في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2021 أعلن تنظيم «ولاية خراسان» التابع لتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» تبنيه تفجيرًا استهدف مسجدًا للشيعة في مدينة قندهار (جنوبي أفغانستان) وأوقع عشرات القتلى والجرحى.

وفي المقابل قال الناطق باسم وزارة الداخلية بحكومة «طالبان» قاري سيد خوستي: «نشعر بالحزن لعلمنا بأن انفجارًا وقع في مسجد للإخوان الشيعة في المنطقة الأولى بمدينة قندهار والذي استشهد وأصيب فيه عدد من أبناء وطننا»، بينما دعا المتحدث باسم المكتب السياسي لحركة «طالبان»، محمد نعيم، المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته تجاه أفغانستان بالاعتراف بالنظام فيها، فكيف تأسس «ولاية خراسان»؟ وأين يتمركز؟ وما علاقته بحركتي «طالبان» والقاعدة؟ وما مدى خطورة التنظيم؟

انقسام في «طالبان» صنع فرعًا لـ«داعش»

بعد اغتيال زعيمها حكيم الله محسود بغارة أمريكية أواخر 2013، حدث انقسام داخل حركة «طالبان» باكستان على زعامة الحركة، وبرزت ثلاثة أسماء قوية لخلافة محسود، وهم: المولوي فضل الله، وحافظ سعيد خان، وسيد خان سجنا.

حُسم الخلاف لصالح المولوي فضل الله الذي تولى زعامة الحركة، ليبدأ أمير مقاطعة أوركزاي بباكستان، سعيد خان، في القيام بعمليات مسلحة بعيدًا عن «طالبان»؛ إذ تحول الخلاف على الزعامة داخل الحركة إلى انشقاق قاده سعيد خان، وأمير مقاطعة «كرم» بمنطقة القبائل شمال باكستان دولت خان، وأمير مقاطعة «خيبر» فاتح جل زمان، وأمير مقاطعة «هنجو» خالد منصور، وأمير مدينة «بشاور» المفتي حسن، والمتحدث باسم الحركة حينها، شاهد الله شاهد.

وأعلنوا جميعًا ولاءهم لأبي بكر البغدادي، وفي أوائل 2015 اعترف تنظيم «داعش» بإنشاء ولايةٍ له في خراسان، بقيادة سعيد خان، وخراسان هو الاسم التاريخي للمنطقة التي تشمل إيران، وأفغانستان، وتركمانستان، وطاجيكستان، وأوزباكستان.

أنشأ «ولاية خراسان» فرعين له في ولايتي «ننكهار» و«كُنر» شرق أفغانستان، وفي باقي مناطق أفغانستان اشتبك عناصر «داعش» مع «طالبان» بعد أن تمكن التنظيم من تشكيل خلايا نائمة داخلها خصوصا في كابول والمناطق الحدودية مع باكستان.

وأفاد تقرير لوحدة الدعم التحليلي ورصد الجزاءات بمجلس الأمن في يوليو (تموز) 2021 بأن الخسائر التي تكبدها تنظيم «داعش» (ولاية خراسان) هناك من الأراضي بالتحديد أثرت على قدرة الجماعة على التجنيد والحصول على تمويل جديد.

تقرير مصور عن تنظيم «ولاية خراسان» لقناة الجزيرة 

وعلى الرغم من تقديرات المخابرات المركزية الأمريكية التي تشير إلى أن «ولاية خراسان» يحتفظ بنواة أساسية تتألف مما يتراوح بين 1500 و2200 مقاتل تقريبًا في مناطق صغيرة من ولايتي «كنر» و«ننكرهار»، إلا أن «ولاية خراسان» (على عكس التنظيم الأم) ينتهج طريقة اللامركزية، وأصبح يتألف أساسًا من خلايا ومجموعات صغيرة منتشرة في جميع أنحاء البلاد، تعمل بطريقة مستقلة وتؤمن بنفس الأفكار.

 وتتألف النواة الأساسية لـ«ولاية خراسان» في «كنر» من مواطنين أفغان وباكستانيين، في حين تتألف المجموعات الأصغر الموجودة في «بدخشان» و«قندوز» و«ساري بول» من أفراد هم في معظمهم من الطاجيك والأوزبك المحليين. 

وأشارت تقارير صادرة عن أجهزة الأمن في النظام السابق إلى تعطيل خلية مكونة من 450 فردًا من تنظيم «ولاية خراسان» في المناطق المحيطة بـ«مزار الشريف» في ولاية «بلخ»؛ مما يشير إلى أن الجماعة قد تكون أقوى في شمال أفغانستان مما كان يعتقد من قبل.

وبحسب تقدير وحدة الرصد بمجلس الأمن، فـ«ما زال تنظيم الدولة الإسلامية – ولاية خراسان – يحافظ على اتصالاته مع تنظيم «داعش» الأم، وإن كان ذلك بطريقة غير متواترة، لكن دعم التنظيم الأم لفرع خراسان بالتمويل قد نضب بالفعل».

لكن وفقًا لتقرير للمخابرات المركزية الأمريكية فإن التنظيم تتعدد مصادر تمويله؛ إما من التنظيم الأم، أو من عمليات تجارية، أو فرض الضرائب، أو ممارسة الابتزاز على الشركات أو الأفراد، ولم يوضح التقرير طبيعة التعاملات التجارية التي يجريها التنظيم.

أبرز عمليات تنظيم «ولاية خراسان»

نفذ تنظيم «ولاية خراسان» العديد من العمليات المسلحة، ولم ترتكز هجماته على المواقع العسكرية، بل شملت أهدافًا مدنية، منها حفلات زفاف، ومراكز طبية، ومدرسة للفتيات، وتجمعات للأقلية الشيعية، ويمكن رصد أكثرها دموية بالتسلسل التالي:

في 26 أغسطس (آب) 2021 أعلن تنظيم «ولاية خراسان» التابع لتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» مسؤوليته عن تفجير مطار كابول، والذي راح ضحيته 85 مدنيًا، و13 عسكريًا أمريكيًا، وأكثر من 150 مصابًا.

Embed from Getty Images

تفجير مطار كابول 

الهجوم أدانته حركة «طالبان» التي أطاحت بحكومة أشرف غني في الخامس عشر من الشهر نفسه؛ إذ يعدّ بمثابة تحدٍّ أمام الحركة التي تسلمت حكم البلاد حديثًا، في الوقت الذي أراد فيه «ولاية خراسان» أن يرسل رسالة تؤكد وجوده في العهد الجديد، فمن أين أتى تنظيم «ولاية خراسان»؟ وما مدى خطورته على الأوضاع السياسية والأمنية في أفغانستان؟

أعلنت وكالة «أعماق» الناطقة باسم التنظيم في 23 يوليو 2016 أن انتحارييْن فجّرا نفسيهما في تجمع للشيعة في كابول، وأسفر الهجوم عن مقتل 80 شخصًا، وأصيب 231 آخرين، وكذلك تنكّر أعضاء من التنظيم في زي أطباء، في 8 مارس (آذار) 2016، وهاجموا المستشفى العسكري في كابول، وأوقعوا أكثر من 50 قتيلًا.

Embed from Getty Images

معركة بين القوات الأفغانية وعناصر من تنظيم «ولاية خراسان»

واستهدف التنظيم مركزًا لتسجيل الناخبين بالعاصمة كابول في 22 أبريل (نيسان) 2018 أسفر عن مقتل 57 شخصًا على الأقل بينهم 21 امرأة وخمسة أطفال، وأصيب ما لا يقل عن 119 شخصًا، وكذلك هاجم التنظيم حفل زفاف بكابول في 17 أغسطس 2019، نتج عنه 63 قتيلًا، و182 جريحًا.

وهاجم التنظيم في مايو (أيار) من العام الجاري مدرسة للفتيات في كابول، وقتل 68 شخصًا على الأقل، وجرح أكثر من 165، معظمهم من الفتيات، وفي 26 أغسطس الماضي أعلن التنظيم مسؤوليته عن الهجوم على مطار كابول، وفي الثامن من أكتوبر (تشرين الثاني) 2021، نفّذ التنظيم تفجيرًا بمسجد للشيعة في مدينة «قندز» الأفغانية شمال البلاد، أسفر عن مقتل 46 شخصًا، وإصابة 143 آخرين.

محاربة التنظيم.. قصف من أمريكا واعتقالات من «طالبان»

تلقى «ولاية خراسان» ضربات موجعة منذ نشأته، ففي فبراير (شباط) 2015، قُتل الملا عبد الرؤوف كاظم، نائب قائد التنظيم، وفي يوليو 2016 قُتل حافظ سعيد خان قائد التنظيم، وتولى بعده عبد الحسيب اللوجري قيادة التنظيم، لكنه قُتل مثل سلفه في عملية مشتركة بين القوات الخاصة الأمريكية والأفغانية في 27 أبريل 2017.

ثم تولى مولوي ضياء الحق قيادة التنظيم، ونظرًا لإخفاقات التنظيم المتعدد تحت قيادته، عزله أبو بكر البغدادي، وعيّن أبا سعد أرحبي، الذي قُتل أيضًا في 26 أغسطس 2018، وأصبح عبد الله أوراكزاي (إسلام فاروقي) زعيمًا للتنظيم، وقد اعتُقل بدوره في 4 أبريل 2020 برفقة 19 قياديًا.

Embed from Getty Images

مروحية أمريكية في مهمة ضد عناصر ولاية خراسان في أفغانستان

وفي 12 من أبريل 2020 اعتقلت «طالبان» زعيم «داعش» في جنوب آسيا أبو سعيد باجوري (أبو عمر خراساني)، والذي أعدمته بعد سيطرتها على البلاد في أغسطس 2021، وإلى جانب ذلك فقد استهدفت الهجمات التي شنتها القوات الأجنبية من جهة وهجمات حركة «طالبان» من جهة أخرى، مستويات قيادية أقل بـ»ولاية خراسان»، فضلًا عن استهداف مقاتلي التنظيم.

وكذلك استخدمت الولايات المتحدة القنبلة «GBU43» المعروفة باسم «أم القنابل» ضده في أبريل 2017، وهي أضخم سلاح غير نووي في الترسانة الأمريكية، ولم يسبق لها أن استخدمتها من قبل، كما استخدمت في هجوم على قياديين بـ«داعش» في 28 أغسطس الماضي، الصاروخ «R9X»، وهو سلاح خاص نادرًا ما يُستعمل.

العلاقة مع «طالبان» والقاعدة

في حوار سابق مع زعيم «ولاية خراسان» حافظ سعيد خان، أجرته مجلة «دابق» مطلع 2016، سُئل عن وضع الحرب بين التنظيم وحركة «طالبان»، فأجاب: «الحرب بيننا وبين طالبان ما زالت قائمة» ومنذ ذلك التاريخ لم يحدث تقارب بين الحركتين، بل بلغت العلاقة بينهما حد العداوة المسلحة.

وسبق أن كتب أبو ميسرة الشامي مسؤول الإعلام في التنظيم رسالة (فاضحة الشام وكسر الأصنام)، ذكر فيها عنهم: «أكثرهم ديوبندية – نسبة إلى جامعة دار العلوم في الهند، وإليها ينتسب أغلب مقاتلي طالبان – (وهم) فرقة ضالة على الإرجاء، والرأي، والكلام… وأكثر أمرائهم لهم علاقات مع طوائف التجسس المرتدة في باكستان – في إشارة إلى «الاستخبارات الباكستانية (ISI)» – وكثير من جنودهم على شرك أكبر مخرج من الملة».

وختم أبو ميسرة رسالته بقوله: «وأخيرًا أقول لأختر محمد منصور (زعيم طالبان السابق)، لا تعارض بين قتال الصليبيين وقتال الموالين للطواغيت، فكما أن الدولة الإسلامية قاتلت الصليبيين في العراق، وقاتلت الصحوات، كذلك ستقاتل الصليبيين في خراسان وتقاتل طوائف طالبان».

ورغم ذلك يشير تقرير لـ«بي بي سي» إلى وجود علاقات بين التنظيميْن، عبر جماعة «شبكة حقاني» وزعيمها أنس حقاني نائب أمير «طالبان»، الذي عُيّن وزيرًا للداخلية في حكومة الحركة الجديدة، لكن ما يزيد من صعوبة احتمال التفجيرات الأخيرة تزيد من صعوبة التقارب بين التنظيمين، فضلًا عن أن أي تقارب بين «طالبان» و«داعش» سيعني بالنسبة للولايات المتحدة خرقًا للاتفاقيات التي أبرمتها مع الحركة.

Embed from Getty Images

جامعة دار العلوم – ديوبند

ويدعم جاسون بيرك، مراسل صحيفة الجارديان السابق في أفغانستان، في مقال له وجهة النظر القائلة بأن «طالبان» لديها خلافات فكرية لا يُستهان بها مع «ولاية خراسان»، وأنه على الرغم من المكاسب المبكرة التي حققها «ولاية خراسان» الذي نشأ قبل ست سنوات فقط في أفغانستان، فإنه سرعان ما خسرها عندما هاجمته «طالبان» بقوة، مضيفًا أن «طالبان» لن تسمح بتولي زمام الأمور لـ«وافد مغرور جديد على أفغانستان» مكوّن إلى حد كبير من قادة «طالبان» السابقين الساخطين من باكستان وأوزباكستان.

وفي موازاة ذلك يتهم «ولاية خراسان» قادة وعناصر «القاعدة» بأنهم عملاء لأجهزة الاستخبارات العالمية، ففي رسالة أبي ميسرة الشامي، كتب: «وإمارة «طالبان» ليست أفضل من تنظيم القاعدة الذي ضلّ بعد استشهاد الشيخ المجاهد أسامة بن لادن. فهل كان يظن أي جهادي أن أحد أفرع تنظيم القاعدة سيناصر المرتدين من العلمانيين والممتنعين عن الشرائع، والموالين لآل سلول على المسلمين؟».

وأضاف في رسالته «وهل كان يعرف أحدهم أن تنظيم القاعدة له سفير مقيم في طهران بإيران، وأن خط الهجرة إلى خراسان تحت إشراف مخابرات الروافض الصفويين الذين لا يكفّرهم الظواهري ولا الملا عمر؟»، وهي مؤشرات تبين أن الخلافات ليست في الأفكار فقط، بل امتدت إلى الاتهام بموالاة «الأعداء العقائديين والسياسيين».

ما مدى خطر «ولاية خراسان»؟

يتعامل العالم بتوجس كبير مع حركة «طالبان» منذ وصولها إلى السلطة في أفغانستان، ومن ثمّ فأنه في ظل وجود عناصر من تنظيم القاعدة (من 200 إلى 500 مقاتل حسب تقدير مجلس الأمن) ووجود تنظيم «ولاية خراسان»، فإن حركة «طالبان» ستكون أمام اختبار شديد الصعوبة للمحافظة على أمرين: أولهما، منع المقاتلين الأجانب من القيام بأي هجمات داخلية على غرار تفجير مطار كابول، والثاني، منع تحويل البلاد إلى مقر انطلاق للهجمات الخارجية على غرار ما حدث في 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد