«إن الاختبار الحقيقي للحركات الإسلامية لا يكمن في الإيمان بالديمقراطية وممارستها، بل في التمسك بها والحرص في كل الأحوال على الشراكة مع الأطراف الأخرى، رغم امتلاكها الأغلبية»، يشكل هذا التصريح الخاص برئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) خالد مشعل إقرارًا نوعيًا بخطأين جديرين بالقراءة، وهما سوء تقدير قوة الذات، وقوة الخصوم.

اعتبر مشعل خلال ندوة «التحولات في الحركات الإسلامية»، التي نظمها مركز الجزيرة للدراسات في الدوحة، أن امتلاك الأغلبية في الانتخابات أمر مهم، لكنه لا يكفي للزهد في الشراكة السياسية، فـ«الشراكة والتوافق هي الصواب لأن تعقيدات الواقع أكبر مما تظن الحركة الإسلامية»، كما قال، ويقرأ المختصون، في تغير مواقف حركة حماس خطابيًا، أنها محاولة من الحركة لمواجهة التحديات على الصعيد الداخلي والخارجي.

«ساسة بوست» تستعرض مع مجموعة من المختصين في شؤون الحركات الإسلامية والشرق الأوسط، قراءات خاصة لخطاب مشعل، أو بالأحرى لإقراره بخطأ حكم حماس.

نموذج بديل يدور داخل الدائرة ويختلف عن الحركة الأم (الإخوان)

يقسم الكاتب والباحث في حركات الإسلام السياسي مصطفى زهران، تحديات حماس إلى ثلاث جهات؛ التحدي الأول يتمثل في كيفية وجود هيكلية ثابتة أكثر مرونة لدى حماس، تستخدم فيها آليات تخول لها البقاء والتمرس حول آلية المقاومة، وهي في ذلك تسعى إلى تجديد خطاب يستمر بشكل أو بآخر، وهذا الخطاب يحتاج إلى المزيد من المرونة أيضًا.

ويوضح زهران لـ«ساسة بوست»: «المرونة التي أقصدها أن يكون لدى الحركة فهم وعمق لواقع الحركة في قطاع غزة بشكل خاص، وداخل فكرة المقاومة بشكل عام، وبالتالي حركة حماس التي جددت خطابها وجددت آلياتها لأكثر من مرة، منذ وجودها في السلطة، والسجال الذي حدث بينها وبين حركة فتح، ومحاولة الانقلاب عليها من الخارج؛ أتاح لحركة حماس التماس مع الكثير من المكونات السياسية في الداخل ومع الداعمين في الخارج».

ويضرب زهران مثلًا، بالرؤية المتباينة حول التقارب أو التباعد، بين حماس وإيران عقب الربيع العربي، والتي أيضًا من الممكن أن نتلمسها في موقف الحركة من الرئيس السوري بشار الأسد، إذ كانت إيران إحدى القلاع والمساحات التي تحصنت بها حركة حماس في السابق، إلا أنها بعد الربيع أصبحت تشهد رؤية مغايرة، وتسهم في القضاء على هبات الربيع العربي المسالمة، وينوه زهران إلى أن: «حركة حماس في شكلها وفي عمومها كانت تسعى لتجديد الخطاب، وتجديد الآليات رغم التباينات والفروقات بين الرؤية في الداخل والخارج، خاصة بين خالد مشعل وبعض القيادات التي كانت تسعى لوجود مساحات، إما متقاربة أو متباعدة بين اللاعب الإيراني واللاعب التركي».

وفيما يتعلق بموقف حركة حماس من الحركة الأم، وحرصها على عدم حدوث انقسامات كما حدث مع إخوان الأردن ومصر، يعقب زهران: «حركة حماس حتى وإن أصبح بينها وبين حركة الإخوان ربط كلاسيكي، إلا أن تراجع حركة الإخوان بهذا الشكل يدفعها للمحاولة بشكل أو بآخر لنقد النموذج، وإعطاء نموذج بديل يدور داخل الدائرة، لكنه يختلف عن الحركة الأم، ويكون له ميزة تؤصل له البقاء وتبعده عن الانحراف السياسي الذي شهدته جماعة الإخوان المسلمين»، خاصة بعد وجود رؤية دولية تسعى لإخراج الحركة من إطار «الجماعات الإرهابية»، لذلك يرى زهران أن حماس ربما تسعى بشكل ما لإيجاد خطاب توافقي مع مفهوم الأنسنة العالمي، ويقول: «تريد حماس البقاء في مجتمع دولي، وإيجاد فرصة للاستمرارية في ظل هيمنة الإسرائيليين بآلياتهم على المجتمع الغربي، وهي معركة تفهمها الحركة بأنها معركة طويلة الأمد وتحتاج إلى نفس طويل».

من جانب آخر، يتطرق زهران إلى تحدٍّ خارجي، متمثل في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والجماعات الراديكالية، التي أصبحت تهدد حركة حماس في مسألة الخطاب الجهادي والآليات الجهادية، إذ تسعى هذه الجماعات – خاصة تنظيم الدولة – للتقليل من الدور الجهادي لحركة حماس، ويقوم هو بعمليات تخالف موقف حماس، ويضيف زهران: «هذه التحديات التي تلاحق وتحاصر حماس، تدفعها إلى المسارعة لتغيير الآليات وتطوير الخطاب والسعي نحو إيجاد فرص للبقاء، أو إعطاء قبلة الحياة للحركة عبر تنفيذ رؤية مغايرة».

خطاب يمثل أرضية لنقاش داخلي حقيقي

يُعد خطاب مشعل الأخير خطابًا لرئيس حركة إسلامية في نهاية رئاسته، ومعلنًا عزمه عدم الترشح في الانتخابات القادمة، وبالتالي هو «متحرر» إلى حد ما من قيود المنصب التي تفرض عليه تحفظًا في إعلان مواقفه، كما يقول الباحث في شؤون الشرق الأوسط فراس أبو هلال، لكن هذا لا ينفي أن حديث مشعل يكتسب أهمية كبيرة، بسبب موقعه الحالي في قيادة حركة حماس، وأيضًا بسبب تطرقه للحديث عن حركات إسلامية أخرى، وليس حماس فقط.

ويعتقد أبو هلال من ناحية المبدأ، أن مراجعة مواقف حركة حماس أو أي حركة أو حزب هي أمر إيجابي ويسجل لهذه الحركة، لأن هذه المراجعة تعني إمكانية الاستفادة من التجربة التاريخية للحركة، واستثمار ما يمكن أن نسميه «حكمة القراءة بأثر رجعي» للأحداث، وهي الحكمة التي لم تكن متاحة للحركة عند بداية خوضها غمار المشاركة الديمقراطية في فلسطين، ويتابع أبو هلال خلال حديث لـ«ساسة بوست»: «من جهة أخرى، فإن المراجعات ضرورية لأن استمرار أي حركة أو حزب بسياساتها، دون الاستفادة من الأخطاء، سيؤدي بها إلى الخسارة والهلاك بدون شك».

ويشير أبو هلال هنا إلى الاستدراك الذي ذكره مشعل في حديثه عن هذه الأخطاء، وهو أن جميع الأطراف السياسية العربية «الإسلاميين وخصومهم» ارتكبوا أخطاء، وأن جميع الأطراف أيضًا لا خبرة سياسية كبيرة لها، ويقول أبو هلال: «أريد أن أركز أكثر على فكرة غياب الخبرة، لأنها تكتسب أهمية كبيرة، إذ إن جميع الأطراف السياسية العربية عانت من التجريف السياسي تحت الأنظمة القمعية، ولم يتح لها المشاركة السياسية حتى تكتسب خبرة في هذا المجال، وبالتالي فإن غياب الخبرة أمر متوقع، وهو ما يجعل ارتكاب الأخطاء متوقعًا أيضًا، وينطبق هذا التوصيف برأيي على جميع الأطراف التي استطاعت الثورات المضادة أن تتلاعب بها».

وعن أثر خطاب مشعل على الصعيد الداخلي لحماس، يعتقد أبو هلال أن تصريحات مشعل سيكون لها نوعان من التأثير؛ الأول: سلبي، لأن كثيرًا من الإسلاميين لديهم تحفظ جذري على النقد الذاتي تحت الأضواء، والثاني: إيجابي، لأن هذه التصريحات قد تمثل أرضية لنقاش حقيقي داخل الحركة، لنقاش أخطائها ونجاحاتها وإخفاقاتها بشكل شفاف، يساهم في إصلاح مسيرتها، ويعقب أبو هلال: «هذا الأمر سيؤدي دورًا إيجابيًا في تقويم مسار الحركة، وبالتالي المشروع الوطني الفلسطيني برمته».

ويستبعد أبو هلال أن يكون لمراجعة حركة حماس لمواقفها كما يظهر خطاب مشغل، تأثيرٌ على مراجعات الحركة الأم (الإخوان)، ويقول: «أعتقد أنه سيكون تأثيرًا هامشيًا، وذلك لأن ظروف الحركات الإسلامية تختلف من بلد لآخر، ولأن الحركة الأم تنظر لنفسها على أنها الأساس، وأن على الآخرين أن يتعلموا منها وليس العكس»، ويتابع القول: «كما أن المراجعات في أي حزب أو حركة تتطلب ظروفًا موضوعية وذاتية للنقد، وهي ظروف مفقودة لجماعة الإخوان الآن، فهي تعاني من ملاحقة وحملة إبادة كبيرة من السلطة، وتعاني في نفس الوقت من خلافات داخلية عمودية وأفقية، لم تشهدها من قبل».

وفيما يتعلق بوجود أثر إيجابي لخطاب مشعل على حركة فتح، إذ قال في خطابه «لقد ثبت أننا محتاجون للشراكة في تحمل المسؤولية والبرنامج السياسي المشترك وكذلك البرنامج العسكري»، يقول أبو هلال: «لا أتوقع أن يكون لخطاب مشعل تداعيات إيجابية على المدى القريب على علاقاتها مع حركة فتح، لأن الأخيرة تعاني هي نفسها من الرغبة بالاستئثار بالقرار والسلطة، كما أن لديها حساسية مفرطة تجاه الشراكة الحقيقية مع أي طرف فلسطيني، سواء حماس أو غيرها».

قيادة جديدة لمواجهة التداعيات

ذكر رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل قبل عامين، أن تجربة الحكم في غزة يجب أن لا يُقاس عليها بوصفها تجربة حركة إسلامية، بمعنى أنها «لم تكن تجربة ناجحة تشكل نموذجًا يحتذى به»، كما يقول المختص في شؤون الحركات الإسلامية خالد صافي، مضيفًا: «خالد مشعل عاد ليؤكد أنه كان من الخطأ أن يتم حكم غزة من قبل حماس وحدها، باعتبار أن القطاع يشكل إرثًا من المشاكل والتحديات والحصار مصريًا وإسرائيليًا، ويشكل تحديًا لأي جهة تقوم بحكمه».

ويعتبر صافي خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، أن انتخاب رئيس جديد للمكتب السياسي أمر عملي ومعتاد لحركة حماس التي تجري انتخابات كل فترة، لكن ما يميز الانتخابات القادمة أنها سوف تجري في وقت تعيش فيه الحركة تحديات متعددة، سواء على صعيد علاقتها مع إيران أو سوريا أو الدول العربية أو الرباعية أو مصر، ويعقب: «لذلك هي بحاجة إلى مراجعات وآليات جديدة، تأخذ فيها القيادة الجديدة بعين الاعتبار المستجدات على الساحة الفلسطينية والعربية والدولية»، مشيرًا إلى أن حماس باعتبارها حركة إسلامية عليها أن تقوم بمراجعات نقدية، وقد تحدثت الحركة أنه مع نهاية هذا العام ستقدم رؤية فكرية «أيديولوجية»، وهي بصدد تحضير لهذه الرؤية على الصعيد السياسي والأيديولوجي.

ويشير صافي إلى أن مراجعات الحركات الإسلامية تكون بطيئة عن الحركات الأخرى، لأنها مرتبطة بأيديولوجية، مستدركًا: «لكن على حركة حماس أن تقوم بهذه المراجعات لمواجهة التداعيات، نتمنى أن تكون حماس على هذا القدر من التحدي والبرجماتية لمواجهة هذه التحديات ومعالجتها، وابتكار وسائل سياسية جديدة، سواء على الصعيد السياسي أو العسكري والإعلامي، وهي مطالبة بشدة بأن تقوم بعملية مراجعات سياسية نقدية فكرية».

عرض التعليقات
تحميل المزيد