتامين علاجًا رسميًّا للاكتئاب حتى الآن؟

يطرأ هذا السؤال دائمًا عندما تذكر النتائج الإيجابية لجلسات ضخ الكيتامين؛ لأن الكيتامين غير مصرح باستخدامه لغير أسباب التخدير في غرف العمليات وأقسام الطوارئ في المستشفيات. ولذلك أجرينا بحثًا عن إجابة هذا السؤال ووجدنا أسبابًا مختلفة يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1- الإدمان: اشتهر مخدر الكيتامين في تسعينيات القرن الماضي بين مدمني المخدرات على أنه من المكيفات أو موجبات السعادة المؤقتة، لأنه يُشعر من يتعاطاه بالنشوة ويضعه في حالة انفصال تام عن العالم وعن نفسه هو أيضًا لمدة قد تستمر لبضعة ساعات. 

وعلى الرغم من أنه لا يوجد أي من الأبحاث التي تؤكد تعرض مُتلقي جلسات ضخ الكيتامين إلى حالات الإدمان؛ إلا أن ذلك يشكل قلقًا ليس للمرضى فقط، بل للجهات والهيئات الطبية في كل أنحاء العالم.

2- نقص الأدلة البحثية: يوجد العديد من الدراسات والأبحاث؛ ولكن حتى الآن لا يوجد دراسة موسعة تعطي نتائج ومعلومات موثقة عن فاعلية الكيتامين أو ارتباطه بضرر صحي ونفسي مستقبلي، والأهم هو عدم الاستقرار على تركيزات ثابتة تمنح في كل جلسة، وهي أكثر ما يثير قلق الباحثين النفسيين في العالم كما يصفها الباحث والأستاذ بجامعة ييل الأمريكية جيرارد ساكورا.

وذلك لأن الجرعات الناقصة يمكن ألا تؤدي إلى فعالية، والجرعات الزائدة يمكن تؤدي إلى أخطار صحية، أو يمكن أن تؤدي إلى إدمان المريض للكيتامين.

3- سعر الجلسة المرتفع وعدم توافر العيادات المجهزة: كما ذكرنا في السطور السابقة أن الجلسة الواحدة يمكن أن تكلف المريض بين 400 إلى 1000 دولار، ولأن الكيتامين غير معتمد رسميًّا بوصفه علاجًا نفسيًّا؛ فهو ليس مدرجًا في أي من برامج التأمين الصحي في العالم.

وقد حاولت شركة «جونسون أند جونسون (Johnson & Johnson)» للصناعات الدوائية التغلب هذه الأزمة؛ من خلال إنتاج نسخة فعالة وأكثر أمانًا للكيتامين في شكل رذاذ للأنف تحت اسم «إسكيتامين (Esketamine)» وقد أثبت العلاج فاعلية عالية بالفعل؛ ولكن يكفي أن تعلم أنها قد تُكلف المريض بين 850- 3000 دولار شهريًا.

صحة

منذ 8 شهور
مترجم: نظرة جديدة على الاكتئاب.. حيلة دفاعية وليس مرضًا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد