كان العرب يعتبرون السيف «سلاح الفروسية»؛ لأنه يجعل الخصمين قريبين من بعضهما البعض، كما أن البقاء على قيدِ الحياة في قتال السيف يعتمد على القوة والمهارة، وليس مجرد الحفاظ على مسافة آمنة من الخصم، ومن هنا حظي خالد بن الوليد بلقبه «سيف الله المسلول»، يقول عنه الجنرال الباكستاني؛ أ. أكرم: «إن خالد بن الوليد قد جمع بين خفة الحركة، والسرعة، والقوة، والمهارة. كانت الحرب شاغله الأكبر، وكانت أفكاره أفكار قتال، وطموحه طموح نصر». يضيف الجنرال: «كان تركيبه النفسي عسكريًا، وكان يصبو إلى خوض معارك كبيرة وإحراز انتصارات عظيمة». وقد حقق القدر لخالد بن الوليد ما كان يطمح فيه. فكيف رأى المؤرخون والمحللون العسكريون في العالم غزوات خالد بن الوليد ومعاركه؟

الجنرال الباكستاني أ. أكرم: لم يخسر قط أي معركة

أ. أكرم، هو ضابط باكستاني برتبة لواء، وكان مسؤولًا عن تدريس مادة التاريخ العسكري في كلية القيادة والأركان الباكستانية، وقد قدم في كتابه «سيف الله المسلول: خالد بن الوليد» دراسة تاريخية عسكرية عن معارك خالد بن الوليد وحياته، كونه واحدًا من أشجع القادة العسكريين في عصره. «لم يخسر قط أية معركة، ودحر كل جيش تجرأ على الوقوف في وجهه»، مثلما يذكر الجنرال الباكستاني.

يروي الجنرال عن «غزوة أحد» في كتابه، قائلًا: «إنها كانت ثاني معركة رئيسة في تاريخ الإسلام، وأول معركة في حياة خالد بن الوليد»، وبها بدأ الجنرال الباكستاني كتابه، قائلًا: «هناك حقيقة هامة أظهرتها هذه المعركة، وهي فكر خالد بن الوليد العسكري ومهارته»؛ إذ كان خالد وقتها في معسكر القرشيين، وبعد هزيمة قريش في النصف الأول من المعركة، كان خالد بن الوليد على جناح اليمين لفرسان قريش، وعكرمة بن أبي جهل على جناح اليسار، لم يتخل أيهما عن مواقعهما، وكانا مسيطرين تمامًا على رجالهما، وحينها راقب خالد بن الوليد بحذر فوضى ما يحدث أمامه، وبعينٍ ثاقبة، رأى النبالة المسلمين وقد تخلوا عن مواقعهم في «عينين»، وهي هضبة هامة تسيطر على المنطقة المحيطة بها، وبدأوا في التوجه ناحية مخيم قريش من أجل الغنائم، وانتظر خالد حتى وصول النبالة إلى مخيم قريش، ومن ثم شن هجومه الذي قلب المعركة رأسًا على عقب.

خالد بن الوليد

هاجم ابن الوليد بالخيالة بعض النبالة القلائل الذين بقوا بمواقعهم في عينين، من أجل الإستيلاء على الهضبة، ليتسنى له القيام بالمناورة؛ فقتل من قتل، وطُرد عن الهضبة من بقى منهم على قيد الحياة من شدة الهجوم، حينها يقول الجنرال أكرم: «كرَّ خالد على مؤخرة جيش المسلمين وهو واثق بأنه سيأخذهم على حين غرة، وسيدمرهم في الحال»، ووقع المسلمين بين نارين؛ فخيالة قريش تهاجم من المؤخرة، والكتلة الرئيسة من مشاتهم تهاجم من الأمام، وكان ابن الوليد يوجه الهجمة تلو الهجمة على الكتلة الرئيسة للمسلمين معتمدًا على رمحه.

وكان خالد كلما طرح رجلًا أرضًا، يصرخ قائلًا: «تلقّ هذا! فأنا أبو سليمان»

يشير الجنرال الباكستاني إلى أن تلك المعركة كانت دليلًا على شجاعة خالد بن الوليد غير الاعتيادية، مُضيفًا: «رأينا تصميم خالد وإصراره على الضغط المتواصل ضد المسلمين الذين كانوا يقاومون بعناد إلى أن اندحروا»، وكانت نتيجة تلك المعركة هي هزيمة المسلمين أمام قريش؛ إلا أنه بدون خالد ابن الوليد ونظره الثاقب لما لاحظ معسكر قريش الثغرة التي نشأت عندما ترك الرماة مواقعهم، ويضيف الجنرال أن خالد قد رأى الثغرة واتخذ قرارًا سريعًا باستغلال الفرصة وتوجيه هجمة معاكسة، وقام بمناورة بارعة قلبت نصر المسلمين إلى هزيمة.

ابن الوليد بعيون الكلية الحربية للجيش الأمريكي

في ورقة بحثية قدمها الدكتور كريستيان كيلر لـ«الكلية الحربية للجيش الأمريكي»، قسم البحوث الاستراتيجية، بعنوان: «الجهل المتعمد: نظرية الشرق الأوسط والتاريخ»، جرى تحليل الاستراتيجية الحربية لاثنين من أبرز قادة الإسلام، هما خالد بن الوليد، وصلاح الدين الأيوبي. يقول كيلر في بداية بحثه: إن هناك جهلًا متعمدًا فيما يتعلق بفكر الشرق الأوسط الحربي؛ إذ يتلقى طلاب الكلية الحربية أساسًا غربيًا للفكر الاستراتيجي، وذلك في مقابل جهل تام بما يتعلق باستراتيجية الشرق الأوسط الحربية؛ إذ خاضت الولايات المتحدة بحسبه عدة حروب في الآونة الأخيرة كان الشرق الأوسط جزءًا لا يتجزأ منها، بداية من إدخال القوات الأمريكية إلى أفغانستان، لمحاربة «تنظيم القاعدة»، ومن ثم حرب العراق، ووصولًا إلى عمليات الجيش الأمريكي داخل العراق وسوريا لهزيمة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، ومن ثم مساعدة التحالف السعودية في حرب اليمن ضد المتمردين الحوثيين.

«هناك روابط واضحة بين استراتيجية خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي، وخصوم الولايات المتحدة المعاصرين في الشرق الأوسط والصحراء الأفريقية ووسط وجنوب آسيا». *كريستيان كيلر

يشير كيلر إلى أن هناك رابطًا ما بين نظرية العصبية عند ابن خلدون وبين الطريقة التي خاضت بها الكيانات القبلية المسلمة – بحسبه – حروب القرن السابع الميلادي، مُضيفًا أن الإلهام الديني للدين الجديد الناشئ حينذاك ـ الإسلام ـ قد دفع المحاربين الذين تحولوا إلى الإسلام للتغلب والاستيعاب، وهو الأمر الذي يصفه الكاتب بأنه ومع كل فتحٍ جديد لقبيلة تم إخضاعها، يتبعها فتح مدينة، ومن ثم دولة، حتى تحولت جيوش الخلفاء الراشدين إلى «الجيوش الإسلامية» بحلول الخلافة الأموية، وكانت العصبية الإسلامية لتلك الجيوش، رغم اختلاف أعراقها بين القبائل العربية والفرس والأفارقة، قد خلقت مزيجًا لا يمكن الوقوف في وجهه؛ مما أدى إلى هيمنة مبكرة.

يشير الباحث إلى أن خالد بن الوليد كان يدرك جيدًا أن العصبية القبلية ما زالت مسيطرة على العرب، حتى وإن تجمعوا تحت راية الإسلام، ولذلك كان يفضل أن تبقى أقوى كتلة من المحاربين في المنتصف، مع آخرين أقل عددًا أو من المحاربين ذوي القدرات الأضعف في الجناح الأيمن والأيسر. بحسب كيلر، أدرك ابن الوليد في وقتٍ مبكر من قيادته للجيوش الإسلامية أن تكوين أفواجًا من الفرق القبلية المختلطة كان خطأ، وهو أم تداركه في المعارك التي تلت ذلك. يشير الكاتب إلى أن ابن الوليد كان المسؤول عن توسيع رقعة الإسلام في عهد النبي محمد عن طريق فتوحات شبه الجزيرة العربية والعراق وسوريا، وقد فهم ابن الوليد طبيعة الحرب القبلية، وتمكن من استغلالها في تشكيل جيش مخصص يمثل قبائل متعددة، وصنع منهم قوة قتالية فعالة سيطرت على القبائل الأخرى، وهزموا جيوش الفرس الساسانيين والبيزنطيين.

«كانت جيوش ابن الوليد تسير بلا هوادة، وتغطي مساحات شاسعة من الصحراء، مُستغلين خفة حركتهم في إرهاق الخصوم قبل الاشتباك معهم»، إذ اتبع ابن الوليد تلك الاستراتيجية في المعارك الكبرى. يروي كيلر عن معركة الولجة، غرب نهر الفرات، قائلًا: «إن المحارب الفارسي عُرف بأنه أفضل محاربي عصره، وأن الجيش الفارسي كان الآلة العسكرية الأكثر قسوة وكفاءة في ذلك الوقت، حتى قابلوا جيش ابن الوليد؛ إذ افتقر الجيش الفارسي إلى خفة الحركة، وهو الأمر الذي قام ابن الوليد بدراسته جيدًا، واستغله ضدهم في معركة الولجة؛ إذ جاء جيش ابن الوليد مسلحًا تسليحًا خفيفًا وسريع الحركة، كما قام بتحريك جيشه بوتيرة مفاجئة، وعلى الرغم من أن الجيش الفارسي كان متقدمًا في الأعداد، ولديه السلاح الأفضل، إلا أنه كان يتفاعل مع المعركة ببطء، وعندما حاولت القوة الفارسية الأكبر المبادرة بكسر صفوف المسلمين، أشار ابن الوليد إلى سلاح الفرسان لمهاجمة الفرس من كل ناحية؛ إذ كان يحتفظ باحتياطي متنقل من سلاح الفرسان، وذلك لاستغلالهم أثناء الالتحام مع صفوف العدو، أو لمطاردة مشاة العدو عند الفرار. حينها أصيب الفرس بالذعر، وهزموا شر هزيمة، وأصبح الباب مفتوحًا أمام المسلمين لغزو كل بلاد ما بين النهرين.

التاريخ يكتبه المنتصر.. كيف رأى المغلوبون الفتوحات الإسلامية؟

المؤرخ البريطاني هيو كينيدي: ابن الوليد قائد عسكري لا يبارى

«خالد بن الوليد، أرستقراطي مكي وقائد عسكري لا يبارى» *هيو كينيدي

يحكي المستشرق والمؤرخ البريطاني هيو كينيدي في كتابه «الفتوح العربية الكبرى»، عن دور خالد بن الوليد في فتح العراق، فيقول: «إن خالد قد وصل إلى حدود العراق في ربيع سنة 633م، أو أوائل الصيف، وكانت القوة الإسلامية التي جاء بها صغيرة تمامًا، حوالي ألف رجل، إلا أنهم كانوا مجموعة حسنة التنظيم، وتحت قيادة حسنة؛ إذ كان ابن الوليد قائدًا عسكريًا لا يبارى».

كان ابن الوليد منذ وقت وفاة النبي محمد قد تولى إخماد حركات الردة في شمال شرق الجزيرة العربية، وعندما أتى الأمر بفتح العراق من أبي بكر الصديق، لم تكن الجيوش الإسلامية وقتها قادرة على مهاجمة الإمبراطورية الفارسية كلها، ولذا جاء الأمر بفتح القبائل العربية من العراق فقط، وهي المنطقة الممتدة غرب نهر دجلة، وقد جاء الأمر لخالد ابن الوليد ليتولى قيادة الجيوش الإسلامية المتجهة نحو الحدود العراقية، يقول عن ذلك كينيدي: «إن الهدف كان إخضاع جميع قبائل البدو العرب تحت الحكم الإسلامي».

يشير كينيدي فيما يتعلق بدور ابن الوليد قائلًا «إن خالد قد تجول على امتداد الحدود العراقية قامعًا أية مقاومة واجهها بين البدو، ومن ثم هزم الحاميات الفارسية في حصون الحدود، حتى دخل مدينة الحيرة القديمة، وكان لابد من قليلٍ من القتال لإقناع السكان بالاستسلام»، بحسب كينيدي، فيقول إن أعيان العرب كانوا يحصنون أنفسهم في قصورهم، ويحدقون من فوق شرفاتها، بينما كانت قوات المسلمين يجوبون مساحات المدينة الخالية. وقد كان ذلك هو الوقت المناسب لعقد المفاوضات؛ إذ كان أعيان العرب على أتم استعداد للصلح في مقابل الجزيرة وعدم التعرض إلى الكنائس والقصور، وقد كانت الجزية التي دفعت من مدينة الحيرة، هي أول جزية ترسل من العراق إلى المدينة المنورة.

أما عن خالد ابن الوليد، فيقول كينيدي أنه لم يسترخ بفتح الحيرة، إذ واصل مسيرته شمالًا نحو الأنبار، وهو مدينة عربية أخرى على حواف الصحراء، ومن ثم غربًا إلى الواحة، وفي كلتا المدينتين قد واجه مقاومة من الفرس ومن جانب العرب المحليين أيضًا، ويُقال إن كثيرًا من الأسرى – بحسب كينيدي – الذين جرى أسرهم في تلك الغارات الأولى، قد تم الاحتفاظ بهم عبيدًا لبعض الوقت، تُسند إليهم الأعمال الشاقة، وبعدما جرى تحرير العديد منهم فيما بعد، انضموا إلى موالاة القبائل العربية ودخلوا في زمرة المسلمين، ويقول كينيدي عن ذلك: «كانت هذه هي الطريقة التي كسب بها المسلمين الكثير من الناس الذين فتحوا بلادهم، وقد ضموهم إلى قواتهم العسكرية للقيام بالمزيد من الفتوح».

يشير كينيدي إلى أن هجمات خالد بن الوليد على بلاد العراق كانت أكثر وطأة من حروب الردة؛ إذ كان هدفه أن يضمن ولاء القبائل العربية للحكومة المسلمة في المدينة، وقد أكدت هزائم قوات الحدود الفارسية والجزية التي تمكن من الحصول عليها جدارته قائدًا عسكريًا، وقبل أن ينطلق ابن الوليد في قلب العراق ليواجه القوة الكاملة للجيش الفارسي، أتاه أمرًا من الخليفة أبي بكر الصديق بالتوجه عبر الصحراء للمساعدة في فتح بلاد الشام.

روبن إس. دواك: خالد ابن الوليد سيد حروب الصحراء

يحكي الكاتب الأمريكي روبن إس. دواك عن خالد بن الوليد في كتابه «إمبراطورية العالم الإسلامي»، قائلًا: إن خالد بن الوليد كان سيد حروب الصحراء بلا منازع، وأعظم قائد حربي، وفي أوائل عام 635، أمره خليفة المسلمين عمر بن الخطاب بشد الرحال لمسيرة 200 ميلًا في الصحراء، حوالي 312 كيلومترًا، وذلك من أجل مهاجمة دمشق، عاصمة سوريا، ومعقل الإمبراطورية البيزنطية، يقول دواك: «وفقًا للأسطورة، أخذ خالد معه مجموعة  كبيرة من الإبل بعد أن شربت حتى امتلأ سنامها بالماء، ومن وقتٍ لآخر كان القائد يأمر بقتل واحدًا من هذه الجمال، لتشرب الخيل من الماء المخزن لديه، ومن ثم يترك الرجال يأكلون لحومهم»، ويضيف دواك أن تلك الحيلة أبقت جيش خالد صامدًا مدة الحصار. وبعد ستة أشهر من حصارِ دمشق، كان مواطنو المدينة لا يجدون ما يأكلونه نظرًا لانقطاع الإمدادات؛ مما اضطرهم للاستسلام، ودخل ابن الوليد ورجاله المدينة بعد أن وعدهم بالأمان، وألا يتم تدمير مدينتهم، وألا يدخل جنود المسلمين منازلهم، وذلك طالما سيدفع أهل دمشق الجزية المطلوبة من قبل الخليفة.

يقول الكاتب عن ابن الوليد إنه لم يكن قاسيًا أو وحشيًا، وهو الأمر الذي دفع مواطني الإمبراطورية البيزنطية للترحيب بالغزاة المسلمين بأذرعٍ مفتوحة، وذلك للتخلص مما لاقوه من اضطهادٍ على يدِ البيزنطيين القساة، بحسبه. وفي ذكر خالد ابن الوليد يقول: «إن جيوش المسلمين قبل الانضمام تحت لواء ابن الوليد، قد كانت تتكون من مجموعة من المتطوعين، جاءوا من مختلف القبائل والأعراق، وكانت مهمة خالد الأولى هي تحويل تلك العصبيات القبلية المتنوعة إلى آلة قتالٍ موحدة. كانت أول أعمال ابن الوليد هي تنظيم الجيش؛ إذ قام بتقسيم جيشه إلى فرقٍ، لكلٍ منها مكان محدد في ساحات القتال: مركز، وجناحان أيسر وأيمن، وطليعة الجيش كانت في المقدمة». برع القائد ابن الوليد في الهجمات المفاجئة، بحسب دواك، كما درب سلاح الفرسان على استخدام الرمح، وكان المشاة يحملون السهام والأقواس والمقاليع والسيوف، وكانت حروب الردة، والتي تولاها ابن الوليد، هي التي صنعت أول جيش إسلامي.

هل كانت حضارة الإسلام عنصرية ضد المرأة؟ 5 مسلمات لعبن أدوارًا خطيرة في التاريخ

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد